خالد هاشم - الفلاح الفصيح يكتب بردياته من جديد قراءة نقدية في ديوان الشاعر حسني الإتلاتي

صرخة العدالة عبر البردي
يفتتح حسني الإتلاتي ديوانه برديات جديدة للفلاح الفصيح بمقطع من بردية الاحتجاج يحمل في طياته جوهر التجربة الشعرية

أنا مطعم الرومان
واليونان من قمحي
ومن قمحي أجوع
أموت في طابور الخبز
لا بأسلحة الدمار

حين يقرر شاعر أن يخلع عباءة الحاضر ويعود إلى جذوره الأولى فهو لا يهرب من الواقع بل يبحث عن سلاح تاريخي يواجه به انكسارات العصر وهذا تماماً ما صنعه حسني الإتلاتي في ديوانه الأحدث إذ نجح عبر هذه المجموعة الشعرية في إعادة إحياء واحدة من أقدم وأعمق صرخات العدالة في التاريخ الإنساني ليجعل منها مرآة مصقولة تعكس شجون الإنسان المصري والعربي المعاصر وجراحه

ولم يكن اختيار كلمة برديات عبثي فالبردي هو وعاء الذاكرة المصرية الأولى وهو المادة التي خطت عليها أولى مطالب العدالة الاجتماعية والبلاغة في وجه الظلم مما يمنح الديوان بعداً أثرياً وروحياً في آن واحد

عتبات الديوان وفلسفة الاختيار

تبدأ الرحلة النقدية مع هذا العمل من عتباته الخارجية والرمزية الفلسفية التي أسس لها الشاعر فالعنوان في حد ذاته يشكل صدمة وعي للقارئ حيث استدعى الإتلاتي شخصية الفلاح الفصيح ذلك الرمز التاريخي الخالد للبلاغة والمظلومية ليتحدث بلسانه ويتقمص دور صوت المستضعفين في يومنا هذا ولم تكن لفظة جديدة مجرد إضافة عابرة بل كانت جسراً مدّه الشاعر ليربط بين شكاوى الماضي العتيق وأوجاع الحاضر المعاش

ويتأكد هذا التلاحم الجذري في إهداء الديوان وتصديره فالشاعر يهدي حروفه إلى مصر فجر الندى والضمير معلناً بوضوح أنه حفيد ذلك الفلاح الفرعوني القديم ثم يقتبس في التصدير أسطورة الشكوى التاريخية وفلسفة خئونوب في المواجهة الكلامية مع رعي ليؤكد للقارئ أن الفن والكلمة هما الأداة الأسمى التي خُلقت لتشفي جراح المظلومين وتفضح غطرسة المتجبرين في كل زمان



من واحة الحضور إلى صحراء الغياب

تنقل الشاعر في بناء ديوانه عبر هندسة موضوعية محكمة قسمها إلى ستة أبواب فنية تنساب بين صفحاتها القصائد كسرد متواصل يمزج بين الذاتي الإنساني والوطني العام افتتح الإتلاتي ديوانه بباب برديات الحضور وهي الواحة الرومانسية والصوفية التي تجلى فيها العشق كمكابدة واختبار وجودي طاحن فالأبيات تصور كيف يربك الحب كينونة الشاعر المعمم ويحوله إلى طفل يعاني لوعة الفطام فيحيل بيته حطاماً كما في بردية السلام

لم ياربي كتبت على قلبي محبتها
محبتها سقام
صيرتني
وإني الشيخ المعمم
مثل طفل حول البيت حطاماً
حين فاجأه الفطام

وتتسع براءة هذا الحضور في بردية الطفولة لترصد قصة عشق عذري يربط بين شمال النيل وجنوبه حيث يلوذ المحبان بالنهر هربا من زيف العادات والتقاليد المجتمعية القاسية التي تحاول قطع الفروع بدعوى إصلاح الأصول متخذين من مياه النيل ملاذاً طاهراً يغسل عنهم آفات وامراض المجتمع

هو من شمال النيل
يحمل رائحة الصباح
هي من جنوب النيل
تبعث البهار
والبخور في حدائقها

لكن هذا الحضور السرمدي سرعان ما ينكسر ليتحول السرد بسلاسة نحو باب برديات الغياب حيث ترتفع نبرة الشجن وتتحول القصائد إلى رصد حي لعذابات العزلة والاغتراب النفسي والمكاني يستنطق الشاعر في هذا الفضاء رياح الغربة التي تبكيه وتصفه بشهيد الغياب الذي أنكرته البلاد وتركته وحيداً

وقالت لي الريح
أرى كل هذا
أرى فوق هذا
أنت منذ الولادة
قد أرسلتك الحياة
شهيد الغياب

وتتبدى هنا مرارة خذلان الرفاق وقسوة الدرب إذ يكتشف الشاعر في مسيرته أن الأهل والأصدقاء يتفرقون عنه عند الطعنات ليجد نفسه بطلاً تراجيدياً يحمل موتين على كتفه ويسير في طريق أطول من الصبر وأقصر من القهر وهنا يبرع الشاعر في توظيف الرموز العالمية مستدعياً سيزيف في صراعه العبثي المرير مع الحياة ودونكيشوت في مواجهته لطواحين الهول ليعبر عن حالة الإنسان العربي الذي يطارد سراب العدالة في صحراء قاحلة

أحمل موتين على الكتف
وأمشي
أهتف
كم كنت غبياً
والقلب الخالص كالإبريز غبي

جدلية الموت والخلود

ومن رثاء الذات المغتربة ينتقل بنا قطار الديوان إلى باب برديات الرثاء ليقدم الشاعر قراءة نقدية لجدلية الموت والخلود في رثائه لوالده ببردية النيل يطرح الشاعر فكرة فلسفية مفادها أن الطيبين لا يرحلون أبداً تماماً كما لا يمكن لنهر النيل أن يموت أو يجف فكان الأب هو النهر والابن هو الامتداد

من قال مات
وهل يموت الطيبون
مازال صوتك في دمي
مازال وجهك
والحكايات الجميلة

ويتسع هذا الأفق الانساني ليشمل شهداء الوطن والواجب في سيناء مسلطاً الضوء على تضحياتهم الصامتة فهم يرحلون في صمت مطبق ويلتحفون تراب الأرض دون بحث عن بريق زائف أو أضواء إعلامية كما يكتسب الرثاء بعداً قوميا وجدانياً في بكائية الشاعر الجنوبي رمضان عبد العليم

يا صوتها والكل أخرس صوته
يدها وكل الناس ليس لها يدان
الآن أنت الآن أنت الآن
الصادق الأحزان الخالد الألحان

وصولا إلى استنكار المحرقة الوحشية التي تعرض لها الشهيد الأردني معاذ الكساسبة حيث يدين الشاعر فظاعة القتل وتزييف الدين على يد جماعات العنف رافضاً كل أشكال التشويه الذي يلحق بإنسانية الإنسان وسماء الأديان

نحن الذين نحرق الأحياء
ثم نمنحهم شهادة





استعادة البراءة المفقودة

وبعد هذه التراجيديا القاسية يأخذنا الشاعر إلى منطقة من السكينة الروحية في باب برديات الآباء للأبناء وهي المساحة التي يستعيد فيها براءته المفقودة من خلال ملامح طفلتيه ندى وملك ينساب السرد هنا في ترانيم عذبة تصف أصابع الصغار بالفراشات والنحل الذي يطرد الكآبة من الغرف بمجرد لمس الأقلام ويعترف الشاعر بيقين أبوي دافئ أن صخب الأطفال وعنادهم البريء هو الخط الدفاعي الأخير الذي يحمي البيوت من أن تتحول إلى قبور مظلمة وجافة فهم النجاة الوحيدة من وحشة العالم وضجيج الموت

منذ كبرت يا ابنتي
تلوثت براءتي بكل ما عرفته
وكل ما قرأت
فمن يعيد لي
براءتي الأولى
ولغتي زمان
أنا الذي كم كنت يا صغيرتي
كالوحش صخرة في قلبه
غدوت مثل طفل وادع
يبكي ويضحك أي شيء لم يصبه


عباءة الفلاح الفصيح

ولا يلبث الشاعر أن يعود لارتداء عباءة الفلاح الفصيح بكل قسوتها وتفاصيلها في باب برديات العمل هنا يمنح الإتلاتي صوته لعمال التراحيل وبائعي الغرابيل وبائعي غزل البنات وقاطفي القطن لتفيض الأبيات بمرارة السعي وراء لقمة العيش في واقع بليد يبيع الشتاء للسيد الصقيع ورغم قتامة المشهد وسخرية الليالي يرفض الشاعر السقوط في فخ اليأس بل يختم هذا الباب بوعي ثوري طبقي يبشر فيه بأن الفقراء والكادحين سيصعدون يوماً ليحكموا المجرة وينشروا المسرة والعدالة محولين عرقهم إلى حبر يكتب به تاريخاً جديداً

من يشتري العمر مني
تعبت أبحث عني
فلا يغرك أني
يضحك للناس سني

وعالم بليد
يبيعنا الشتاء
للسيد الصقيع

الأنا التاريخية والاحتجاج

تصل التجربة الإبداعية والنقدية في هذا الديوان إلى ذروتها الدرامية في باب برديات الوطن حيث تلتحم صورة المحبوبة ليلى تارة برمزية الأنثى وتارة بأصلها الحقيقي وهو الوطن مصر وفي بردية الاحتجاج ينفجر الشاعر في سيل جارف من الأنا التاريخية متحدثاً لسان التاريخ كقاهر للتتار وموحد للقطرين ومطعم الرومان واليونان من قمح أرضه الذي يجوع اليوم بسببه ويموت في طوابير الخبز إنه يجمع في هويته ملامح فلاح دنشواي المصلوب وصبر جندي الإشارة ورئة الشهيد التي أنبتت أرض سيناء ليرسم لوحة فسيفسائية للهوية المصرية التي لا تنكسر

أنا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس
أنا الذي حارب التتار قديماً
أنا الذي وحد القطرين
ومطعم الرومان واليونان من قمح أرضه
الذي يجوع اليوم ويموت في طوابير الخبز
وأنا فلاح دنشواي المصلوب
وأنا صبر جندي الإشارة
وأنا رئة الشهيد التي أنبتت أرض سيناء

وقد لخص الشاعر هذه الأنا التاريخية والأمل في بردية الثورة وبردية الاحتمال وبردية الاحتجاج بقوله

أنا سوف ألعن كل من مروا على أرضي ولم يلقوا السلام
فالله أنزلنا لظهر الأرض نهزج بالسلام

سنلتقي حبيبتي في آخر القصيدة
نبني معاً نبني معاً بلادنا الجديدة

أنا مطعم الرومان واليونان من قمحي
ومن قمحي أجوع
أموت في طابور الخبز لا بأسلحة الدمار

وثيقة الرفض والانعتاق

وينتهي هذا العمل الملحمي بإصرار يقينى لا يلين على وقف النزيف وإطلاق نهار الحرية فالشاعر حسني الإتلاتي قدم من خلال برديات جديدة للفلاح الفصيح وثيقة شعرية تفيض بالجمال والتمرد مستخدماً لغة شعرية تتميز بالسهولة الممتنعة وتناصا ذكياً مع الموروث الصوفي والتاريخي والفرعوني لقد أثبت للساحة الأدبية المعاصرة أن الفلاح المصري لم يفقد فصاحته بعد وأنه ما زال قادراً على تحويل أوجاعه وحقوقه الضائعة إلى قصائد نابضة بالخلود والرفض والانعتاق مؤكداً أن البردي الجديد لا يزال يحمل نفس نور العدالة التي خطها أجداده قبل آلاف السنين

إن الشاعر في هذا الديوان لا يقدم مجرد مجموعة قصائد بل يقدم مشروعاً شعرياً يعيد تعريف الفلاحة والبطولة بمعزل عن الخطاب الرسمي إنه شاعر التيه والجرح لكنه لا ييأس فحتى في رثاء الأموات يظل صوته مشتعلاً بغضب الحنين وإصرار الكتابة والأساطير التي يستدعيها والتكرار الذي يوظفه والمفارقات التي يبني عليها نصوصه كلها أدوات تؤكد أن هذا الديوان ليس مجرد نصوص عابرة بل وثيقة شعرية تحمل رسالة العدالة والكرامة والرفض رسالة الفلاح الفصيح التي لم تزل حية في ضمير الأرض والإنسان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...