ج1
اصبحنا نفتقد تلك الحوارات البناءة وحتى الصراعية بين مقال ينشر في صحيفة وردود عليه...او كتاب ينشر فتتناوله الاقلام عرضا ونقدا او احتجاجا عليه...كان ذلك زمن السبعينيات وما قبلها ..
اليوم يذكرني الاستاذ العمري بذلك الجو المزهر وهو يرد علي...
الاستاذ بسام العمري
شكرا لهذه القراءة الدقيقة الواعية..
١ انت محق بتوضيح مصطلح التأثيل و هو باختصار (
تتبع تاريخ الكلمة، والبحث عن ركائزها الأولى، وكيف بدأت، وتطور دلالتها عبر العصور، وصولاً إلى شكلها الحالي.).
لكني حين ذكرتها عرضا لم ارغب بالتوسع فيها لان لكل مقام مقال فقط ذكرت اهم ركائزه...
٢ ما يتعلق بالمفردات فانا حين ركزت عليها وقدمت بعض شروطها لازدهار القصيدة لم اكن اعني ان المفردات وحدها قادرة على خلق شعر حي ,بل هي جزء اساس ,والحقيقة ان الموهبة اهم خلاق للابداع , تعقبها عوامل اخرى منها استكمال الادوات الفنية وغيرها..
٣ اعتمد مقالي على الاختزال وكنت آملا ارى قراء بمستوى معرفتك لنوضح ما غمض ونكشف عما ستر
ارفع لك قبعتي الاستاذ المبدع بسام العمري
....................
..................
هذا النص يثير قضية جوهرية في الثقافة العربية المعاصرة، لكنه يمزج بين حقائق علمية دقيقة وأحكام نقدية عامة تحتاج إلى شيء من التفكيك والتمييز.
لا شك أن صدور المعجم التاريخي للغة العربية يمثل أحد أهم الإنجازات اللغوية في العصر الحديث، لأن اللغة لا تُفهم من خلال تعريف مفرداتها فقط، بل من خلال سيرتها الزمنية؛ أي كيف وُلدت الكلمة، وكيف تغيّر معناها، وكيف انتقلت بين الحقول الدلالية عبر القرون. إن الانتقال من المعجم الوصفي إلى المعجم التاريخي هو انتقال من النظر إلى اللغة بوصفها مخزناً للألفاظ إلى النظر إليها بوصفها كائناً حيّاً يتطور مع الحضارة والإنسان. ومن هنا فإن الاحتفاء بهذا المشروع في محله، لأنه يمنح الباحث أداة لم تكن متاحة للعربية بهذا الاتساع من قبل.
غير أن الإشارة إلى "تأثيل" المفردات تستدعي دقة علمية أكبر. فالتأثيل (Etymology) لا يعني ردَّ كل لفظة إلى أصل عبري أو سومري أو غيره، بل يعني تتبع تاريخها وفق قوانين المقارنة اللغوية والصوتية والدلالية. وقد تكون الكلمة عربية أصيلة، أو سامية مشتركة، أو معرَّبة، أو دخيلة، ولا يجوز ترجيح أصل دون أدلة صوتية وتاريخية موثقة. فالاشتراك بين اللغات السامية لا يثبت الاقتراض بالضرورة، بل قد يكون راجعاً إلى أصل أقدم مشترك.
أما انتقال الكاتب من الحديث عن المعجم إلى أزمة الشعر، فهو انتقال ذكي من حيث الفكرة؛ إذ إن ثراء المفردة شرط من شروط الإبداع، لكنه ليس شرطه الوحيد. فالشعر العظيم لا يصنعه قاموس واسع فقط، وإلا لكان اللغويون جميعاً شعراء كباراً. الشعر يولد من تفاعل اللغة مع الرؤية والخيال والإيقاع والتجربة الإنسانية. فكم من شاعر استخدم مفردات مألوفة وصنع بها عالماً مدهشاً، وكم من آخر أغرق نصوصه بالمفردات النادرة فلم يزدها إلا غموضاً وبرودة.
وأحسب أن الكاتب أصاب حين انتقد الابتذال العاطفي الذي اجتاح كثيراً من النصوص المنشورة في وسائل التواصل؛ إذ أصبح التنفيس الانفعالي يُقدَّم أحياناً على أنه شعر، بينما يغيب البناء الفني والاقتصاد اللغوي والصورة المبتكرة. غير أن التعميم على معظم الشعراء قد يكون قاسياً؛ ففي كل جيل توجد أصوات جادة تشتغل على اللغة بوعي، لكنها تضيع وسط الضجيج الرقمي الذي سهّل النشر قبل اكتمال أدوات الكتابة.
كما أن دعوته إلى الكتابة عن المكان والإنسان واليومي دعوة ذات قيمة جمالية، لأنها تعيد الأدب إلى الحياة لا إلى اجترار الشكوى. غير أن المشكلة ليست في موضوع الحب ذاته، فالحب كان وسيظل من أعظم موضوعات الشعر العالمي، وإنما في الطريقة التي يُكتب بها. ليست الأزمة في أن يكتب الشاعر عن معشوقة، بل في أن يعيد إنتاج القوالب المستهلكة دون رؤية جديدة أو لغة مبدعة. فقد كتب كبار الشعراء عن الحب آلاف المرات، لكنهم كانوا في كل مرة يكتشفون الإنسان من زاوية مختلفة.
في النهاية، يلفت النص الانتباه إلى قضية تستحق التأمل: المعرفة اللغوية ليست ترفاً، بل هي جزء من صناعة الأدب الرفيع. فكلما اتسعت ذاكرة الكاتب بالمفردات وتاريخها وتحولاتها، ازدادت قدرته على اختيار الكلمة التي لا تؤدي المعنى فحسب، بل تفتح أفقاً من الإيحاء. غير أن الفن يبدأ من حيث تنتهي المعرفة؛ فالمعجم يمنح الكاتب المادة الخام، أما القصيدة الحقيقية فهي التي تمنح تلك المادة روحاً جديدة، وتجعل الكلمة القديمة تولد من جديد في سياق لم يكن لها من قبل.
محمد بسام العمري
...........
النص الاصل
(ملاحظات حول الكتابة ج ٤
تاريخ المفردة العربية
"المعجم التاريخي للغة العربية" الذي يصدر عن مجمع اللغة العربية بالشارقة بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربيةيضم 127 مجلداً، وكل مجلد يقع في نحو 700 صفحة).
واهم ما في هذا المعجم الفريد انه يحمل على هاتفك ويمكن للمختصين ان يضيفوا من خلال مراسلة اللجنة المشرفة اذن هو كتاب غير محدود ودائم التطور.
ميزة اخرى بهذا المعجم انه يؤثل للمفردة ( اي ياتي باصلها التاريخي من اللغات العبرية والسومرية وغيرها )
طالما تمنيت ان ينجز هذا المشروع بسبب اهتمامي منذ الصغر بالمعاجم وتاريخ المفردة..وقد اسفت لان صديقا استعار مني كتاب ( تكملة المعاجم العربية ١٢ مجلدا للمستشرق الالماني ريينهارت دوزي ).
هذه مقدمة لبحث مساحة المفردات في الشعر وربما في القصة...
فما ينشر ( مما يسمى شعرا) حقيقة لا ينتسب للشعر , انه غالبا تنفيس عاطفي او حيلة كتابية مبتذلة للتصيد بالماء العكر.
فالشاعر الحقيقي يعرف كي يختار المفردة مشبعة بالايحاء ومدعمة بالبساطة مع العمق تقترب من الدقة العلمية.
شعراء لا يتقنون اوليات اللغة , وربما لا يقرؤون او يعلمون بما يجري في العالم.
شعراء عشاق كاذبون وان صدقت عواطفهم فلا يملكون الفن لصياغتها...
شعراء الاقنعة والعواطف المبتذلة , حب طاغ في زمن طوفان الكره...
ولهذا من اول جملة او كلمتين اغادر اغلب المنشورات...
مضت اكثر من عشرة قرون ونحن نردد ( سقط النصيف...ونردد فاستمطرت لؤلؤا)
انصح ان تكفوا عن كتابة الشعر ولا تهدروا وقتكم..اكتبوا عن جمال المكان عن المذكرات مشهدا دراميا لقطة في الشارع لطفل عابرة ومخلدة ,كفى نحيبا على معشوقات وهمية... او عشق ضائع لا نتعاطف معه لانه بلا فن.).
اصبحنا نفتقد تلك الحوارات البناءة وحتى الصراعية بين مقال ينشر في صحيفة وردود عليه...او كتاب ينشر فتتناوله الاقلام عرضا ونقدا او احتجاجا عليه...كان ذلك زمن السبعينيات وما قبلها ..
اليوم يذكرني الاستاذ العمري بذلك الجو المزهر وهو يرد علي...
الاستاذ بسام العمري
شكرا لهذه القراءة الدقيقة الواعية..
١ انت محق بتوضيح مصطلح التأثيل و هو باختصار (
تتبع تاريخ الكلمة، والبحث عن ركائزها الأولى، وكيف بدأت، وتطور دلالتها عبر العصور، وصولاً إلى شكلها الحالي.).
لكني حين ذكرتها عرضا لم ارغب بالتوسع فيها لان لكل مقام مقال فقط ذكرت اهم ركائزه...
٢ ما يتعلق بالمفردات فانا حين ركزت عليها وقدمت بعض شروطها لازدهار القصيدة لم اكن اعني ان المفردات وحدها قادرة على خلق شعر حي ,بل هي جزء اساس ,والحقيقة ان الموهبة اهم خلاق للابداع , تعقبها عوامل اخرى منها استكمال الادوات الفنية وغيرها..
٣ اعتمد مقالي على الاختزال وكنت آملا ارى قراء بمستوى معرفتك لنوضح ما غمض ونكشف عما ستر
ارفع لك قبعتي الاستاذ المبدع بسام العمري
....................
..................
هذا النص يثير قضية جوهرية في الثقافة العربية المعاصرة، لكنه يمزج بين حقائق علمية دقيقة وأحكام نقدية عامة تحتاج إلى شيء من التفكيك والتمييز.
لا شك أن صدور المعجم التاريخي للغة العربية يمثل أحد أهم الإنجازات اللغوية في العصر الحديث، لأن اللغة لا تُفهم من خلال تعريف مفرداتها فقط، بل من خلال سيرتها الزمنية؛ أي كيف وُلدت الكلمة، وكيف تغيّر معناها، وكيف انتقلت بين الحقول الدلالية عبر القرون. إن الانتقال من المعجم الوصفي إلى المعجم التاريخي هو انتقال من النظر إلى اللغة بوصفها مخزناً للألفاظ إلى النظر إليها بوصفها كائناً حيّاً يتطور مع الحضارة والإنسان. ومن هنا فإن الاحتفاء بهذا المشروع في محله، لأنه يمنح الباحث أداة لم تكن متاحة للعربية بهذا الاتساع من قبل.
غير أن الإشارة إلى "تأثيل" المفردات تستدعي دقة علمية أكبر. فالتأثيل (Etymology) لا يعني ردَّ كل لفظة إلى أصل عبري أو سومري أو غيره، بل يعني تتبع تاريخها وفق قوانين المقارنة اللغوية والصوتية والدلالية. وقد تكون الكلمة عربية أصيلة، أو سامية مشتركة، أو معرَّبة، أو دخيلة، ولا يجوز ترجيح أصل دون أدلة صوتية وتاريخية موثقة. فالاشتراك بين اللغات السامية لا يثبت الاقتراض بالضرورة، بل قد يكون راجعاً إلى أصل أقدم مشترك.
أما انتقال الكاتب من الحديث عن المعجم إلى أزمة الشعر، فهو انتقال ذكي من حيث الفكرة؛ إذ إن ثراء المفردة شرط من شروط الإبداع، لكنه ليس شرطه الوحيد. فالشعر العظيم لا يصنعه قاموس واسع فقط، وإلا لكان اللغويون جميعاً شعراء كباراً. الشعر يولد من تفاعل اللغة مع الرؤية والخيال والإيقاع والتجربة الإنسانية. فكم من شاعر استخدم مفردات مألوفة وصنع بها عالماً مدهشاً، وكم من آخر أغرق نصوصه بالمفردات النادرة فلم يزدها إلا غموضاً وبرودة.
وأحسب أن الكاتب أصاب حين انتقد الابتذال العاطفي الذي اجتاح كثيراً من النصوص المنشورة في وسائل التواصل؛ إذ أصبح التنفيس الانفعالي يُقدَّم أحياناً على أنه شعر، بينما يغيب البناء الفني والاقتصاد اللغوي والصورة المبتكرة. غير أن التعميم على معظم الشعراء قد يكون قاسياً؛ ففي كل جيل توجد أصوات جادة تشتغل على اللغة بوعي، لكنها تضيع وسط الضجيج الرقمي الذي سهّل النشر قبل اكتمال أدوات الكتابة.
كما أن دعوته إلى الكتابة عن المكان والإنسان واليومي دعوة ذات قيمة جمالية، لأنها تعيد الأدب إلى الحياة لا إلى اجترار الشكوى. غير أن المشكلة ليست في موضوع الحب ذاته، فالحب كان وسيظل من أعظم موضوعات الشعر العالمي، وإنما في الطريقة التي يُكتب بها. ليست الأزمة في أن يكتب الشاعر عن معشوقة، بل في أن يعيد إنتاج القوالب المستهلكة دون رؤية جديدة أو لغة مبدعة. فقد كتب كبار الشعراء عن الحب آلاف المرات، لكنهم كانوا في كل مرة يكتشفون الإنسان من زاوية مختلفة.
في النهاية، يلفت النص الانتباه إلى قضية تستحق التأمل: المعرفة اللغوية ليست ترفاً، بل هي جزء من صناعة الأدب الرفيع. فكلما اتسعت ذاكرة الكاتب بالمفردات وتاريخها وتحولاتها، ازدادت قدرته على اختيار الكلمة التي لا تؤدي المعنى فحسب، بل تفتح أفقاً من الإيحاء. غير أن الفن يبدأ من حيث تنتهي المعرفة؛ فالمعجم يمنح الكاتب المادة الخام، أما القصيدة الحقيقية فهي التي تمنح تلك المادة روحاً جديدة، وتجعل الكلمة القديمة تولد من جديد في سياق لم يكن لها من قبل.
محمد بسام العمري
...........
النص الاصل
(ملاحظات حول الكتابة ج ٤
تاريخ المفردة العربية
"المعجم التاريخي للغة العربية" الذي يصدر عن مجمع اللغة العربية بالشارقة بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربيةيضم 127 مجلداً، وكل مجلد يقع في نحو 700 صفحة).
واهم ما في هذا المعجم الفريد انه يحمل على هاتفك ويمكن للمختصين ان يضيفوا من خلال مراسلة اللجنة المشرفة اذن هو كتاب غير محدود ودائم التطور.
ميزة اخرى بهذا المعجم انه يؤثل للمفردة ( اي ياتي باصلها التاريخي من اللغات العبرية والسومرية وغيرها )
طالما تمنيت ان ينجز هذا المشروع بسبب اهتمامي منذ الصغر بالمعاجم وتاريخ المفردة..وقد اسفت لان صديقا استعار مني كتاب ( تكملة المعاجم العربية ١٢ مجلدا للمستشرق الالماني ريينهارت دوزي ).
هذه مقدمة لبحث مساحة المفردات في الشعر وربما في القصة...
فما ينشر ( مما يسمى شعرا) حقيقة لا ينتسب للشعر , انه غالبا تنفيس عاطفي او حيلة كتابية مبتذلة للتصيد بالماء العكر.
فالشاعر الحقيقي يعرف كي يختار المفردة مشبعة بالايحاء ومدعمة بالبساطة مع العمق تقترب من الدقة العلمية.
شعراء لا يتقنون اوليات اللغة , وربما لا يقرؤون او يعلمون بما يجري في العالم.
شعراء عشاق كاذبون وان صدقت عواطفهم فلا يملكون الفن لصياغتها...
شعراء الاقنعة والعواطف المبتذلة , حب طاغ في زمن طوفان الكره...
ولهذا من اول جملة او كلمتين اغادر اغلب المنشورات...
مضت اكثر من عشرة قرون ونحن نردد ( سقط النصيف...ونردد فاستمطرت لؤلؤا)
انصح ان تكفوا عن كتابة الشعر ولا تهدروا وقتكم..اكتبوا عن جمال المكان عن المذكرات مشهدا دراميا لقطة في الشارع لطفل عابرة ومخلدة ,كفى نحيبا على معشوقات وهمية... او عشق ضائع لا نتعاطف معه لانه بلا فن.).