يحيى بركات - السلطة أم منظمة التحرير؟ من يقود من؟

أي فلسطين ستخرج من صناديق الاقتراع؟

بينما تنشغل عيون الفلسطينيين كل صباح بعدّ الشهداء، ومتابعة أخبار الجوع في غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة، والبحث عن لقمة خبز، أو خيمة لا تقتلعها الريح، يجري في مكان آخر، بصمت يكاد لا يُرى، إعداد مشهد سياسي قد يكون الأخطر منذ قيام السلطة الفلسطينية.

مشهد لا تصنعه البيانات العاجلة، ولا تحتله العناوين الرئيسية، ولا يثير ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه قد يرسم شكل النظام السياسي الفلسطيني لعقود قادمة.

فالسياسة، مثل السينما، لا تكشف معناها في اللقطة الأولى. هناك دائمًا ما يجري خارج الكادر. وما يجري اليوم خارج الكادر أخطر بكثير مما يظهر داخله.

منذ انتهاء مؤتمر حركة فتح الثامن، بدت الأحداث للوهلة الأولى وكأنها منفصلة عن بعضها: مؤتمر تنظيمي هنا، تعديلات قانونية هناك، حديث عن انتخابات، زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي، إعادة فتح ملف المجلس الوطني، ولقاءات تشاورية تبحث عن طريق آخر.

لكن عندما نبتعد قليلًا عن التفاصيل، وننظر إلى الصورة كاملة، تبدأ الخطوط بالتقاطع. تتحول الأحداث المتفرقة إلى مشهد واحد. لا لأن الجميع يجلسون بالضرورة في غرفة واحدة ويخططون له، بل لأن الاتجاه العام يسير في مسار واحد: إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة الفلسطينية، والمجلس التشريعي، والمجلس الوطني، ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

منظمة التحرير الفلسطينية لم تُنشأ لتكون مؤسسة تابعة للسلطة الفلسطينية. بل إن السلطة نفسها وُلدت، وفق اتفاق أوسلو، باعتبارها سلطة انتقالية محدودة الصلاحيات، أنشأتها منظمة التحرير، وتعمل باسمها، وتخضع لسقفها السياسي.

كانت المعادلة واضحة.

المنظمة هي الحامل السياسي للشعب الفلسطيني كله. في الداخل، وفي الشتات، وفي مخيمات اللجوء، وفي كل مكان يوجد فيه فلسطيني.

أما السلطة فكانت جهازًا إداريًا مؤقتًا، يعمل داخل جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة.

كانت السلطة إحدى أدوات المنظمة. ولم تكن المنظمة إحدى مؤسسات السلطة.

لكن السنوات الثلاثين الماضية قلبت هذه المعادلة بهدوء. شيئًا فشيئًا، انتقل مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة. انتقلت الأموال، والقرار، والوظيفة، والاهتمام الدولي، والإعلام، والكوادر، حتى أصبحت منظمة التحرير، في وعي أجيال كاملة، مؤسسة تُستدعى في المناسبات أكثر مما تُستدعى في صناعة القرار.

لم يحدث ذلك بقرار واحد، بل عبر تراكم طويل، حتى أصبحت السلطة هي السقف العملي للنظام السياسي، بينما تراجع دور المنظمة التي يفترض أنها المرجعية العليا.

وربما لم يشعر كثيرون بخطورة هذا التحول، لأن الأحداث كانت تجري ببطء، ولأن الفلسطينيين كانوا منشغلين دائمًا بما هو أكثر إلحاحًا: انتفاضات، حصار، انقسام، حروب، واستيطان.

لكن التاريخ لا ينسى ما تؤجله السياسة.

ثم جاءت حرب غزة. لم تكشف فقط حجم المأساة الإنسانية، بل كشفت أيضًا هشاشة البنية السياسية الفلسطينية.

فبينما كان العالم كله يعيد النظر في القضية الفلسطينية، ويشهد تحولات غير مسبوقة في الرأي العام، خاصة في الجامعات الغربية، ووسائل الإعلام، والشارع الدولي، بدا النظام السياسي الفلسطيني وكأنه يتحرك بإيقاع زمن آخر.

كأن العالم يعيش في عام، بينما تعيش مؤسساته في عام مختلف.

وهنا لم يعد السؤال فقط: كيف نواجه الاحتلال؟

بل أصبح السؤال الأكثر إزعاجًا: هل يمتلك الفلسطينيون اليوم نظامًا سياسيًا قادرًا على مواكبة هذه اللحظة التاريخية؟

وهل ما زالت العلاقة بين المنظمة والسلطة تؤدي الوظيفة التي أُنشئت من أجلها؟

أم أننا أمام واقع جديد، أصبحت فيه السلطة هي المرجعية الفعلية، بينما تحولت المنظمة تدريجيًا إلى إطار يمنح الشرعية أكثر مما يصنع السياسة؟

من هنا، يصبح من الخطأ قراءة مؤتمر فتح الثامن باعتباره مجرد مؤتمر تنظيمي لحركة سياسية. فنتائجه لا تتوقف عند حدود الحركة نفسها. ففتح ليست حزبًا عاديًا داخل النظام السياسي الفلسطيني. إنها القوة الأكبر في منظمة التحرير، والقوة الأكبر داخل السلطة، وأي تغيير في بنيتها الداخلية ينعكس، شئنا أم أبينا، على شكل النظام السياسي كله.

لذلك لم يكن السؤال الحقيقي بعد المؤتمر: من فاز ومن خسر؟

بل كان السؤال: إلى أين يتجه النظام السياسي الفلسطيني بعد هذا المؤتمر؟ وما الذي يجري الإعداد له؟

فما إن انتهى المؤتمر حتى بدأت تظهر حلقات جديدة في المشهد: تعديلات انتخابية، رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي، إعادة الحديث عن انتخابات المجلس الوطني، وإعادة رسم العلاقة بين المؤسسات الفلسطينية بطريقة تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الخطوات تبدو، كل واحدة منها على حدة، إجراءات قانونية أو تنظيمية عادية. لكنها، حين تُقرأ مجتمعة، تطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا:

هل نحن أمام عملية إصلاح للنظام السياسي؟

أم أمام عملية إعادة إنتاج له، بحيث تبقى السلطة مركز الجاذبية الوحيد، وتُعاد صياغة بقية المؤسسات لكي تدور في فلكها؟

قد يقول قائل إن في هذا التحليل شيئًا من المبالغة، وأن ما يجري لا يتعدى كونه استعدادًا طبيعيًا لانتخابات طال انتظارها.

ولو كان الأمر يتعلق بانتخابات المجلس التشريعي وحدها، لربما كان هذا الاعتراض منطقيًا.

لكن المشكلة أن المجلس التشريعي لم يعد مجرد مجلس تشريعي. والانتخابات المقبلة لم تعد مجرد انتخابات. بل أصبحت جزءًا من معادلة أكبر بكثير.

فالتعديلات الأخيرة لم تقتصر على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى مئتي عضو، ولا على تعديل شروط الترشح، بل فتحت الباب أمام إعادة تشكيل البنية التمثيلية الفلسطينية كلها.

وهنا يجب ألا نتوقف فقط أمام النصوص القانونية، بل أمام السياسة التي تقف خلفها.

في الدول الطبيعية، يُنتخب البرلمان لكي يشرّع ويراقب الحكومة. أما في الحالة الفلسطينية، فالأمر أكثر تعقيدًا، لأن المجلس التشريعي لا يتحرك داخل دولة مستقلة ذات سيادة، بل داخل نظام سياسي ما زال يبحث عن تعريف نفسه.

ولأن المجلس الوطني الفلسطيني هو، نظريًا، أعلى سلطة في منظمة التحرير، فإن الطريقة التي يُعاد بها تشكيل المجلس التشريعي ستنعكس، بصورة أو بأخرى، على شكل المجلس الوطني، وعلى موازين القوى داخله.

وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يجوز الهروب منها:

إذا كان المجلس التشريعي سيُعاد تشكيله وفق قواعد جديدة، وإذا كان المجلس الوطني سيُعاد تشكيله لاحقًا، فمن الذي سيرسم ملامح منظمة التحرير في المرحلة المقبلة؟

وهل ستبقى المنظمة قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، أم ستصبح امتدادًا للتوازنات التي ستنتجها السلطة داخل الأرض المحتلة؟

هذه ليست أسئلة قانونية. إنها أسئلة تتعلق بطبيعة المشروع الوطني نفسه.

عندما تأسست منظمة التحرير، لم يكن الفلسطيني الذي يعيش في مخيم عين الحلوة أقل حضورًا من الفلسطيني الذي يعيش في نابلس. ولم يكن الفلسطيني في مخيم اليرموك خارج المعادلة، ولا الفلسطيني في تشيلي، أو الكويت، أو أوروبا، أو الولايات المتحدة.

فمنظمة التحرير لم تولد لتمثل سكان الضفة وغزة فقط. بل لتكون البيت السياسي لكل الفلسطينيين.

لهذا كان اسمها منظمة تحرير، لا سلطة وطنية.

لكن ما الذي سيحدث إذا أصبحت عملية إعادة تشكيل المنظمة تمر، عمليًا، عبر مؤسسات السلطة؟

هنا يكمن جوهر الصراع.

فالسلطة الفلسطينية، بحكم سيطرتها على الإدارة، والموارد، والمؤسسات، والوظيفة العامة، والقرار التنفيذي، تمتلك من أدوات التأثير ما لا تمتلكه أي قوة سياسية أخرى.

وهذا أمر مفهوم في أي سلطة قائمة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى وسيلة لإعادة تشكيل المرجعية السياسية نفسها.

أي عندما يصبح السقف الذي يفترض أنه أدنى، هو الذي يعيد رسم السقف الأعلى.

وهنا تنقلب المعادلة التاريخية.

بدل أن تكون منظمة التحرير هي التي تقود السلطة، تصبح السلطة هي التي تعيد إنتاج منظمة التحرير.

لا بصدام مباشر. ولا بإعلان رسمي. بل عبر سلسلة طويلة من الإجراءات القانونية والتنظيمية والسياسية التي تبدو منفصلة، لكنها تصب في اتجاه واحد.

من هنا يمكن فهم ما جرى بعد مؤتمر فتح الثامن بطريقة مختلفة.

فالمسألة ليست أسماء من دخلوا اللجنة المركزية أو خرجوا منها، ولا ترتيب الفائزين، ولا توازنات الأقاليم. بل في أن المؤتمر أفرز قيادة ستشرف على المرحلة التالية كلها: مرحلة الانتخابات، ومرحلة إعادة تشكيل المؤسسات، ومرحلة رسم العلاقة الجديدة بين السلطة والمنظمة.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يبدأ، بعد أسابيع قليلة، حديث متزايد عن الانتخابات المقبلة، وأن تتسارع الخطوات القانونية والتنظيمية المتعلقة بها.

كل حلقة تبدو وكأنها تُمهّد للحلقة التالية، حتى تكتمل الصورة.

لكن التاريخ له عادته أيضًا.

فكلما حاول نظام سياسي أن يغلق المشهد بالكامل، يولد في مكان آخر سؤال جديد.

وهذا ما بدأ يحدث في الأسابيع الأخيرة.

لقاءات تشاورية، شخصيات مستقلة، مثقفون، أكاديميون، نشطاء مجتمع مدني، فتحاويون لا يشعرون أن ما جرى في المؤتمر يمثل نهاية النقاش، ويساريون ومستقلون وأصوات تعود لتسأل السؤال الذي كاد يغيب عن الحياة الفلسطينية:

من يملك حق إعادة تعريف النظام السياسي؟

هل هي السلطة وحدها؟

أم أن الشعب الفلسطيني، بكل مكوناته، له كلمة أخرى؟

من هنا يمكن قراءة اللقاء التشاوري الذي عُقد في رام الله، وما خرج عنه من دعوة إلى تشكيل ائتلاف وطني واسع، لا باعتباره خبرًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره أول تعبير منظم عن شعور متزايد بأن معركة المرحلة المقبلة لن تكون على عدد المقاعد، بل على طبيعة النظام السياسي الذي سيولد منها.

وهنا، للمرة الأولى منذ سنوات، عاد سؤال كان يبدو منسيًا:

إذا كانت السلطة قد أصبحت مركز الثقل، فمن سيعيد لمنظمة التحرير مكانتها بوصفها الحامل السياسي للشعب الفلسطيني كله؟

وهل يستطيع هذا السؤال أن يتحول إلى مشروع، أم سيبقى مجرد صرخة أخرى في فضاء فلسطيني اعتاد أن يبتلع الأسئلة قبل أن تتحول إلى أفعال؟

فالسياسة، مثل الطبيعة، تكره الفراغ.

وعندما يشعر قطاع من المجتمع أن المؤسسات لم تعد تعكس حركته، يبدأ تلقائيًا بالبحث عن إطار جديد. ليس بالضرورة ليهدم ما هو قائم، بل ليمنع احتكار المستقبل.

من هنا يمكن فهم اللقاء التشاوري بوصفه أكثر من اجتماع عابر.

إنه مؤشر على أن جزءًا من النخبة الفلسطينية بدأ يشعر بأن معركة المرحلة المقبلة ليست معركة انتخابات فقط، وإنما معركة على تعريف النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

ولهذا لم يكن البيان الذي صدر عن اللقاء بيانًا انتخابيًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة فتح أسئلة كبرى كادت تغيب عن الحياة السياسية الفلسطينية:

كيف تُستعاد الشرعية؟

كيف يُعاد بناء منظمة التحرير؟

كيف يشارك الفلسطيني في الشتات في تقرير مصير مؤسساته الوطنية؟

وكيف يمكن إنهاء حالة الاحتكار السياسي التي تراكمت خلال العقود الماضية؟

ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة أنها لم تبدأ من سؤال: كم مقعدًا يمكن أن نحصل؟

بل بدأت من سؤال آخر أكثر عمقًا: هل ما زال الفلسطينيون يمتلكون إطارًا سياسيًا يشعر الجميع بأنه يمثلهم؟

وهذا فرق كبير.

فالقائمة الانتخابية تبحث عن أصوات.

أما المشروع الوطني فيبحث أولًا عن معنى.

ولهذا تحدث أصحاب المبادرة عن ضرورة إشراك الفلسطينيين في الوطن والشتات، وعن سجل انتخابي للفلسطينيين خارج فلسطين، وعن إعادة بناء منظمة التحرير، وعن ائتلاف وطني عابر للفصائل.

وهي كلها عناوين تقول، بصورة غير مباشرة، إن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة أشخاص، ولا أزمة انتخابات، بل أزمة تمثيل.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن المبادرة، رغم أهمية الأسئلة التي طرحتها، ما زالت في بداياتها.

وحتى هذه اللحظة، تبدو أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى مشروع سياسي مكتمل.

فهي لم تقدم بعد برنامجًا سياسيًا واضحًا، ولم تجب عن أسئلة كثيرة لا يمكن القفز فوقها.

ما تصورها لمستقبل منظمة التحرير؟

كيف ترى العلاقة بين السلطة والمنظمة؟

هل تعتبر السلطة إحدى مؤسسات المنظمة كما كانت عند إنشائها، أم تقبل بالواقع الذي تشكل خلال العقود الماضية؟

ما موقفها من اتفاق أوسلو؟

ومن وظائف السلطة؟

ومن المقاومة؟

ومن إعادة بناء المؤسسات؟

ومن العلاقة بين الداخل والشتات؟

كل هذه الأسئلة لم تتضح بعد. ولا يجوز القفز عنها.

فأي مشروع سياسي لا يُقاس بعدد المشاركين في اجتماعه الأول، وإنما بقدرته على تقديم رؤية متماسكة للمستقبل.

ومع ذلك، ربما تكمن أهمية المبادرة في مكان آخر.

ليس فيما قدمته، بل فيما أجبرت الآخرين على التفكير فيه.

فمنذ سنوات طويلة، جرى اختزال السياسة الفلسطينية في سؤال واحد: من سيحكم السلطة؟

أما هذه المبادرة، فقد أعادت السؤال إلى مكانه الصحيح: من يحمل المشروع الوطني الفلسطيني؟

وهذا انتقال بالغ الأهمية.

لأن السلطة، مهما توسعت صلاحياتها، تبقى في النهاية سلطة محكومة بقيود الاحتلال، وباتفاقات سياسية، وبحدود جغرافية معروفة.

أما منظمة التحرير، نظريًا على الأقل، فهي تمثل شعبًا لا يعيش كله داخل حدود السلطة.

تمثل لاجئًا في لبنان، وطالبًا في ألمانيا، وعاملًا في تشيلي، وطبيبًا في الخليج، وفنانًا في الولايات المتحدة، وفلسطينيًا لم يرَ وطنه منذ سبعة وسبعين عامًا.

ولهذا فإن السؤال عن مستقبل منظمة التحرير ليس سؤالًا إداريًا، بل سؤال يتعلق بمن يملك الحق في تمثيل الشعب الفلسطيني كله.

لكن المبادرات، مهما صدقت نوايا أصحابها، لا تعيش بالنوايا وحدها.

فالسياسة لا تعرف الفراغ. وكل مشروع جديد يولد في ساحة مزدحمة بالقوى والمصالح والنفوذ.

وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب.

هل ستُترك هذه المبادرة لتنمو طبيعيًا؟

أم ستُواجَه بالتشكيك؟

أم بالاحتواء؟

أم بالتفكيك من الداخل؟

أم بالإغراءات؟

أم بالتخويف؟

أم بالتهم الجاهزة التي عرفتها الحياة السياسية الفلسطينية كلما ظهر إطار جديد يحاول كسر الاصطفافات التقليدية؟

هذه ليست المبادرة الأولى التي تولد في فلسطين.

لكن التجربة الفلسطينية تعلمنا أن الطريق بين ولادة الفكرة وتحولها إلى قوة سياسية، هو الطريق الأصعب والأكثر امتلاءً بالألغام.

هنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا.

ولا يعود السؤال: هل هذه المبادرة جيدة أم سيئة؟ ولا هل تنجح أم تفشل؟

بل يصبح السؤال: أين يقف المجتمع السياسي الفلسطيني كله من هذه اللحظة؟

أين يقف المثقف؟ أين يقف الأكاديمي؟ أين يقف الكاتب؟ أين يقف الفنان؟ أين يقف النقابي؟ وأين يقف آلاف الكوادر الذين أمضوا أعمارهم يتحدثون عن ضرورة إصلاح منظمة التحرير وتجديد شرعيتها وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني؟

هل يكتفون بالمراقبة؟

أم أن اللحظة أصبحت أكبر من أن تُترك لمجموعة من الشخصيات، مهما كانت نواياها طيبة؟

لقد كتب كثيرون، خلال السنوات الماضية، عن أزمة النظام السياسي الفلسطيني، وعن فجوة الزمن السياسي، وعن ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير، وإنهاء الانقسام، وتجديد الشرعية، وتحويل الانتخابات إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي، لا إلى آلية لإعادة إنتاجه.

وكُتب الكثير أيضًا عن غياب السياسة، وعن تراجع المجتمع، وعن اتساع المسافة بين الشعب ومؤسساته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل يكفي أن نكتب؟

فالسياسة لا تتغير بالمقالات وحدها.

وإذا بقيت الأفكار موزعة بين الصحف، والندوات، وصفحات التواصل الاجتماعي، فلن تتحول إلى قوة قادرة على التأثير في مسار الأحداث.

والأخطر من ذلك، أنها تترك الساحة خالية أمام من يمتلكون التنظيم، والسلطة، والموارد، والقدرة على تحويل أفكارهم إلى مؤسسات، وقرارات، وقوانين.

وهنا يكمن أحد أكبر الدروس في التجربة الفلسطينية.

فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا طويلًا.

إذا لم تملأه الأفكار، ملأته السلطة.

وإذا لم يملأه المجتمع، ملأته البيروقراطية.

وإذا لم يملأه المشروع الوطني، ملأته المصالح.

لذلك لا ينبغي النظر إلى المبادرة باعتبارها مشروعًا مكتملًا يجب الاصطفاف خلفه دون نقاش، كما لا ينبغي التعامل معها باعتبارها فكرة ناقصة تستحق الإهمال.

الطريق الثالث هو الأهم.

أن تُقرأ باعتبارها فرصة لفتح نقاش وطني واسع، لا يشارك فيه أصحاب المبادرة وحدهم، بل كل من كتب، أو فكر، أو حذّر، أو اقترح خلال السنوات الماضية.

فإذا كانت المبادرة تفتقر إلى برنامج سياسي، فليساهم أصحاب الفكر في صياغته.

وإذا كانت تفتقر إلى رؤية لموقع منظمة التحرير، فلتكن هذه الرؤية ثمرة حوار وطني.

وإذا كانت لا تزال إطارًا هشًا، فالسؤال ليس كيف نعلن هشاشتها، بل كيف نحولها إلى إطار أكثر صلابة، إذا كنا نؤمن أصلًا بأن النظام السياسي الفلسطيني يحتاج إلى إصلاح عميق أو إلى بديل وطني جامع.

فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، ولا على حسن النوايا، وإنما على التراكم، والتنظيم، والقدرة على تحويل الفكرة إلى قوة اجتماعية.

وربما هنا تحديدًا تقف الحركة الوطنية الفلسطينية أمام أحد أهم امتحاناتها منذ سنوات.

فإذا كانت القراءة التي تقول إن هناك عملية متدرجة لإعادة إنتاج النظام السياسي، بحيث تبقى السلطة هي السقف الأعلى، صحيحة، فإن الاكتفاء بالمراقبة لن يغير شيئًا.

أما إذا كان هناك من يرى أن هذه القراءة مبالغ فيها، فإن أفضل وسيلة لإثبات ذلك ليست الصمت، بل فتح نقاش وطني واسع وشفاف حول مستقبل منظمة التحرير، وموقع السلطة، وحق الفلسطينيين جميعًا، في الداخل والشتات، في المشاركة الحقيقية في رسم مستقبلهم.

لأن القضية هنا لا تتعلق بمقاعد المجلس التشريعي، ولا بتوازنات هذا الفصيل أو ذاك.

إنها تتعلق بالسؤال الذي سيحدد شكل الحركة الوطنية الفلسطينية في العقود المقبلة:

من يقود من؟

هل تبقى منظمة التحرير هي الحامل السياسي الأعلى للشعب الفلسطيني، فتقود السلطة وتحدد وظيفتها وحدودها؟

أم يكتمل الانقلاب الهادئ الذي بدأ منذ سنوات، فتغدو السلطة هي المرجعية الفعلية، وتتحول المنظمة إلى إطار يمنح الشرعية لقرارات تُصنع خارجها؟

ذلك هو السؤال.

وليس سؤالًا آخر.

ربما يكون من المبكر الحكم على هذه المبادرة.

وربما يكون من الظلم أيضًا تحميلها أكثر مما تحتمل.

فهي لم تتحول بعد إلى تيار سياسي، ولم تطرح برنامجًا متكاملًا، ولم تبنِ تنظيمًا قادرًا على خوض معركة بهذا الحجم.

لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن فيما أصبحت عليه، بل فيما كشفت عنه.

لقد كشفت أن تحت السطح الفلسطيني شيئًا يتحرك.

وأن هناك من بدأ يشعر بأن الزمن السياسي الذي حكم الفلسطينيين طوال العقود الثلاثة الماضية يقترب من حدود قدرته على تفسير الواقع الجديد.

فالعالم تغيّر.

وفلسطين تغيّرت.

والحرب غيّرت أشياء كثيرة.

وجيل جديد وُلد، داخل فلسطين وخارجها، لا يحمل الأسئلة نفسها التي حملتها الأجيال السابقة، ولا يكتفي بالإجابات القديمة.

يريد هذا الجيل أن يعرف، قبل أي شيء آخر، من يمثله حقًا، ومن يصوغ مستقبله، ولماذا أصبح الشعب الفلسطيني، الذي يمتد على أربع قارات، يُختزل سياسيًا في مؤسسات تعمل داخل حدود سلطة انتقالية نشأت قبل أكثر من ثلاثة عقود.

ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي لا يدور فيها النقاش الحقيقي حول أسماء الأشخاص، بل حول شكل النظام السياسي نفسه.

وهذا، في حد ذاته، تطور بالغ الأهمية.

فالشعوب لا تدخل مرحلة جديدة عندما تغيّر حكوماتها فقط، بل عندما تبدأ بمراجعة الأفكار التي قامت عليها مؤسساتها.

ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس: هل نؤيد هذه المبادرة أم لا؟ ولا من حضر الاجتماع ومن غاب؟

بل سؤال آخر أكثر عمقًا:

هل نريد فعلًا إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني؟

أم نريد فقط إعادة ترتيب القوى داخل البنية السياسية نفسها؟

فالفرق بين الأمرين هائل.

إعادة ترتيب القوى تعني أن تتغير الوجوه ويبقى النظام كما هو.

أما إعادة بناء المشروع الوطني، فتعني أن نعيد طرح الأسئلة التي تهربنا منها طويلًا:

ما وظيفة السلطة؟

وما حدودها؟

وما موقع منظمة التحرير؟

وكيف يستعيد الشتات حقه الطبيعي في أن يكون شريكًا في القرار، لا مجرد عنوان في الخطابات؟

وأي علاقة يجب أن تقوم بين المؤسسة الوطنية الجامعة وبين السلطة التنفيذية؟

لقد قيل الكثير عن أزمة النظام السياسي الفلسطيني.

لكن الأزمة لم تعد أزمة تشخيص.

فالتشخيص أصبح معروفًا.

أما التحدي الحقيقي، فهو الانتقال من المعرفة إلى الفعل.

من المقال إلى المبادرة.

ومن الفكرة إلى المشروع.

ومن النقد إلى البناء.

وهنا تقف النخبة الفلسطينية أمام امتحانها الأصعب.

ليس امتحان البلاغة، ولا التحليل، بل امتحان المسؤولية التاريخية.

لأن المثقف الذي يكتفي بوصف العاصفة، بينما السفينة تغيّر اتجاهها، قد يكون شاهدًا جيدًا، لكنه لن يكون شريكًا في صناعة المستقبل.

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تفرضه اللحظة الفلسطينية اليوم.

فلا السلطة تستطيع وحدها أن تنتج شرعية جديدة.

ولا المبادرات تستطيع وحدها أن تفرض واقعًا جديدًا.

ولا المقالات، مهما بلغت دقتها، تستطيع وحدها أن تغيّر مسار السياسة.

لكن عندما تلتقي الفكرة بالمجتمع، ويلتقي المثقف بالكادر الوطني، والأكاديمي بالنقابي، والفلسطيني في الوطن بالفلسطيني في الشتات، عندها فقط يمكن أن تتحول المبادرات إلى مشاريع، والمشاريع إلى قوة، والقوة إلى تحول تاريخي.

قد تنجح هذه المبادرة.

وقد تفشل.

وقد تُجهض قبل أن تكبر.

وقد تُحتوى.

وقد تنقسم.

كل ذلك وارد.

لكنها، سواء نجحت أم أخفقت، وضعت إصبعها على الجرح الذي حاولت السياسة الفلسطينية أن تؤجل النظر إليه سنوات طويلة.

فالقضية لم تعد قضية انتخابات.

وليست قضية مقاعد.

وليست قضية أسماء.

القضية أصبحت تتعلق بالسؤال الذي سيحدد ملامح فلسطين السياسية في العقود القادمة:

أي سياسة نريد؟

وهل نريد منظمة تحرير تقود السلطة، باعتبارها الممثل الشرعي والجامع للشعب الفلسطيني كله، داخل الوطن وخارجه؟

أم نريد سلطة تعيد تشكيل المنظمة، وتحدد حدودها ووظيفتها، بحيث تبقى هي السقف السياسي الأعلى، بينما يتحول الإطار الوطني الجامع إلى مؤسسة تدور في فلكها؟

هذا هو السؤال الذي خرج من قاعة اللقاء التشاوري في رام الله، لكنه لم يعد يخص المشاركين فيه وحدهم.

إنه سؤال يخص كل فلسطيني يؤمن بأن مستقبل القضية لا يُحسم فقط على جبهات القتال، ولا في أروقة الدبلوماسية، بل أيضًا في الطريقة التي نعيد بها تعريف مؤسساتنا الوطنية، وعلاقتها ببعضها، وعلاقتها بالشعب الذي وُجدت أصلًا لتمثيله.

فربما لا يكون الحدث الحقيقي هو المبادرة.

وربما لا تكون الانتخابات هي الحدث.

الحدث الحقيقي هو أن الزمن الفلسطيني نفسه بدأ يطالب بسياسة جديدة.

والأمم التي لا تلتقط لحظة تغير الزمن، تجد نفسها بعد سنوات تكتشف أنها لم تخسر انتخابات...

بل خسرت عصرًا كاملًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...