د. أحمد الحطاب - اللحظة الوحيدة التي يفتخر فيها المغاربة بِبَلَدِهم

في الحقيقة لحظات افتخارِ المغاربة ببلدِهم كثيرة لكنها تبقى سجينةَ قفصٍ كبيرٍ اسمُه "السياسة". والسياسة يمكن أن تُفرِزَ الفرحَ والسعادةَ، ويمكن أن تُفرٍزَ الحزنَ والشقاءَ. مثلا، حين تمَّ ترسيم الساعة الإضافية قانونياً بمرسوم، فهذا خبرٌ لم يستَحسِنه المغارٍبة، على الإطلاق، نظرا لانعِكاساتِها السلبية على الساعة البيولوجية l'horloge biologique، علماً أن هذه الأخيرة عبارة عن نظام داخلي يُنظِّم إيقاعَ rythme حياةِ الكائنات الحية. وهذا التَّنظيم يدوم 24 ساعة، أي طيلةَ تعاقًب ألليل والنهار ويتأقلم مع هذا التعاقب. والتنظيم له، كذلك، تأثيرٌ على الوظائف الحيوية كالنَّوم وحرارة الجسم والهضم وإنتاج الهرمونات les hormones…

فما هي هذه السياسة التي، بإمكانِها أن تملأَ أحوال الناس فرحاً وسعادةً، وبإمكانِها أن تملأَ حياةَ نفس الناس حزنا وشقاءً؟

بكل بساطة، السياسة هي مجموع الأنشِطة والمؤسسات والعلاقات التي تنظِّم وظائفَ المجتمع، من خلال ممارسة السلطة داخلَ الدولة. وبعبارة أخرى، السياسة هي كل ما من شأنه أن يُنظِّمَ الحياة، بمفهومها الواسع، وبالتالي، فهي الوسيلة التي، بواسطتِها، يتمُّ تدبير الشؤون العمومية لبلدٍ ما، واضعةً، من ضمنَ الأولويات، خدمةَ الصالِح العام l'intérêt général. ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، أي خدمة الصالِح العام، فإنها تضع وتُطبِّق المساطير les règles والقوانين les lois، وإن اقتضى الحال، فإنها تجتهِد لإيجاد حلول للصِّراعات الاجتماعية les conflits sociaux.

لكن السياسة، كوسيلةٍ لتدبير الشأن العام، منذ أن أصبحت مِلكا للأحزاب السياسية، انحرفت، تدريجيا، عن معناها النبيل، وأصبحت مصدرا للمصائب الاجتماعية والاقتصادية. بمعنى، عوض أن تكون مصدراً للفرح والسعادة، فإنها أصبحت مصدراً للحُزن والشقاء.

والدليل على ذلك أن المغربَ تعاقبت على تدبير شأنِه العام ثلأثةٌ وثلاثون حكومة، بما في ذلك الحكومة الحالية التي يترأسها حزبُ "التَّجمُّع الوطني للأحرار"، في شخص عزيز أخنوش. وهذه الحكومات، المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام، لم تستطع، ولو واحِدة منها أن تقضيَ على المشاكل التي تُعرقل تنميةَ البلاد والعباد، أو على الأقل، التَّقليل من انعِكاساتِها السلبية على التَّنمية. وهذه المشاكل التي تُعرقِل تنمية البلاد والعباد، هي الفساد والأمية والفقر. كما لم تستطع أية حكومة أن توزِّعَ الثروة التي تُنتِجها البلاد، توزيعاً عادِلاً ومُنصِفا.

في هذه الحالة، يبقى المُتتبِّعون للمجال السياسي مُتردِّدين بين سؤالين مهمَّين وأساسيين : "متي تكون السياسة مصدرا للفرح والسعادة؟"، و "متى تكون مصدرا للحزن والشقاء؟". جواباً على هذين السؤالين، السياسة ليست، في حد ذاتها intrinsèquement، مصدرا مطلقا للفرح والسعادة، وكذلك، ليست، في حد ذاتِها مصدرا مطلقا للحزن والشقاء. لماذا؟

لأن السياسةَ ليست أمرا مستقلا عن الفكر البشري la politique n'est pas une question indépendante de l'esprit humain. إنها من اختراع الإنسان، أي الإنسان هو الذي يتحكَّم في مُجريات السياسة، أي هو الذي يتناولها، إما بالعقل la raison وإما بالأهواء les caprices.

السياسة، كإنتاجٍ فكري بشري، إن قاربها الإنسانُ بالعقلِ، فإنها، من المفروض وحتماً، تُفرِز ما ينفع البلادَ والعبادَ، انطلاقا من كونِها وسيلة من وسائل خدمة الصالِح العام.وإن قاربها الإنسانُ بالأهواء، أي بتغليب النزوات والأنانية الفردية على الصالح العام، فإنها تفرِز ما يُسيء للبلادِ والعبادِ. وهذا يعني أن السياسة تختلِف نتائجُها حسب المقاربة l'approche التي ينهجها الإنسان إزاءها.

إذن، السياسة تُحدِث صراعا un conflit بين ما فيه خيرٌ للتساكن la cohabitation والتعايش la coexistence داخلَ المجتمعات، وبين ما فيه شر لهما. وهو، في الحقيقية، صراع بين الخير الذي أراده الله، سبحانه وتعالى، للناس جميعا، وبين الشر الذي لم يُردْه للناس أجمعين.

والقرآنُ الكريمُ واضح في هذا الشأن. إذ قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآيتين رقم 54 من سورة الأنعام : "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، أي الرحمة بالعباد أجمعين. ويقول، سبحانه وتعالى، في نفس الشأن، في الآية رقم 156 من سورة الأعراف : "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ".

أما الآيات التي تبيِّن للناس أنه، سبحانه وتعالى، لا يريد الشر لعبادِه أجمعين، فهما الآيتان رقم 6 من سورة المائدة، والآية رقم 108 من سورة آل عمران، المواليتان :

"مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".

"وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ".

إذن، إن عمَّ الخير بين الناس، وإن عمَّ بينهم الشر، فهو من صُنعِ الإنسان، أي من المقاربة التي ينهجُها الإنسانُ للتعامل مع السياسة. إلى حدِّ الآن، لم يُفرز هذا التعامل إلا الحزنَ والشقاءَ، وذلك منذ بداية الستينيات. فمن أين ستأتي لحظةُ الفرحِ والسعادةِ ليفتخرَ المغاربة ببلدهم الذي، من المفروض، أن ترفعَه السياسةُ إلى أرفع الدرجات؟

اللحظة الوحيدة، المُتاحة، حالياً، ليفتخِرَ المغاربةُ ببلدِهم، توفِّرها الرياضة، وبالضبط، كرة القدم. وهذا ما وقع يومَ الثلاثاء 30 يونيو على الساعة الثانية صباحاً، حيث أقصى المنتَخَبُ المغربي المُنتَخَب الهولندي. والمُنتَخَب الهولندي يُعدُّ من الفٍرق القوية الأوروبية، إذ كان يحتلُّ المرتبة السابعة في تصنيف الفيفا FIFA، سنةَ 2025، بينما المغرب كان مُصنٍَفاً، في نفس السنة، في المرتبة الحادية عشرة.

أما السياسة، كما تمارِسها أحزابُنا السياسية، لم توفِّر لشريحةٍ عريضةٍ من المغارِبة، إلى حد الآن، إلا الفسادَ والجهلَ والفقرَ. كان، من المفروض، أن يخجلَ السياسيون أمام إنجازات فريق كرة القدم، الوطني، وكان عليهم أن يبذلوا ما في وسعِهم من جهدٍ للوصول إلى نفس النتائج أو أكثر. فهل سيفرَح المغارِبة لما يرَوا وزيراً من طينة عبد الرحيم بوعبيد يحقِّّق إنجازاتٍ عظيمة، إذ كان له الفضل في إرساءِ السيادة النقدية والمالية للمغرب؟ هو الذي أنشأ الدرهم ليعوِّض الفرنك الفرنسي، وأنشأ و وضع الأسسَ الأولى لإنشاء بنك المغرب، والأسس الأولى لصندوق الضمان الاجتماعي ومدوَّنة الجمارِك…

اليوم، أحزابُنا السياسية تُمارس السياسة، لكن السياسة التي تُتَوُّجُ بالإفلاس أو تقودُ إلى الأزمات أو إلى فقدان الثقة في السياسة وفي أحزابِها. فهل يوجد مغربيٌّ واحد يتنكَّر لإنجازات حكومات تعاقبت على تدبير الشأن العام، وناضلت من أجل كرامة عيش المواطنين (رجالاً ونساءً) وإزالة عوائق ألتنمية كالفساد والفقر والأمية والبطالة…

حمداً لله أن كرة القدم وفَّرت للمغاربة فرصاً ولحظاتٍ للفرح والافتخار بالبلاد، ولو أن هذه الفُرص واللحظات قصيرة جدا. لكنها لحظات تمكِّن المغاربة من نسيان هموم وضغوطَ الحياة التي تتسبَّب في وجودِها السياسة ألتي تمارِسها أحزابُنا السياسية، الفارِغة من النُّبل والمعنى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...