إسماعيل نوري الربيعي - عبدالأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع

لا ينهض الأدب من فراغ، ولا يولد الكاتب من عزلة عن بيئته. تنشأ الكتابة حين تتراكم التجارب في النفس، ثم تبحث عن لغة تحفظها من الضياع. وكلما اشتد احتكاك الإنسان بأرضه وأهله وأحوال زمانه، ازدادت كتابته صدقا، واتسع أثرها. لذلك لا يخلد الأدب لأنه جميل في عبارته، بل لأنه يحفظ صورة المجتمع في لحظة من تاريخه، ويجعل القارئ يرى ما غاب عن عينه، ويفهم ما خفي وراء الوقائع. وأهل البلدان المتقلبة أحوالهم أكثر الناس حاجة إلى الأدب، لأن الحوادث تكثر بينهم، والذاكرة تضعف أمام تعاقبها. فإذا وجد بينهم كاتب عرف طبائع الناس، وأحسن الإصغاء إلى كلامهم، ورأى ما يختبئ خلف أفعالهم، صار قلمه سجلا لأخلاق عصره، لا صحيفة أخبار تنتهي بانتهاء يومها. ومن هذا الصنف يبرز عبد الأمير المجر، الذي لم يجعل الأدب زينة للغة، بل جعله وسيلة لفهم المجتمع، وحفظ ذاكرته، وتسجيل تحولات الإنسان العراقي في العقود الأخيرة.
ولد عبد الأمير المجر سنة 1962 في قضاء المجر الكبير بمحافظة ميسان. نشأ في بيئة جنوبية غنية بالحكايات، ومتصلة بالأهوار، والمشاحيف، والماء، والريف، والمدينة الصغيرة. وهذه البيئة لم تظهر في كتاباته بوصفها ديكورا مكانيا، بل ظهرت بوصفها مصدرا لرؤية الإنسان، ولطريقة فهم العلاقات الاجتماعية، وللغة التي تتحرك بها شخصياته. عمل في الصحافة الثقافية زمنا طويلا. شغل عضوية هيئة تحرير مجلة الأقلام الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة العراقية. تولى مسؤولية القسم الثقافي في جريدة القلعة الأسبوعية. انضم إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. جمعت هذه المواقع بين الخبرة الأدبية والخبرة الصحفية، فأصبح قريبا من حركة الثقافة العراقية، ومن أسئلة المجتمع، ومن تحولات المشهد الأدبي. لا يكتب الأديب الحقيقي بعيدا عن الناس. يكتب بينهم، ويسمعهم، ويراقب تغيراتهم، ثم يعيد تقديمها في صورة أدبية تمنح القارئ فرصة للفهم. لذلك احتفظ عبد الأمير المجر بعلاقة متصلة مع الحياة اليومية، فلم تنفصل قصصه ورواياته عن الواقع العراقي، ولم تنعزل داخل بناء لغوي مغلق.
أصدر مجموعته القصصية "تهجدات الصحارى" سنة 1999. ثم نشر روايته التسجيلية "مستنقع الأفاعي" سنة 2000. وأتبعها برواية "حزيران الجهات الأربع" سنة 2001. وفي العام نفسه أصدر مجموعته القصصية "ليلة العصفور الأخير". ثم نشر مجموعة "غيلان نشيد المشاحيف" سنة 2009. ويكشف هذا التسلسل عن استمرار في الإنتاج، وعن تنوع في الأجناس الأدبية، بين القصة والرواية، مع محافظة واضحة على الاهتمام بالإنسان العراقي. نال جائزة الدولة التشجيعية للإبداع سنة 1999 عن مجموعة "تهجدات الصحارى". ثم حصل على الجائزة نفسها سنة 2001 عن مجموعة "ليلة العصفور الأخير". ولا تمنح الجوائز قيمتها للكاتب، لكنها تشير إلى أن المؤسسة الثقافية رأت في أعماله إضافة تستحق التقدير، وأن تجربته تجاوزت حدود الانتشار إلى الاعتراف النقدي. تقوم القصة القصيرة عند عبد الأمير المجر على الاقتصاد في اللغة، ودقة الملاحظة، وحسن اختيار اللحظة الإنسانية. لا يطارد الأحداث الكبيرة، بل يتوقف عند التفاصيل التي تكشف طبيعة الإنسان. فالفرد عنده لا يعيش منفصلا عن المجتمع، بل يحمل داخله آثار البيئة، والتاريخ، والعلاقات الاجتماعية، والخوف، والأمل، والذاكرة. وتظهر هذه السمة بوضوح في "تهجدات الصحارى". فالصحراء ليست مكانا فحسب، بل حالة اجتماعية تكشف قدرة الإنسان على الصبر، وعلى مواجهة العزلة، وعلى البحث عن معنى الحياة في ظروف شاقة. ويصبح المكان شريكا في بناء الشخصية، لا خلفية صامتة للأحداث.
أما "ليلة العصفور الأخير" فتتجه إلى الإنسان الذي يقف عند حدود الفقد والانتظار والتحول. لا تعتمد المجموعة على الإثارة، بل تعتمد على بناء الحالة النفسية، وربطها بالسياق الاجتماعي. لذلك يشعر القارئ أن الشخصيات تتحرك وفق منطق الحياة، لا وفق رغبة الكاتب في صناعة المفاجأة. وفي "غيلان نشيد المشاحيف" يعود الكاتب إلى جنوب العراق، لكنه يعود إليه بعين مختلفة. فهو لا يصف المكان بوصفه منظرا طبيعيا، بل يقدمه بوصفه تاريخا حيا، وعلاقة مستمرة بين الإنسان والماء والعمل والذاكرة. وهنا تظهر خبرته في تحويل البيئة المحلية إلى موضوع إنساني يتجاوز حدود الجغرافيا.. وفي رواية "حزيران الجهات الأربع" تتسع الرؤية لتشمل المجتمع في لحظة اضطراب. لا يركز الكاتب على بطل واحد يحتكر الحكاية، بل يوزع التجربة بين شخصيات متعددة، بحيث يصبح المجتمع نفسه بطلا للرواية. وهذا الأسلوب يمنح العمل بعدا اجتماعيا واضحا، لأن الأحداث لا تصنعها إرادة فرد، بل تصنعها شبكة العلاقات بين الناس.
ومن يتأمل أعمال عبد الأمير المجر يلاحظ حضورا دائما للإنسان البسيط. الفلاح، والعامل، والموظف، وسكان المدن الصغيرة، وأهل الأهوار. لا يقدمهم بوصفهم ضحايا دائمين، ولا يصنع منهم أبطالا فوق العادة. يقدمهم كما يعيشون، بخيرهم وضعفهم، بأحلامهم وخيباتهم. وهذه النظرة تمنح النص صدقا، لأن الأدب يقترب من الحقيقة حين يبتعد عن المبالغة. ولغته الأدبية تميل إلى الوضوح. لا تثقل النص بالزخرفة، ولا تكدس الصور البلاغية. تخدم الجملة الفكرة، وتخدم الفكرة الشخصية، ويخدم الجميع بناء العمل. لذلك تصل كتابته إلى القارئ بسهولة، من دون أن تفقد قيمتها الفنية. وتكشف تجربته الصحفية أثرا واضحا في طريقته في الكتابة. فالصحافة تعلم الكاتب احترام الوقائع، والانتباه إلى التفاصيل، والاقتصاد في العبارة. أما الأدب فيمنحه مساحة لفهم الإنسان، وتحليل دوافعه، وتأمل نتائج أفعاله. وحين يجتمع المجالان في كاتب واحد، تنشأ كتابة تجمع بين دقة الملاحظة وعمق الرؤية. ومن خصائص تجربته أيضا اهتمامه بالمكان العراقي. فهو لا يعامل المكان بوصفه إطارا خارجيا، بل يعده عنصرا يشارك في تكوين الشخصية. فالأهوار، والقرى، والمدينة، والصحراء، والأنهار، كلها تؤثر في سلوك الإنسان، وفي لغته، وفي نظرته إلى الحياة. ولهذا تحتفظ أعماله بهوية عراقية واضحة، من دون أن تنغلق على المحلية.
وتبرز قيمة هذه الأعمال حين تقرأ بوصفها وثائق اجتماعية إلى جانب قيمتها الأدبية. فالقصة والرواية تحفظان ما تعجز الوثائق الرسمية عن حفظه. تسجلان مشاعر الناس، وعلاقاتهم، ومخاوفهم، وطريقة تفكيرهم. ومن هنا تأتي أهمية الأدب في دراسة التاريخ الاجتماعي، لأن الوقائع وحدها لا تكفي لفهم المجتمع. ولهذا السبب ظل كثير من المؤرخين يعودون إلى الروايات والقصص عند دراسة حياة الشعوب. فالأدب يكشف ما تخفيه الإحصاءات، ويعرض صورة الإنسان من الداخل. وأعمال عبد الأمير المجر تقدم مادة غنية لفهم المجتمع العراقي، خاصة في العقود التي شهدت تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية متلاحقة. ولم ينشغل الكاتب بالبحث عن الشهرة السريعة، بل واصل الكتابة بهدوء، محافظا على صلته بالمؤسسة الثقافية العراقية، وبالقارئ، وبالمشهد الأدبي. وهذه الاستمرارية تمنح التجربة قيمة إضافية، لأن الكاتب يقاس بما يراكمه من أعمال، لا بما يحققه من حضور إعلامي عابر. ومن يقرأ إنتاجه يلاحظ أن الزمن عنصر حاضر في معظم نصوصه. الشخصيات تتحرك تحت أثر الماضي، وتعيش الحاضر، وتخشى المستقبل. ولا يظهر الزمن بوصفه تاريخا للأحداث فقط، بل بوصفه قوة تغير الإنسان، وتعيد ترتيب علاقاته، وتبدل نظرته إلى الحياة. كما تتكرر في أعماله فكرة الذاكرة. فالإنسان عنده يحمل ماضيه أينما ذهب. والمجتمع يحتفظ بآثاره داخل الحكايات، والأماكن، والأسماء، والعادات. لذلك تتحول الكتابة إلى وسيلة لحماية الذاكرة من النسيان، وإلى محاولة لفهم ما تركته السنوات في النفوس.
ويستحق عبد الأمير المجر اهتمام الدراسات النقدية، لأن تجربته تقدم نموذجا للأديب الذي جمع بين الإبداع، والعمل الثقافي، والصحافة، والمعرفة الدقيقة بالمجتمع. وهذا الجمع منح نصوصه توازنا بين الفن والواقع، وبين الخيال والتوثيق، وبين الحس الإنساني والوعي الاجتماعي. ولا تقاس قيمة الكاتب بعدد كتبه فقط، بل بقدرته على ترك أثر في الوعي الثقافي. وقد استطاع عبد الأمير المجر أن يرسخ اسمه بين الأصوات العراقية التي حافظت على حضورها عبر الإنتاج المستمر، والالتزام بقضايا الإنسان، والابتعاد عن الكتابة التي تعيش موسما ثم تنطفئ. ومن يراجع مسيرته يدرك أن الجوائز التي نالها جاءت بعد أعمال امتلكت شروطها الفنية، وأن عضويته في المؤسسات الثقافية جاءت نتيجة مساهمة حقيقية في الحياة الأدبية، وأن إنتاجه ظل مرتبطا بالمجتمع الذي خرج منه، فلم يقطع الصلة بين الكاتب وبيئته. لهذا تمثل تجربة عبد الأمير المجر صورة للأديب الذي جعل الكتابة مسؤولية معرفية وأخلاقية. كتب عن الإنسان قبل الحدث، وعن المجتمع قبل الشعارات، وعن الذاكرة قبل النسيان. وبذلك ترك للقارئ نصوصا تحفظ جانباً من تاريخ العراق الاجتماعي والثقافي، وتؤكد أن الأدب يبقى من أكثر الوسائل قدرة على فهم الإنسان حين تعجز الوقائع المجردة عن تفسير حياته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...