تكشف قصص الاديب نقوس المهدي الثلاث عن تجربة سردية تعتمد على الرمز بوصفه وسيلة لبناء المعنى وليس مجرد أداة جمالية. فمن خلال نصوص قصيرة ومكثفة ينجح في استحضار عوالم إنسانية عميقة تتداخل فيها معاناة الفرد مع واقع المجتمع و واقع السلطة والحرية عبر لغة موحية وصور رمزية تتسع دلالاتها مع كل قراءة حتى تغدو القصة الومضة فضاء رحب للتأويل رغم اقتصادها اللغوي الشديد.
وتتجلى هذه الرؤية في النص الموازي الذي اختاره لقصة "إعدام العاشق" وهو مقطع للشاعر العراقي حميد سعيد الذي يبشر بأن المدن تحمل قتلاها و يبشر أيضًا بالثورة ليتحول هذا الاقتباس إلى مفتاح لقراءة القصة وليس مجرد استهلال شعري. فالعاشق الذي يقدمه لا يبدو عاشق لامرأة وإنما عاشق لوطنه و لمبادئه لذلك لم يكن موته لحظة إعدامه بل قبل ذلك بكثير حين يقول: "كانت هموم الشعب وأمراضه وفقره قد قتلته قبل ذلك مرارًا." وهنا تتجسد معاناة البطل عندما يستنزف نفسيًا قبل أن يُستنزف جسديًا فيأتي موته بعد رحلة طويلة من المعاناة وهو يحمل هموم الآخرين.
ولا تقف القصة عند معاناة الفرد بل تمتد لتكشف واقع تصنعه أدوات القمع حيث تتحول السياط وكهرباء المحقق والزنزانة إلى رموز لسلطة لا تستهدف الجسد وحده وإنما تسعى إلى إخماد الوعي ومصادرة الحرية لكن الكاتب يقيم مفارقة ذكية حين يحول القبر إلى نخلة والزنزانة إلى غدير يجرف الهراوات والحثالة. فالنخلة بما تحمله من رمزية عربية تمثل الثبات والعطاء وامتداد الجذور بينما يرمز الغدير إلى الحياة والتطهير وكأن الكاتب يؤكد أن القمع لا يورث إلا مزيد من الإصرار وأن الفكرة الحرة قادرة على أن تنبت حتى من قلب الموت. أما الأطفال والعصافير والحمام الذين يؤمون المكان فهم رموز البراءة والسلام والذاكرة النقية بما يوحي بأن ذكر أصحاب المبادئ يبقى حيًا في وجدان الشعوب مهما حاولت السلطة محوه..
ويواصل الكاتب بناء عالمه الرمزي في انسنة القمر ويمنحه صفات الإنسان فينبهر ثم يخاف ثم ينسحب ويغلق أبواب غرفته. ولا يبدو القمر هنا مجرد عنصر من عناصر الطبيعة بل رمز للنور أو الضمير أو صاحب الموقف الذي يختار التراجع في لحظة يحتاجه الجميع فيها. وبالتالي لا يصبح الظلام ظاهرة طبيعية بل نتيجة حتمية لغياب هذا النور لذلك لا يبكي الأطفال من الليل وإنما من الكوابيس التي ولدت في غيابه. كما يمنح الكاتب البدر في النهاية شعور بالخجل فيطل "وجلًا محمر العينين من فرط الحياء" وهي صورة تحمل بعد أخلاقي وتدين كل انسحاب يترك الأبرياء يواجهون مصيرهم وحدهم.
أما في قصة "بغداد" فيتسع الرمز ليحمل همًا عربيًا عامًا حين تتحول المدينة إلى صورة لكل وطن أنهكته الحروب. وتكشف عبارة "حين خلق الرصاص والديناميت خلقت بغداد" عن مفارقة مؤلمة لا تصف تاريخ بغداد الحقيقي وإنما تعكس ما آلت إليه المدينة بعد سنوات طويلة من الحروب. ولا يقتصر أثر الحرب على المباني والطرقات بل يمتد إلى الإنسان فتنتشر مشاهد اليتم والجوع ويصبح الخراب واقع يعيشه الناس قبل أن تراه العيون. بينما تحلق الحمائم في الفضاء باحثة عن الحلم لتظل رمز للسلام الذي لم يفقد حضوره رغم الخراب. ويعد الأخطبوط من أكثر رموز النص إيحاء فهو كائن متعدد الأذرع يلتف حول شرايين البلاد بما يجعله رمز لكل قوة تخنق الوطن سواء تمثلت في الاحتلال أو الإرهاب أو الفساد أو الانقسام. كما يسند الكاتب مهمة مقاومته إلى الأطفال في دلالة أن المستقبل مهما بدا هشًا يبقى الأمل الحقيقي في استعادة الحياة.
وتكمن القيمة الفنية لهذه القصص من الاقتصاد اللغوي الذي لا يسمح بوجود كلمة زائدة ومن اللغة الشعرية التي تعتمد على الصورة والاستعارة والإيحاء دون أن تخل بتماسكها السردي. كما يستخدم الكاتب التشخيص بمهارة فتختنق بغداد ويخجل البدر وتنبت النخلة من القبر وهي صور تنقل الواقع إلى فضاء رمزي أكثر قدرة على احتواء الفكرة. ويستخدم ايضًا المفارقة فيجعل الموت بداية للحياة و غياب النور سبب لهيمنة الظلام والأطفال قوة في مواجهة الأخطبوط فتحولت النهايات في قصصة الثلاثة بدايات جديدة .
وهكذا، تكشف قصص الأديب/ نقوس المهدي عن وعي فني يجعل الرمز وسيلة للتعبير عن أفكاره وليس مجرد زخرفة لغوية ليعمق الدلالة لا ليزيد النص غموضًا ومن خلال هذه الهندسة المحكمة للرموز استطاع الكاتب أن يحول الومضة القصصية إلى نص إنساني نابض يستوعب قضايا الحرية والخوف والحرب والأمل في مساحة صغيرة ويمنح القارئ متعة الاكتشاف بقدر ما يمنحه متعة القراءة.
وتتجلى هذه الرؤية في النص الموازي الذي اختاره لقصة "إعدام العاشق" وهو مقطع للشاعر العراقي حميد سعيد الذي يبشر بأن المدن تحمل قتلاها و يبشر أيضًا بالثورة ليتحول هذا الاقتباس إلى مفتاح لقراءة القصة وليس مجرد استهلال شعري. فالعاشق الذي يقدمه لا يبدو عاشق لامرأة وإنما عاشق لوطنه و لمبادئه لذلك لم يكن موته لحظة إعدامه بل قبل ذلك بكثير حين يقول: "كانت هموم الشعب وأمراضه وفقره قد قتلته قبل ذلك مرارًا." وهنا تتجسد معاناة البطل عندما يستنزف نفسيًا قبل أن يُستنزف جسديًا فيأتي موته بعد رحلة طويلة من المعاناة وهو يحمل هموم الآخرين.
ولا تقف القصة عند معاناة الفرد بل تمتد لتكشف واقع تصنعه أدوات القمع حيث تتحول السياط وكهرباء المحقق والزنزانة إلى رموز لسلطة لا تستهدف الجسد وحده وإنما تسعى إلى إخماد الوعي ومصادرة الحرية لكن الكاتب يقيم مفارقة ذكية حين يحول القبر إلى نخلة والزنزانة إلى غدير يجرف الهراوات والحثالة. فالنخلة بما تحمله من رمزية عربية تمثل الثبات والعطاء وامتداد الجذور بينما يرمز الغدير إلى الحياة والتطهير وكأن الكاتب يؤكد أن القمع لا يورث إلا مزيد من الإصرار وأن الفكرة الحرة قادرة على أن تنبت حتى من قلب الموت. أما الأطفال والعصافير والحمام الذين يؤمون المكان فهم رموز البراءة والسلام والذاكرة النقية بما يوحي بأن ذكر أصحاب المبادئ يبقى حيًا في وجدان الشعوب مهما حاولت السلطة محوه..
ويواصل الكاتب بناء عالمه الرمزي في انسنة القمر ويمنحه صفات الإنسان فينبهر ثم يخاف ثم ينسحب ويغلق أبواب غرفته. ولا يبدو القمر هنا مجرد عنصر من عناصر الطبيعة بل رمز للنور أو الضمير أو صاحب الموقف الذي يختار التراجع في لحظة يحتاجه الجميع فيها. وبالتالي لا يصبح الظلام ظاهرة طبيعية بل نتيجة حتمية لغياب هذا النور لذلك لا يبكي الأطفال من الليل وإنما من الكوابيس التي ولدت في غيابه. كما يمنح الكاتب البدر في النهاية شعور بالخجل فيطل "وجلًا محمر العينين من فرط الحياء" وهي صورة تحمل بعد أخلاقي وتدين كل انسحاب يترك الأبرياء يواجهون مصيرهم وحدهم.
أما في قصة "بغداد" فيتسع الرمز ليحمل همًا عربيًا عامًا حين تتحول المدينة إلى صورة لكل وطن أنهكته الحروب. وتكشف عبارة "حين خلق الرصاص والديناميت خلقت بغداد" عن مفارقة مؤلمة لا تصف تاريخ بغداد الحقيقي وإنما تعكس ما آلت إليه المدينة بعد سنوات طويلة من الحروب. ولا يقتصر أثر الحرب على المباني والطرقات بل يمتد إلى الإنسان فتنتشر مشاهد اليتم والجوع ويصبح الخراب واقع يعيشه الناس قبل أن تراه العيون. بينما تحلق الحمائم في الفضاء باحثة عن الحلم لتظل رمز للسلام الذي لم يفقد حضوره رغم الخراب. ويعد الأخطبوط من أكثر رموز النص إيحاء فهو كائن متعدد الأذرع يلتف حول شرايين البلاد بما يجعله رمز لكل قوة تخنق الوطن سواء تمثلت في الاحتلال أو الإرهاب أو الفساد أو الانقسام. كما يسند الكاتب مهمة مقاومته إلى الأطفال في دلالة أن المستقبل مهما بدا هشًا يبقى الأمل الحقيقي في استعادة الحياة.
وتكمن القيمة الفنية لهذه القصص من الاقتصاد اللغوي الذي لا يسمح بوجود كلمة زائدة ومن اللغة الشعرية التي تعتمد على الصورة والاستعارة والإيحاء دون أن تخل بتماسكها السردي. كما يستخدم الكاتب التشخيص بمهارة فتختنق بغداد ويخجل البدر وتنبت النخلة من القبر وهي صور تنقل الواقع إلى فضاء رمزي أكثر قدرة على احتواء الفكرة. ويستخدم ايضًا المفارقة فيجعل الموت بداية للحياة و غياب النور سبب لهيمنة الظلام والأطفال قوة في مواجهة الأخطبوط فتحولت النهايات في قصصة الثلاثة بدايات جديدة .
وهكذا، تكشف قصص الأديب/ نقوس المهدي عن وعي فني يجعل الرمز وسيلة للتعبير عن أفكاره وليس مجرد زخرفة لغوية ليعمق الدلالة لا ليزيد النص غموضًا ومن خلال هذه الهندسة المحكمة للرموز استطاع الكاتب أن يحول الومضة القصصية إلى نص إنساني نابض يستوعب قضايا الحرية والخوف والحرب والأمل في مساحة صغيرة ويمنح القارئ متعة الاكتشاف بقدر ما يمنحه متعة القراءة.