طارق حنفي - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ...}

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]

خواطر حول أصل الميلاد المعجز لسيدنا عيسى -عليه السلام-
-----------

هي حنَّة بنت قاعوذ، زوجة عمران، المرأة الصالحة التي سمع الله دعاءها، فكان دعاؤها بداية أعظم ميلادٍ معجز في تاريخ البشرية.

في زمانٍ كان الآباء يهبون فيه أبناءهم الذكور لخدمة الرب في بيت المقدس حتى يبلغوا الرشد، ثم يكون لهم بعد ذلك الخيار بين الاستمرار في الخدمة أو الخروج منها، بادرت امرأة عمران، فنذرت ما في بطنها لخدمة الرب، راجيةً أن يتقبل الله منها نذرها.

ولأنها وهبت ما في بطنها لله نذرًا وهو ما يزال جنينًا: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، وجب عليها الوفاء بنذرها، بصرف النظر عن نوع المولود.

ولأنها وهبته محررًا من قيدَي ولاية الأبوين وكفالتهما، لم يكن لها أن تتولى كفالته أو تربيته، ولذلك كفل الله -فيما بعد- مريمَ زكريا عليه السلام، زوج خالتها.

فلما وضعت حملها كان المولود أنثى، فداخلها الحزن، خشية ألا تستطيع الوفاء بنذرها، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.

ولكن لماذا قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ في هذا الموضع تحديدًا؟

قالوا: في الهيئة، والبنية، والقدرة على التحمل... إلى غير ذلك.

والله أعلم أقول:

لعل المقصود هنا أن الذكر ليس كالأنثى في معنى ﴿مُحَرَّرًا﴾؛ فالذكر إذا حُرِّر من ولاية أبويه وكفالتهما حتى يبلغ الرشد، بقي محررًا بعد زواجه؛ لأنه هو الذي يتولى كفالة زوجته، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.

أما الأنثى، فإنها وإن تحررت من ولاية أبويها، فإنها إذا تزوجت انتقلت إلى ولاية زوجها وكفالته، فلا تبقى محررة بهذا المعنى.

وعلى هذا، والله أعلم، فلعل تمام قبول الله لنذر امرأة عمران اقتضى أن تبقى مريم محررة لله، فلا تنتقل إلى ولاية زوج.

ثم لما رأت امرأة عمران أنها وضعت أنثى، دعت الله أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

فاستجاب الله دعاءها، فلم يجعل للشيطان عليها سلطانًا، فعصمها من المعصية، ومن ذلك البغاء.

فكيف يكون لمريم ذرية، وهي -على هذا الفهم- محررة لله، لا سبيل لها إلى الزواج، وليست بغيًّا؟

﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.

نذرت امرأة عمران نذرًا، ثم دعت الله، فاستجاب دعاءها، وتقبل منها نذرها: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾.

فجمع الله لها بين الأمرين اللذين يبدوان متناقضين في نظر البشر: أن تبقى محررة لله، وأن يكون لها ذرية؛ فكان ميلاد عيسى -عليه السلام- من غير أب.

وما يدرينا؟! لعل مريم قد تاقت إلى الولد، وهي تعلم أن نذر أمها يقتضي بقاءها محررة لله، فسمع الله ما في نفسها كما سمع دعاء أمها، فوهب لها عيسى -عليه السلام- من غير أب.

فكان قبول نذر الأم بداية المعجزة، وكان ميلاد عيسى اكتمالها.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الحبيب الأمين، الذي نادى سيدنا عيسى بقوله: "أخي عيسى"، وعلى آله وصحبه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...