شهادات خاصة الدكتور إبراهيم عروش الإدريسي - آل الناقوس.. البيت الذي أنجب العلم والمعرفة

لكل قرية بيوتٌ لا تُعرف بكبر جدرانها، بل بما أنجبته من رجال. وفي قريتنا كان بيت آل الناقوس واحدًا من تلك البيوت التي قرعت مبكرًا ناقوس العلم والأدب، فصار اسمه مقترنًا بالمعرفة وحسن الخلق.
كانت أسرة بسيطة، هادئة ومسالمة، لم أذكر أنني رأيت أحد أفرادها يومًا في خصومة مع أحد. كانوا يعيشون في هدوء، ويتركون أثرهم في الناس بأفعالهم لا بأصواتهم.
ولا تزال صورة والدهم، السيد محجوب الناقوس رحمه الله ، محفورة في ذاكرتي. كان يعود إلى بيته على دراجته النارية الصغيرة الموبيليت ، مرتديًا بدلة عمله في الحراسة. وما إن نراه مقبلًا حتى نبتعد عن الطريق ونكف عن اللعب ونخفي الكرة . لم يكن يفعل شيئًا ليخيفنا، لكن الجدية التي ارتسمت على ملامحه، والوقار الذي كانت تضفيه عليه بدلته، كانا يفرضان احترامًا تلقائيًا في نفوسنا نحن الأطفال.



ومن ذلك البيت المتواضع، المجاور لبيت عائلة عباس الدخنوني، عائلة آل وساط ،خرج رجال تركوا بصمتهم في ميادين مختلفة. كان منهم المرحوم الدكتور سعيد الناقوس، الذي افتتح عيادته بمدينة بنجرير، فذاع صيته بين الناس حتى لُقب بـطبيب الفقراء، لما عُرف به من إنسانية، وقرب من البسطاء، وإخلاص في أداء رسالته.
ومن البيت نفسه خرج المهدي الناقوس، الممرض الإنسان، والقاص المبدع، والناقد المتمكن، الذي لم يكتف بحب الأدب، بل حمل رسالته إلى الآخرين. كان يؤمن بأن الأدب حياة، فظل يكتب وينشر، ويشجع الأقلام، ويصل بين الأجيال؛ يحفظ ودّ من رحلوا، ويؤازر من لا يزالون يبدعون، حتى أصبح اسمه حاضرًا في المشهد الثقافي داخل المغرب وخارجه.
كما أنجبت الأسرة رجلين من رجالات التعليم، عبد العزيز ومصطفى الناقوس، اللذين أسهما في تربية أجيال من أبناء المنطقة، مؤمنين بأن التعليم هو الطريق الأقصر لبناء الإنسان.
أما نور الدين الناقوس، وكان من أقراني، فقد كان له عالمه الخاص. لم يكن مولعًا بكرة القدم كما كنا، بل كان عاشقًا للمغامرة. كلما اشتدت المباراة صاح فينا: “هناك عش فوق تلك الشجرة!”، فنترك الكرة وراءنا ونتسابق نحو الأشجار. لكنه كان دائمًا يسبقنا جميعًا، يتسلل بخفة إلى أبعد الأغصان، بينما نتوقف نحن حيث يبدأ الخوف. كان يملك شجاعة الأطفال الذين لا يعترفون بالمستحيل.
واليوم، كلما مررت بذاك البيت، لا أراه مجرد منزل من بيوت القرية، بل أراه مدرسة صامتة خرج منها طبيب، وأديب، وناقد، وممرض، ورجال تعليم، وأسرة آمنت بأن الأخلاق والعلم هما أفضل ما يمكن أن يورثه الآباء لأبنائهم.
رحم الله من رحل منهم، وأطال عمر الأحياء، وجزى آل الناقوس خير الجزاء، فقد أثبتوا أن البيوت المتواضعة قد تصنع تاريخًا كبيرًا، وأن القرى لا تُخلَّد إلا بأهلها الذين يزرعون العلم، ويورثون القيم، ويتركون في القلوب ذكرًا طيبًا لا يزول
ومن الصور التي لا تزال عالقة بذاكرتي أيضًا صورة خالي امبارك، ذلك الشيخ ذو اللحية البيضاء والعكاز الحديدي، الذي كان يعيش وحيدًا في بيت متواضع. كنا، نحن أطفال القرية، نهابه خوفًا شديدًا، حتى إننا أطلقنا عليه لقب الرّاي (Rey)، أي الملك في أوراق اللعب الإسبانية التي كانت متداولة آنذاك، لما كان يحيط به من هيبة وغموض. وما إن يخرج من بيته، وقد ضاق بضجيجنا، حتى نتفرق في كل اتجاه.
ولم يكن خوفنا منه نابعًا من معرفة حقيقية بشخصه، بل من إشاعة قديمة كانت تتردد بين الناس، تقول إنه سبق أن أُدين في قضية جنائية جسيمة. وكانت مثل هذه الحكايات تكفي لتزرع الرهبة في نفوس الأطفال، فنرسم في مخيلتنا صورة رجل مخيف، بينما كان في الحقيقة شيخًا أنهكته السنون والوحدة.
غير أن أبناء آل الناقوس كانوا الاستثناء الوحيد. فلم ينظروا إليه بعين الإشاعة، ولا حكموا عليه بما يرويه الناس، بل رأوا فيه إنسانًا مسنًا يحتاج إلى من يواسيه. فتحوا له باب بيتهم، وتقاسموا معه الطعام، وأحاطوه بما يستحقه من احترام ورعاية، حتى وجد بجوارهم بيتًا كريمًا يعوضه شيئًا من قسوة العزلة.
كانت تلك الصورة درسًا بليغًا تعلمناه متأخرين: فالأخلاق الحقيقية لا تظهر في معاملة الأقوياء أو المشهورين، بل في كيفية التعامل مع الضعفاء والمنسيين، وأولئك الذين سبقهم إليك حكم الناس. وهكذا أثبت آل الناقوس أن الكرم ليس مجرد مائدة عامرة، بل قلب يتسع للإنسان مهما كانت حكايته، وأن الرحمة قد تكون أبلغ من كل الأحكام.

يد إبراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...