يحيى بركات - حين استدار العالم ... في القدس

في القدس
في مساء لم يكن مختلفاً عن غيره، تسلل خبر إلى الغرف المغلقة،
ليس عبر البيانات الرسمية، بل عبر همسات رجال الأعمال الذين يصلون إلى حيث لا تصل السفارات. روى رجل الأعمال روني ماني، نقلاً عن مصادر في البيت الأبيض، أن الرئيس ترامب لم يكتفِ بالاتصال برئيس الوزراء، بل تجاوزه إلى الاتصال بزوجته سارة، طالباً منها إقناع زوجها بوقف التصعيد في لبنان، ملوحاً بعواقب قاسية. قد تكون الرواية مبالغاً فيها، وقد تكون دقيقة، لكن الأهم أن المجتمع الإسرائيلي وجدها قابلة للتصديق. وهنا توقفنا للحظة، ليس عند نتنياهو ولا عند ترامب، بل عند سؤال لم يعد يُطرح في الخفاء: متى يصل الحليف إلى درجة يتحدث فيها بهذه اللغة؟ وكيف وصلت العلاقة بين إسرائيل وأقرب حلفائها إلى مرحلة أصبح فيها الإسرائيليون مستعدين لتصديق أن رئيسهم يُسحب من الخلف عبر هاتف زوجته؟
بينما كان هذا الخبر يتردد في أروقة السياسة الإسرائيلية، كانت قاعات لاهاي الباردة تستقبل وثيقة مختلفة تماماً. تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابع للأمم المتحدة لم يأتِ كخبر عابر في نشرة مسائية، بل كملف قانوني ثقيل يضع النقاط على الحروف التي ظلت طويلاً معلقة في الهواء. لم يتحدث التقرير عن أخطاء قتالية أو خسائر جانبية، بل عن نمط متعمد من السلوك، عن استهداف الأطفال، عن تجويع المدنيين، عن جرائم ترقى في وصفها القانوني إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. فجأة، لم تعد القضية في ساحات الاحتجاج ولا في عناوين الصحف، بل في ملفات تنتظر الطابع القضائي، حيث لا تُمحى الاتهامات ببيان صحفي ولا تسقط بتغريدة، وحيث يصبح الدفاع عن دولة ما أمام المحاكم أصعب بكثير من الدفاع عنها في الاستوديوهات الإعلامية.
وفي الطرف الآخر من الأطلسي، حيث كانت الحصانة الأمريكية تعني كل شيء، بدأت الأرقام تتحدث بلغة مختلفة. استطلاع "بيو" العالمي قال إن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، ارتفاعاً حاداً من 42% قبل ثلاث سنوات فقط. لكن الأرقام وحدها لا تكفي، فالتحول الأعمق كان في التفاصيل الصغيرة: ثلاثة أرباع الشباب تحت الخمسين ينظرون إلى إسرائيل بعين مختلفة تماماً عن آبائهم، وحتى داخل الحزب الجمهوري، حيث كان الدعم المطلق لإسرائيل أشبه بعقيدة سياسية، وجد أن 57% من الجمهوريين تحت الخمسين لم يعودوا كما كان أسلافهم. ولأول مرة، أصبح الدفاع عن إسرائيل في واشنطن مكلفاً سياسياً، لا مربحاً انتخابياً، والتحول لم يعد مقتصراً على المظاهرات الجامعية، بل انتقل إلى صناديق الاقتراع، حيث فاز مرشحون في أكثر من ولاية بنوا حملاتهم على نقد الحرب في غزة والدعم المفرط لإسرائيل، في مشهد بدأ يتكرر ويكسر استثناء نيويورك ليصبح ظاهرة وطنية.
وفي الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث كان الصوت الرسمي يملأ الفضاء، بدأت تظهر أصوات مختلفة من حيث لا تتوقع. مؤشر "ميتفيم" الصادر عن معهد إسرائيلي، لم يأتِ من جهة معادية، بل من مركز بحثي محايد، كشف أن الإسرائيليين يقلقون من تحول دولتهم إلى دولة منبوذة، وينتقدون أداء حكومتهم، ويعترفون بتراجع المكانة الدولية، لكنهم في اللحظة نفسها ما زالوا متمسكين بمنطق القوة ذاته، وينظرون إلى الفلسطينيين عبر بوابة الأمن والضبط وحدهما. إنها مفارقة إنسانية وسياسية في آن: القلق يسكن العقول ويحرك الأحاسيس، لكنه لا يترجم إلى مراجعة سياسية عميقة، وكأنهم يرون الجدار ينهار أمام أعينهم لكنهم يصرون على البقاء في مكانهم، متمسكين بالأدوات التي أوصلتهم إلى هذه العزلة.
لكن ربما يكون التحول الأعمق والأكثر هشاشة قد حدث في مكان لا ترصده الاستطلاعات ولا ترصده التقارير، في اللغة ذاتها. عبارات كانت تُكتب من ذهب وتُقال بثقة، أصبحت تُقرأ اليوم بعلامات استفهام، وكأن الكلمات فقدت بريقها القديم. "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" لم يعد مطلقاً كما كان، بل أصبح سؤالاً مفتوحاً ينتظر إجابة. "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" صارت تُستقبل بسخرية أكثر مما تُستقبل بإجلال. اللغة التي كانت سقف الشرعية، بدأت تتساقط كأوراق الخريف، وعندما تتساقط الكلمات، لا يعود للدولة أرض تقف عليها، حتى لو بقيت حدودها مرسومة على الخريطة.
طوال عقود، بنت إسرائيل جداراً حول نفسها، ظنته حصناً منيعاً يعزل الفلسطينيين عن العالم، وهم على الجانب الآخر رأوا فيه سجناً طويلاً. لكن اليوم، ونحن نتجول بعين الراصد بين القدس وواشنطن ولاهاي وتل أبيب، نرى أن هذا الجدار لم يعد كما كان. الطلاب خرجوا أولاً، ثم الفنانون، ثم الجامعات، ثم الصحف، ثم استطلاعات الرأي، ثم صناديق الاقتراع، ثم التقارير الأممية، وأخيراً بدأت الكلمات نفسها تغادر المعجم الداعم.
ونظرت إسرائيل حولها،
فلم تجد إلا الجدار الذي بنته،
لكنها ولأول مرة رأت فيه انعكاس وجهها.
الجدار الذي ظنته سجناً للفلسطينيين،
تحول إلى مرآة تحاصرها هي،
إلى قفص من زجاج،
ترى العالم من خلاله لكنها لا تصل إليه،
ويراه العالم لكنه لا يدنو منه.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5/7/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...