غانية ملحيس - أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟

ملخص تنفيذي

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن النقاش الفلسطيني الدائر حول الانتخابات وإعادة بناء المؤسسات الوطنية لم يرتقِ بعد إلى مستوى التحولات التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
فبينما يتركز الجدل على القوانين الانتخابية، والشرعيات، وآليات التمثيل، تتعرض فلسطين، بالتوازي، لعملية إعادة تشكيل شاملة بفعل حرب الإبادة، والتطهير العرقي، والاستيطان، وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، ضمن سياق أوسع يعيد تشكيل الإقليم وموازين القوة فيه.
ويجادل بأن الانتخابات، رغم ضرورتها، ليست نقطة البداية في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لأن العملية الديمقراطية تفترض وجود جماعة سياسية مستقرة ومرجعيات وطنية متوافقا عليها، بينما يواجه الفلسطينيون مشروعا استعماريااستيطانياإحلاليا يسعى إلى إعادة تعريف الشعب والأرض والتمثيل السياسي في آن واحد.
ومن ثم، فإن تجديد الشرعيات لا يكتسب معناه إلا إذا استند إلى عقد سياسي وطني سابق على الانتخابات، يحدد المرجعيات المؤسسة التي لا يجوز أن تكون محل تنافس انتخابي، وفي مقدمتها وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في الحياة، والحرية، والعودة، وتقرير المصير.
وانطلاقا من هذا العقد، يقترح المقال تصورا لمعمار سياسي فلسطيني يتجاوز النموذج المركزي التقليدي، ويستوعب واقع الشعب الفلسطيني الموزع داخل الوطن المحتل والشتات، من خلال بنية لا مركزية في تنظيمها، موحدة في مرجعياتها، وقادرة على تحويل التعدد الجغرافي والمؤسسي إلى مصدر قوة وطنية.
وفي هذا الإطار، تُفهم الانتخابات بوصفها إحدى أدوات هذا المعمار، لا مصدرا لشرعيته، ولا بديلا عن العقدالذي يؤسسه.
ويخلص المقال إلى أن القيمة السياسية للانتخابات لا تُقاس بإجرائها في حد ذاته، ولا في نزاهتها، بل بالسياق الذي تُمارس فيه.
فهي تصبح فعلا من أفعال التحرر عندما تُجسّد عقدا سياسيا جامعا، وتحمي وحدة الجماعة الوطنية، وتخدم المشروع التحرري الفلسطيني، أما إذا جرت بمعزل عن هذه الشروط، فقد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى جزء من عملية إعادة تشكيل فلسطين التي تُفرض بالقوة، بدل أن تكون أداة لمقاومتها.

المقال الكامل:أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟

مقدمة

ليست المفارقة أن يناقش الفلسطينيون الانتخابات بينما تستمر حرب الإبادة؛فالشعوب لا تستطيع تعليق السياسة حتى تتوقف الحروب، كما لا تستطيع أن تؤجل التفكير في مستقبلها إلى حين انتهاء الكوارث.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن النقاش الدائر حول الانتخابات يجري في لحظة تاريخية لا يُعاد فيها تشكيل النظام السياسي الفلسطيني فحسب، بل يُعاد فيها تشكيل فلسطين والإقليمبأسره.
فمنذ أكثر من ألف يوم، يتعرضقطاع غزة لحرب إبادة غير مسبوقة، تتجاوز القتل والتدمير إلى استهداف مقومات الوجود الجماعي للشعب الفلسطيني. وبالتوازي، تتعرض مخيمات وقرى الضفة الغربية لعمليات اقتحام وتدمير وتهجير وتطهير عرقي، بينما يتسارع الاستيطان والضم وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، في محاولة لإعادة تعريف الأرض والسكان والحدود، وصولا إلى إعادة إنتاج السؤال الفلسطيني نفسه وفق الشروط التي يفرضها المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي.
وفي الوقت ذاته، يتصاعد النقاش الفلسطيني حول الانتخابات، وتجديد الشرعيات، وإعادة بناء مؤسسات التمثيل الوطني، من المجلس التشريعي إلى المجلس الوطني، ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وعلاقتها بالسلطة الفلسطينية. ويبدو هذا النقاش، في ظاهرهنقاشا حول آليات ديمقراطية وإجراءات مؤسسية، غير أن النظر إليه بمعزل عن السياق التاريخي الذي يجري فيه، يحجب سؤالا أكثر تأسيسا:
ماذا يعني إعادة بناء النظام السياسي في اللحظة نفسها التي يُعاد فيها، بالقوة، تشكيل الشعب الذي يُفترض أن يمثله هذا النظام؟
من هنا، لا تبدو الإبادة والانتخابات مسارين منفصلين، بل يلتقيان في عملية إعادة تشكيل فلسطين.إذ يسعى المشروع الاستعماري إلى فرض هذا التشكيل بالقوة عبر الإبادة والاقتلاع وإعادة هندسة المكان والإنسان،
فيما يسعى الفلسطينيون إلى إعادة بناء مؤسساتهم السياسية من الداخل.غير أن هذا التزامن يفرض سؤالالا يجوز القفز فوقه:
هل يمكن أن تتحول الانتخابات، إذا جرت في غياب رؤية وطنية جامعة، إلى جزء من هذه العملية المفروضة بالقوة، بدل أن تكون أداة لمقاومتها؟
المشكلة ليست في الانتخابات في زمن الإبادة، بل في افتراض أن هناك شعباسياسياثابتا يمكن إجراء انتخابات له دون أن يُعاد تعريفه بالقوة في اللحظة نفسها.
لا ينبع هذا السؤال من رفض الانتخابات، ولا من التقليل من أهمية تجديد الشرعيات، بل من الإدراك بأن الانتخابات ليست الأساس الذي يُبنى عليه النظام السياسي الفلسطيني، وإنما إحدى الأدوات التي تُجسِّد ما يُتفق عليه سلفا.
فالبداية تسبق الانتخابات نفسها، وتكمن في الاتفاق على عقد سياسي يحدد طبيعة الجماعة السياسية الفلسطينية ومرجعياتها المؤسسة، ويرسم الحدود بين ما يجوز أن يكون محلَّ اختلاف سياسي، وما يجب أن يبقى فوق كل تفاوض، وفي مقدمة ذلك وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في الحياة، والحرية، والعودة، وتقرير المصير.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول القانون الانتخابي، أو عدد المقاعد، أو شكل المؤسسات، ليس: كيف سننتخب؟ ولا حتى: من سينتخب؟ وإنما: أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
وهل المطلوب إعادة إنتاج مؤسسات النظام السياسي كما هي، أم إعادة تأسيسها على عقد سياسي جديد يحمي الثوابت الوطنية من أن تتحول بدورها إلى موضوع لإعادة التشكيل، في لحظة يتعرض فيها الوجود الفلسطيني ذاته لأخطر محاولة لإعادة تعريفه منذ أكثر من قرن؟

ينطلق هذا المقال من فرضية أن النقاش الفلسطيني لم يبلغبعد مستوى المساءلة الذي تفرضه اللحظة التاريخية الراهنة.
فقد ظل، في معظمه، محصورا في التعامل مع الانتخابات بوصفها آلية إجرائية، بينما بقي السؤال الأكثر جوهرية معلقا:
ما العقد السياسي الذي ينبغي أن تُجسِّده هذه الانتخابات؟
وما المعمار السياسي القادر على تحويل هذا العقد إلى بنية فاعلة في ظل شعب موزع بين الوطن وداخله والشتات، يواجه مشروعااستعمارياستئصالياإحلالياووظيفيا لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يتجاوزها إلى إعادة تشكيل البيئة العربية والإسلامية التي تنتمي إليها؟
ولهذا، فإن القضية ليست الانتخابات بذاتها، ولا حتى شكل النظام السياسي الفلسطيني وحده، بل الشروط التاريخية والسياسية التي ستولد فيها هذه الانتخابات، والمعنى الذي ستنتجه.
فكل نقاش حول إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية يبقى ناقصا إذا لم يُدرك أنه يجري في لحظة يُعاد فيها، في آن واحد، تشكيل فلسطين والإقليم، وإعادة تعريف موقع القضية الفلسطينية داخل النظام العربي والإقليمي والدولي.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لم يعد السؤال الفلسطيني سؤالا فلسطينيا صرفا. فالمعركة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بمستقبل سلطةأو منظمةأومجلستشريعيأو وطني، بل بمكانة فلسطينوشعبها في المعمار الإقليمي الذي يتشكل تحت ضغط القوة العسكرية، وإعادة توزيع النفوذ، وتفكك النظام الدولي الذي حكم العقود الماضية.

أولًا: الانتخابات في سياق إعادة تشكيل المنطقة لا فلسطين وحدها
قد يبدو الحديث عن انتخابات المجلسين التشريعي والوطني، للوهلة الأولى، شأنافلسطينيا داخليا يتعلق بتجديد الشرعياتوإعادة بناء المؤسساتوإنهاء حالة الانقسام.
غير أن هذا التصور يفترض ضمنا أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين ثابتة، وأن ما يجري يقتصر على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل.
والحال أن ما تشهده المنطقةخصوصا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023،وما أعقبه من حرب إبادة مستمرة على قطاع غزة، وما يترافق معه من اقتحامات وتدمير فيمخيمات وقرى الضفة الغربية، واتساع رقعة المواجهات إلى لبنان وإيران والإقليم، وتحولات في موازين القوة، يشير إلى أننا لسنا أمام أزمة فلسطينية معزولة، بل أمام لحظة تاريخية يُعاد فيها تشكيل المشرق العربي، وربما النظام الإقليمي بأسره.
فالاستعمار الغربي الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لم ينظر إلى فلسطين، في أي مرحلة من تاريخه، باعتبارها مجرد قطعة أرض متنازع عليها، وإنما بوصفها مركزا لإعادة هندسة المجال العربي والإسلامي المحيط بها.
ولذلك، لم تكن حرب الإبادةالمتواصلةللعام الثالث في قطاع غزةومخيماتالضفةمجرد حرب انتقامية، بل جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والديموغرافية التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية، بما يفضي إلى ترتيبات جديدةتمتد آثارها إلى الإقليم كله.
وليست سوىالمرحلةالأحدثفي المسارالإلغائي للشعب الفلسطينيالذيبدأبعد الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرينلاستبدالهبالكيانالصهيونى، وتكرس بعد الحرب العالمية الثانيةبإنشاء إسرائيل،عبر إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، وإعادة توزيع السكان، وإضعاف البنية الوطنية الفلسطينية الجامعة. بالتزامن معإعادةتعريفوظائف الدول العربية والإسلامية التي استحدثتهااتفاقيات سايكس- بيكو، وإعادة توزيع موازين القوة،وبناء التحالفات،بما يعكس مسارا تراكميانحوإنتاجإقليم شرق أوسطيجديدسياسيا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا،تحكمه قواعد مختلفة عن تلك التي سادت طوال قرون.
ثمتكثفتوتيرتهبعدانهيار الثنائية القطبية ونهاية الحرب الباردة أواخر ثمانينات ومطلع تسعينياتالقرنالعشرين،وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة العالمية؛بتدميرالعراق،وإجهاض ثورات الربيع العربي،ومحاصرة القوىالعربيةوالإقليميةالمقاومة للهيمنة،لإتمام إعادة صياغة الإقليم.
وفي خضم هذه التحولات التي تسارعتبوتائر عير مسبوقة بعدالسابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023،وبعد ألف يوم على حرب الإبادة،يبرزالسؤال الفلسطيني بصورة أكثر إلحاحا: هل يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وكأن هذه التحولات مجرد خلفية خارجية؟
أم أن أي عملية لإعادة تأسيس المؤسسات الفلسطينية يجب أن تنطلق من إدراك أن فلسطين نفسها الساحة الرئيسية لإعادة تشكيلالمشرق العربي والإقليم؟وأن النظام السياسي الذي سينشأ اليوم لن يعمل في البيئة التي عرفها الفلسطينيون خلال العقود السابقة، بل في بيئة استراتيجية جديدة ما تزال ملامحها قيد التشكل؟
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقطفي استمرارالإبادة، وإنما في تزامنها مع محاولات إعادة إنتاج المجال السياسي الفلسطيني والعربي والإقليمي.
ولذلك، لا يمكن اختزال النقاش حول الانتخابات في القوانين والإجراءات وآليات الاقتراع، لأن هذه كلها أدوات تعمل داخل سياق تاريخي أكبر منها.أما إذا انفصلت عن هذا السياق، فقد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى جزء من ترتيبات تُفرض في لحظة اختلال غير مسبوقة في موازين القوة.

ومن هنا، لا يصبح السؤال المركزي: كيف نُجري الانتخابات؟
بل: كيف نمنع أن تتحول إلى حلقة في عملية إعادة تشكيل تُفرض على فلسطين والمنطقة تحت وطأة القوة؟
وكيف نجعلها، بدلا من ذلك، مدخلا لإعادة بناء مشروع وطني قادر على التفاعل مع التحولات الكبرى دون أن يفقد ثوابته المؤسسة؟
إن الشعوب لا تخسر مستقبلها لأنها ذهبت إلى صناديق الاقتراع، لكنها قد تخسره عندما تذهب إليها من دون اتفاق على العقد الذي يمنح هذه الصناديق معناها.
فالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست سوى وسيلة ديمقراطية لإدارة الاختلاف.
أما تعريف الجماعة الوطنية، وصون وحدتها، وحماية حقوقها التاريخية، فليس شأنا انتخابيا، بل شأنٌ تأسيسي يسبق كل انتخابات، ويمنحها مشروعيتها ويحدد حدودها.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يسبق كل نقاش انتخابي ليس: أي قانون انتخابي نريد؟ بل: ما هو العقد السياسي الذي ينبغي أن يحكم هذا القانون؟
فاختلاف الفلسطينيين على البرامج حق ديمقراطي مشروع،
أما اختلافهم على وجودهم الجماعي، أو على حقوقهم المؤسسة، أو على وحدة شعبهم، فليس تعبيرا عن التعددية، بل عن غياب المرجعية التي تجعل للتعددية معنى.

ثانيًا: ليست الانتخابات بداية السياسة
تكاد معظم النقاشات الفلسطينية الراهنة تنطلق من افتراض غير معلن، لكنه يحكم طريقة التفكير في الانتخابات كلها، وهو أن الانتخابات تمثل نقطة البداية التي يمكن أن يُعاد منها بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام والتعطل. ولهذا ينصرف الجدل في جانب كبير منه، إلى القانون الانتخابي،والإجراءات،ونسبة الحسم، وعدد المقاعد، وآليات الاقتراع، والعلاقة بين المجلسين التشريعي الوطني، وبين السلطة والمنظمة، والدعوة إلى المشاركة أو المقاطعة.

غير أن هذا الافتراض، رغم وجاهته في الدول المستقرة، يصبح إشكاليا في الحالة الفلسطينية. فالانتخابات في التجارب الديمقراطية الراسخة لا تؤسس الجماعة السياسية، بل تفترض وجودها مسبقا. وهي لا تحدد من هو الشعب، ولا حدود كيانه السياسي، ولا الحقوق التي يقوم عليها وجوده، لأن هذه الأسئلة تكون قد حُسمت تاريخيا من خلال عقد سياسي سابق على العملية الديمقراطية.
أما في الحالة الفلسطينية، فنحن أمام وضع مختلف جذريا، فالشعب الفلسطيني لا يمارس حقه السياسي داخل دولة ذات سيادة مكتملة أو حتى جزئية، بل داخل واقع استعماري استيطاني إحلالي يعمل بصورة متواصلة على تفكيك الأرض، وإعادة تشكيل السكان، وتقويض المرجعيات الجامعة، وإعادة تعريف من يملك حق التمثيل ومن يملك حق التحدث باسم الفلسطينيين.
ولهذا، فإن الانتخابات لا تجري فوق أرضية سياسية مستقرة، بل فوق أرضية يجري النزاع عليها باستمرار.
وعليه فإنأسئلة الانتخابات رغم وجاهتها،تبقى أسئلة من الدرجة الثانية،ما لم تسبقها أسئلة تأسيسية أكثر عمقا:
ما المشروع الوطني الذي ستجسده هذه الانتخابات وتستمد منه شرعيتها؟
وما المرجعية التي ستحتكم إليها المؤسسات التي ستنبثق عنها؟
وما الحدود التي لا يجوز أن تتحول إلى مجال للمساومة، مهما اختلفت البرامج والائتلافات ونتائج الاقتراع؟
فالشرعية ليست نتاج صندوق الاقتراع وحده، بل نتاج الاتفاق المسبق على الجماعة السياسية التي يجسدها هذا الصندوق، وعلى المبادئ المؤسسة التي لا تخضع للمنافسة الحزبية مهما اختلفت البرامج والائتلافات والنتائج.
وهذا ما يجعل الانتخابات في الحالة الفلسطينية نتيجة لعقد سياسي سابق عليها، لا بديلا عنه.
فقبل أن يختلف الفلسطينيون حول البرامج، ينبغي أن يتفقوا على ما لا يجوز أن يكون محل اختلاف، وقبل أن يتنافسوا على إدارة السلطة، ينبغي أن يتوافقوا على الغاية التي وُجدت السياسة الفلسطينية من أجلها.
فالتحرير، وحق العودة، وتقرير المصير، ووحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ليست برامج انتخابية يمكن أن تفوز أو تخسر، ولا شعارات تنافسية بين القوائم، بل هي المرجعية المؤسسة التي تمنح أي نظام سياسي فلسطيني مشروعيته التاريخية.

وتزداد أهمية هذا التمييز في اللحظة الراهنة، لأن الانتخابات لا تُناقش في فراغ، بل في وقت تتعرض فيه فلسطين نفسها لمحاولة إعادة تعريف شاملة. فحين تكون الأرض موضوعا لإعادة الرسم، والسكان موضوعا للتهجير، والمؤسسات موضوعا لإعادة البناء، يصبح من الضروري التمييز بين ما يجوز أن يكون موضوعا للتداول الديمقراطي، وما ينبغي أن يبقى فوق كل تداول، بوصفه تعبيرا عن الحقوقالتاريخية غير القابلة للتصرف.
ولذلك، فإن القضية ليست في تقديم العقد السياسي بديلا عن الانتخابات، ولا في تأجيل الديمقراطية إلى أجل غير معلوم، وإنما في إعادة ترتيب العلاقة بينهما. فالانتخابات تكتسب معناها من العقد السياسي، ولا تستطيع أن تحل محله.
والعقد السياسي لا يلغي التعددية، بل يجعلها ممكنة، لأنه يحدد المجال الذي تتنافس داخله القوى السياسية، ويحمي في الوقت نفسه المرجعيات التي لا يجوز أن تتحول إلى موضوع للتفاوض تحت ضغط الاحتلال أو اختلال موازين القوى.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يسبق كل نقاش انتخابي ليس:
أي قانون انتخابي نريد؟
بل: ما هو العقد السياسي الذي ينبغي أن يحكم هذا القانون؟
فاختلاف الفلسطينيين على البرامج حق ديمقراطي مشروع، أما اختلافهم على وجودهم الجماعي، أو على حقوقهم المؤسسة، أو على وحدة شعبهم، فليس تعبيرًا عن التعددية، بل عن غياب المرجعية التي تجعل للتعددية معنى.

ثالثًا: العقد السياسي الفلسطينيعقد التحرر لا عقد الدولة
إذا كانت الانتخابات لا تستطيع أن تسبق العقد السياسي، فإن السؤال التالي يصبح: ما المقصود بالعقد السياسي الفلسطيني؟
قد يبدو هذا السؤال قريبا من مفهوم “العقد الاجتماعي” الذي شغل الفلسفة السياسية الحديثة منذ القرن السابع عشر، غير أن هذا التشابه شكلي أكثر منه جوهري، لأن كلًّا منهما ينطلق من سياق تاريخي مختلف، ويجيب عن سؤال مختلف.
لا ينطلق هذا التصور من إعادة إنتاج نظريات العقد الاجتماعي الكلاسيكية، ولا من الاكتفاء بالتصورات الحديثة التي ربطت الشرعية بقيام الدولة، بل من خصوصية الحالة الفلسطينية نفسها.
فبينما افترضت معظم نظريات الدولة الحديثة وجود جماعة سياسية مستقرة تُنظَّم السلطة داخلها، تفرض الحالة الفلسطينية سؤالا أكثر أولية: كيف تُصان الجماعة السياسية نفسها عندما يكون وجودها التاريخي موضوعا للاستهداف وإعادة التشكيل؟ وبهذا المعنى، فإن العقد السياسي الفلسطيني هو عقد للتحرر وحماية الوجود الوطني، قبل أن يكون عقدًا لتنظيم السلطة.
إنه الاتفاق الذي يسبق الدولة، ويسبق المؤسسات، ويسبق الانتخابات ذاتها، لأنه يحدد من هو الشعب الفلسطيني، وما هي الحقوق التي لا تستمد مشروعيتها من موازين القوى أو نتائج الاقتراع أو الاعتراف الخارجي، بل من وجود الشعب نفسه بوصفه حامل هذه الحقوق.
ومن هذا المنظور، فإن مفاهيم مثل التحرير، وحق العودة، وتقرير المصير، لا تُعامل بوصفها أهدافا سياسية قابلة للمراجعة تبعا لتغير موازين القوة أو تبدل الحكومات، بل بوصفها عناصر مؤسسة للعقد ذاته، أي الإطار الذي يحدد معنى السياسة الفلسطينية وحدودها.
وهنا تظهر خصوصية الحالة الفلسطينية بوضوح: ففي الدول الحديثة، يحدد الدستور كيفية إدارة الدولة بعد أن يكون وجودها قد استقر.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن أصل السؤال لا يزال مفتوحا: الأرض، والشعب، والتمثيل، والحدود، كلها موضع نزاع في آن واحد.
لذلك لا يمكن البدء من “هندسة السلطة” قبل تثبيت “هندسة الجماعة السياسية”.
فالدستور ينظم السلطة، أما العقد السياسي فيحمي وجود القضية التي تنشأ السلطة من أجلها.
ومن هنا، فإن الخلطبين العقد السياسي والترتيبات المؤسسية يؤدي إلى قلب الأولويات: تصبح المؤسسات غاية بدل أن تكون وسيلة، وتتحول الانتخابات من أداة لتنظيم التعدد إلى أداة لتعريف الجماعة نفسها.
وفي لحظة تتعرض فيها فلسطين لمحاولة إعادة تشكيل الأرض والإنسان والمؤسسات معا، يصبح تثبيت هذا الفرق شرطا أساسيا لأي فعل سياسي جاد، لأن أي عقد لا يحمي المرجعيات المؤسسة يتحول، تحت ضغط الواقع، إلى جزء من إعادة إنتاجه لا إلى أداة لتغييره.
وبهذا المعنى، فإن العقد السياسي الفلسطيني ليس وثيقة قانونية،ولا إعلانًا دستوريا،ولا اتفاقا بين قوى سياسية، بل هو التعبير التاريخي عن إرادة جماعية لشعب يصر على الاستمرار بوصفه شعبا واحدًا،وعلى أن تبقى حقوقه غير قابلة للتجزئة أو المقايضة أو الإلغاء. وأن تبقى مؤسساته، أيا كان شكلها، خادمة لهذا العقد لا بديلا عنه.

رابعًا: من العقد السياسي إلى المعمار السياسي
إذا كان العقد السياسي هو الذي يحدد المرجعيات المؤسسة للجماعة الوطنية، فإن السؤال التالي يصبح: كيف تُترجم هذه المرجعيات إلى بنية سياسية قادرة على العمل في واقع فلسطيني يتسم بالتشظي الجغرافي والديموغرافي، والشتات، والاستعمار، وتعدد الفاعلين، وتعذر العودة إلى نموذج المركز السياسي الواحد؟
هنا يبرز مفهوم المعمار السياسي، لا بوصفه بديلا عن العقد السياسي، بل بوصفه صورته المؤسسية.
فالعقد يجيب عن سؤال: ما الذي يوحّد الفلسطينيين؟
أما المعمار السياسي فيجيب عن سؤال لا يقل أهمية: كيف يُدار هذا التعدد دون أن يفقد وحدته؟
لقد قامت معظم النماذج السياسية الحديثة على افتراض أن وحدة الجماعة السياسية لا تتحقق إلا عبر مركز يحتكر القرار والتمثيل وإنتاج المعنى السياسي. وقد ارتبط هذا الافتراض بنشوء الدولة القومية الحديثة، حيث تتركز السلطة داخل مؤسسات هرمية، ويجري تنظيم المجال السياسي من أعلى إلى أسفل.
أما الحالة الفلسطينية، فقد تجاوزها هذا النموذج منذ زمن بعيد. فالشعب الفلسطيني لا يعيش داخل مجال سياسي واحد، ولا يخضع لسلطة واحدة، ولا يتحرك ضمن فضاء قانوني أو جغرافي موحد.
إنه شعب موزع داخل الوطن المحتل، وبينهوالشتات،ويتفاعل عبر حوامل متعددة للفعل السياسي: المقاومة، والمؤسسات الوطنية، والمجتمع المدني، والنقابات، والمبادرات الشعبية، والفضاء الرقمي، والجامعات، والتجمعات الفلسطينية في مواطن اللجوء والجاليات في الشتات،وسائر أشكال الفعل التي لا يمكن اختزالها في مركز واحد أو قيادة هرمية واحدة.
غير أن غياب المركز الهرمي لا يعني غياب الوحدة، كما أن اللامركزية لا تعني التفكك. فالخلط بينهما أحد أخطاء التفكير السياسي التقليدي.فالتماسك لا ينتج بالضرورة عن احتكار القرار، وإنما قد ينتج عن اشتراك الفاعلين في عقد سياسي جامع، حتى عندما تتوزع مواقع الفعل السياسي جغرافياومؤسساتيا. إذ يمكن لبنية سياسية أن تكون لا مركزية في تنظيمها، لكنها شديدة التماسك في مرجعياتها، كما يمكن لبنية شديدة المركزية أن تكون مفككة في مشروعها الوطني.
ومن هنا، فإن المعمار السياسي الذي تحتاجه فلسطين، وقد سبق تناول ملامحه في مقال سابق: من المسار إلى المعمار: نحو إعادة تعريف السياسة، هو معمار لا يقوم على مركز يحتكر القرار، بل على تعددية في الحوامل، وأفقيةفي العلاقات، وتوزيع في مواقع إنتاج الفعل السياسي، مع بقاء المرجعية الوطنية واحدة.
فالوحدة لا تُبنى على احتكار التنظيم، وإنما على الاشتراك في العقد السياسي الذي يحدد الغايات الكبرى للنضال الوطني.
وبهذا المعنى، لا تصبح اللامركزية نقيضا للوحدة، بل أحد شروطها في الحالة الفلسطينية. فهي ليست توزيعاإداريا للصلاحيات، وإنما اعتراف بأن الشعب الفلسطيني، بحكم الاستعمار والشتات، ينتج فعله السياسي من مواقع متعددة، وأن اختزال هذا التعدد في مركز واحد لم يعد ممكنا، ولا يبدو مرغوبا،إذا كان ثمنه إقصاء أجزاء واسعة من الشعب أو تهميشها.
غير أن هذه اللامركزية لا يمكن أن تتحول إلى تشظٍّ مفتوح، لأنها تستند إلى عقد سياسي يحدد المرجعيات التي تمنح هذا التعدد وحدته. فالتحرير، وحق العودة، وتقرير المصير، ووحدة الشعب الفلسطيني، ليست مجرد أهداف عامة، بل هي عقدٌ مرجعيةتنتظم حولها مختلف الحوامل السياسية، مهما تنوعت أدواتها، أو اختلفت أولوياتها، أو تباينت مواقعها الجغرافية.
ومن هنا، فإن العلاقة بين العقد السياسي والمعمار السياسي ليست علاقة تنافس، بل علاقة تأسيس.العقد السياسي وحده لا يكفي، بل قد يتحول إلى نص جميل في فراغ سياسي قاسٍ.
فالعقد يمنح المعمار معناه، والمعمار يمنح العقد قدرته على التجسد التاريخي. الأول يحدد ما ينبغي الحفاظ عليه، والثاني يحدد الكيفية التي يُدار بها هذا التعدد دون أن يتحول إلى انقسام، ودون أن تعود المركزية الهرمية شرطاوحيداللتماسك الوطني.

وفي ضوء ذلك، لا تعود الانتخابات نقطة الانطلاق في بناء النظام السياسي، بل تصبح إحدى أدوات المعمار السياسي، تعمل ضمن حدود العقد الذي يمنحها شرعيتها. فهي تنظم التنافس داخل المرجعية الوطنية، لكنها لا تملك أن تعيد تعريف هذه المرجعية أو تستبدل بها مرجعية أخرى. وهنا يستعيد الترتيب المنطقي توازنه:
فالعقد السياسي يؤسس، والمعمار السياسي ينظم، والانتخابات تُفعّل هذا التنظيم بصورة ديمقراطية.

خامسًا: أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
بعد هذا كله، لا يعود السؤال: هل الانتخابات ضرورة؟ فالإجابة، من حيث المبدأ، نعم.
ولا يعود السؤال: هل يحتاج الفلسطينيون إلى تجديد شرعياتهم ومؤسساتهم؟ فذلك أيضا ضرورة لا يمكن إنكارها.
لكن هذين السؤالين، على أهميتهما، ليسا المدخل الأول لفهم هذه اللحظة التاريخية.فما يجعل اللحظة الفلسطينية استثنائية ليس مجرد تعطّل الحياة الديمقراطية،أو استمرار الانقسام، بل وقوع ذلك كله في سياق يتعرض فيه الوجود الفلسطيني نفسه لمحاولة إعادة تشكيل شاملة.
فالإبادةالمتواصلة في قطاع غزة، والتطهير العرقيالمتنامي في أجزاء واسعة من فلسطين، والتوسع الاستيطاني المتسارع، وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، ليست أحداثا منفصلة عن النقاش السياسي الداخلي، بل هي البيئة التاريخية التي سيولد فيها أي نظام سياسي جديد.
فيماالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست سوى وسيلة ديمقراطية لإدارة الاختلاف، أما تعريف الجماعة الوطنية وصون وحدتها وحماية حقوقها التاريخية، فليست شأناانتخابيا، بل شأنٌ تأسيسي يسبق كل انتخابات ويمنحها مشروعيتها ويحدد حدودها.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ ولا: من سيحصل على الأغلبية؟
بل سؤال أكثر عمقا: أي فلسطين ستخرج من هذه العملية السياسية؟
هل ستكون فلسطين التي تتجدد فيها الشرعيات على أساس عقد سياسي يحفظ وحدة الشعب وحقوقه التاريخية، ويترجمها في معمار سياسي لا مركزي يستوعب تعدد الحوامل ووحدة المرجعيات؟
أم ستكون فلسطين التي تُعاد فيها صياغة مؤسساتها تحت ضغط لحظة تاريخية يفرضها الاحتلال، ويختل فيها ميزان القوة، وتُترك فيها المرجعيات المؤسسة عرضة لإعادة التعريف؟
من هنا، لا يدعو هذا المقال إلى تأجيل الانتخابات ولا إلى التعجيل بها، ولا إلى المشاركة أو المقاطعة.
إنه يدعو إلى ما يسبق ذلك كله: إلى إعادة تأسيس المرجعية الوطنية التي تمنح الانتخابات معناها، وإلى بناء معمار سياسي قادر على تجسيدها في واقع فلسطيني متعدد المراكز، موحد المقاصد، وممتد بين الوطن والشتات.
وعندئذ فقطيمكن أن تصبح الانتخابات فعلا من أفعال المقاومة السياسية، لا مجرد استحقاق إجرائي، وأن تتحول من وسيلة لإدارة واقع مفروض إلى أداة للمشاركة الواعية في صناعة المستقبل.
وعندها فقط يصبح السؤال الذي بدأنا به هذا المقال سؤالًا له جواب:أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
إنها الانتخابات التي تأتي تتويجا لعقد سياسي جامع لا بديل عنه، وتبنى على وحدة الشعب الفلسطيني لا على تجزئته، وتجعل المؤسسات خادمة للمشروع الوطني لا بديلا عنه، وتُقرأ بوصفها خطوة في مسار التحرر لا مجرد محطة في إدارة الأزمة.

سادسًا: متى تتحول السياسة إلى أداة للتحرر؟
بعد هذا كله، لا يعود الاختبار الحقيقي متعلقا بالانتخابات وحدها، بل بطبيعة السياسة الفلسطينية نفسها. فالانتخابات ليست سوى إحدى أدواتها. أما السؤال الأعمق فهو: متى تصبح الممارسة السياسية فعلا من أفعال التحرر، ومتى تتحول إلى مجرد إدارة لواقع يُعاد تشكيله بالقوة؟
وكيف نميز، في ضوء ذلك، بين انتخابات تُسهم في مشروع التحرر وأخرى تتحول، من حيث لا تقصد، إلى جزء من إعادة إنتاج الواقع الذي يفرضه الاحتلال؟
إن معيار الحكم هنا لا يتعلق بمجرد نزاهة الانتخابات أو نسبة المشاركة فيها، وإنما بالموقع الذي تشغله داخل المشروع الوطني نفسه.
فهي تصبح فعلا من أفعال التحرر:
حين تُمارس داخل معمار سياسي لا مركزي يحمي وحدة المرجعيات رغم تعدد الحوامل، ويمنع اختزال الشعب في جغرافيا جزئية أو تمثيل ناقص،
وحين تُستخدم لتعزيز القدرة الجمعية على الصمود وإعادة التأسيس، لا لتكييف البنية السياسية مع شروط التفكيك المفروضة بالقوة.
أما خارج ذلك، فإنها تبقى عرضة للتحول إلى لحظة من لحظات إعادة إنتاج الواقع القائم، ولكن بلغة ديمقراطية شكلية، تُخفي خلفها اختلالات أعمق تتعلق بالسيادة، والحرية، ووحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني.
ولهذا لا يعود السؤال الحقيقي: هل نريد الانتخابات أم لا؟ بل: في أي سياق تصبح الانتخابات جزءا من مشروع التحرر؟ وفي أي سياق تتحول إلى أداة لإدارة واقع لم نعد نملك شروط تغييره؟
وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن فهم هذا السؤال بمعزل عن الأصل المؤسس: العقد السياسي. فهو الذي يحدد معنى الجماعة السياسية، ويصون مرجعياتها، ويمنع تحويل الوسائل إلى بدائل عن الغايات. ومن خلاله فقط يمكن للمعمار السياسي أن يحوّل التعدد الفلسطيني إلى قوة تنظيمية، لا إلى مصدر تفكك، وأن يمنح الانتخابات موقعها الطبيعي كأداة داخل مشروع تحرري، لا كبديل عنه.
وعند هذه النقطة يتضح أن الانتخابات لا تُقاس بذاتها، بل بالسياق الذي تعمل داخله: فهي ليست مجرد آلية لإدارة التمثيل، بل اختبار لطبيعة السياسة نفسها: هل تكون أداةً للتحرر، أم تتحول إلى تقنية لإدارة واقع يُعاد تشكيله بالقوة؟

سابعا: من الانتخابات إلى سؤال الوجود السياسي
ليست الانتخابات لحظة تقنية في حياة الشعوب، بل مرآةٌ تكشف طبيعة العقد الذي يحكم وجودها السياسي. وفي الحالة الفلسطينية، لا يُقاس معنى الانتخابات بقدرتها على إدارة التمثيل، بل بقدرتها على أن تكون اختبارًا لفكرة الوجود السياسي نفسها:
هل ما يزال هناك “نحن” يمكن أن يُمثَّل، أم أن التمثيل يجري فوق بقايا جماعة تُعاد صياغتها بالقوة؟
وحين يُفصل الفعل السياسي عن عقده المؤسس، لا يتحول فقط إلى أداة إدار،بل إلى دليل على أن الجماعة السياسية لم تعد تملك تعريفها لنفسها.
لكن السؤال لم يكن يوما عن الانتخابات وحدها.السؤال كان دائما أسبق من السياسة نفسها: من هو هذا الذي ينتخب؟ ومن الذي يُنتخب باسمه؟
فالسؤال لا يتعلق فقط بآليات التمثيل، بل يسبقها إلى سؤال تكوّن الجماعة السياسية ذاتها. فالانتخابات تفترض وجود “شعب سياسي” قادر على تمثيل نفسه، لكنها لا تستطيع أن تنشئ هذا الشعب إذا كان موضوعا لإعادة التعريف بالقوة. ومن هنا يصبح الدفاع عن الوجود السياسي شرطا سابقا على ممارسة السياسة الديمقراطية نفسها.يلتقي هذا التصور مع بعض الأسئلة التي أثارتها الفلسفة السياسية الحديثة حول الجماعة السياسية والشرعية والسلطة، لكنه يفارقها في نقطة جوهرية؛ فمعظم تلك الأدبيات افترضت وجود الدولة أو الجماعة السياسية سلفا، بينما تنطلق الحالة الفلسطينية من واقع تُستهدف فيه الجماعة نفسها بوصفها موضوعا لإعادة التعريف والإلغاء، الأمر الذي يجعل سؤال الحفاظ على الوجود السياسي سابقا على سؤال تنظيم السلطة.
نحن لا نختلف على الانتخابات،نحن نختلف على ما إذا كان هناك “نحن” أصلًا قبل الانتخابات.
وفي هذه اللحظة تحديدا، يتوقف السؤال عن كونه سؤالاديمقراطيا، ليصبح سؤالا وجوديا: كيف يمكن لشعب يُعاد تشكيله بالقوة أن ينتج شرعية سياسية مستقرة، بينما لا يزال تعريفه بوصفه جماعةً سياسية محلَّ صراع؟هنا تنكسر السياسة عند حدّها الأخير:
فإما أن تكون الانتخابات تتويجالعقد يحمي الجماعة من التآكل،
أو تتحول إلى تقنية تُدار بها جماعة يُعاد تعريفها خارج إرادتها.

ليست السياسة إذن ما يحدث داخل صناديق الاقتراع، بل ما يسبقها ويمنحها معناها.
وليست الانتخابات اختبارا للتمثيل فقط، بل اختبارا للوجود نفسه:
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟ بليصبح السؤال الذي يسبق السياسة كلها:هل ما يزال الفلسطينيون ينتخبون أنفسهم، أم أن ما يُعاد إنتاجه عبر الانتخابات هو فلسطين كما يريدها مشروع إعادة التشكيل؟


غانية ملحيس
5/7/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...