هذا النص لا يقدّم نفسه بوصفه قصيدة نثر بالمعنى المألوف، ولا بوصفه بيانًا شعريًا فحسب، بل يطمح إلى أن يكون مشروعًا جماليًا يختبر حدود اللغة ذاتها. إنه نص يعلن منذ عتبته الأولى العصيان على القراءة التقليدية، ويقيم علاقة جديدة بين الكاتب والنص والقارئ، حيث يصبح القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة، لا متلقيًا لها.
أبرز ما يلفت في نص مجيدة محمدي هو هذا الوعي الحاد بفلسفة الكتابة. فالكاتبة لا تكتب عن العالم بقدر ما تكتب عن فعل الكتابة نفسه، وتجعل من النص بطله الحقيقي. وهنا يتحول النص إلى كائن حي، يتنفس، ويرفض الترويض، ويتمرد على التفسير، حتى يكاد يحقق ما يسمى في النقد الحديث بـ"ميتا-النص"، أي النص الذي يجعل من نفسه موضوعًا للتأمل والتشريح.
وقد نجحت الشاعرة في بناء معجمها الخاص؛ معجم يقوم على الحفر، والزلزال، والمرآة، والهاوية، والرخام، والظل، والصمت، والفراغ. وهذه ليست مجرد صور متفرقة، بل شبكة رمزية متماسكة تتكرر بوظيفة بنائية، فتمنح النص وحدته الداخلية رغم امتداده الكبير.
كما يحسب لها قدرتها على صناعة صور ذات طاقة تخييلية عالية، مثل قولها:
"كل فاصلة سكين حادة، وكل فراغ مجرة تنفجر بغتة." فهذه الصورة تختزل فلسفة النص كله؛ إذ يتحول البياض إلى دلالة، والصمت إلى خطاب، والفراغ إلى فضاء مولّد للمعنى.
غير أن النص، في امتداده الطويل، يقع أحيانًا فيما يمكن تسميته بالتكرار الدائري؛ إذ يعيد إنتاج الفكرة نفسها بصور متعددة. فالهاوية، والزلزال، والحفر، والمرآة، والجنون، والفراغ... تعود مرات كثيرة حتى يشعر القارئ أن بعض المقاطع تؤكد ما سبق أكثر مما تضيف إليه. ولو خضع النص لقدر من التكثيف، لازدادت كثافته الشعرية وتأثيره.
ومن زاوية نقدية أخرى، فإن كثافة المجاز بلغت أحيانًا درجة تكاد تحجب العاطفة الإنسانية خلف البنية البلاغية. فالنص مدهش عقليًا أكثر مما هو مؤثر وجدانيًا، ولذلك يشعر القارئ أنه مع عمل فلسفي شعري، لا مع اعتراف شعري بالمعنى التقليدي.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة التجربة، لأن الشاعرة لا تسعى أصلًا إلى الغنائية، بل إلى زعزعة يقين القراءة، وإرباك توقعات المتلقي، وهو ما نجحت فيه بامتياز.
إن "نص خارج النص" ليس نصًا يُقرأ مرة واحدة، بل تجربة قرائية تحتاج إلى التمهل والعودة، لأنه لا يمنح معناه دفعة واحدة، وإنما يوزعه في طبقاته المتعددة، تاركًا للقارئ مهمة الحفر في طبقاته كما يحفر الأثري في مدينة مطمورة.
ختامًا، يمكن القول إن مجيدة محمدي تكتب من منطقة نادرة في قصيدة النثر العربية؛ منطقة يتجاور فيها الشعر مع الفلسفة، والتأمل مع التجريب، واللغة مع مساءلة اللغة نفسها. إنها لا تبحث عن قارئ يصفق للنص، بل عن قارئ يقبل أن يهتز معه. وهذا، في تقديري، هو الرهان الحقيقي الذي نجحت في كسبه.
ويبقى النص، رغم طوله وما يعتريه من تكرار في بعض المقاطع، تجربة شعرية طموحة، تؤكد أن صاحبتها تمتلك صوتًا خاصًا، وخيالًا خصبًا، وقدرة لافتة على تحويل اللغة من أداة للتعبير إلى موضوع للتأمل، ومن وسيلة للقول إلى فضاء لاكتشاف المجهول.
أ . د . محمد عيسى مهنى
أبرز ما يلفت في نص مجيدة محمدي هو هذا الوعي الحاد بفلسفة الكتابة. فالكاتبة لا تكتب عن العالم بقدر ما تكتب عن فعل الكتابة نفسه، وتجعل من النص بطله الحقيقي. وهنا يتحول النص إلى كائن حي، يتنفس، ويرفض الترويض، ويتمرد على التفسير، حتى يكاد يحقق ما يسمى في النقد الحديث بـ"ميتا-النص"، أي النص الذي يجعل من نفسه موضوعًا للتأمل والتشريح.
وقد نجحت الشاعرة في بناء معجمها الخاص؛ معجم يقوم على الحفر، والزلزال، والمرآة، والهاوية، والرخام، والظل، والصمت، والفراغ. وهذه ليست مجرد صور متفرقة، بل شبكة رمزية متماسكة تتكرر بوظيفة بنائية، فتمنح النص وحدته الداخلية رغم امتداده الكبير.
كما يحسب لها قدرتها على صناعة صور ذات طاقة تخييلية عالية، مثل قولها:
"كل فاصلة سكين حادة، وكل فراغ مجرة تنفجر بغتة." فهذه الصورة تختزل فلسفة النص كله؛ إذ يتحول البياض إلى دلالة، والصمت إلى خطاب، والفراغ إلى فضاء مولّد للمعنى.
غير أن النص، في امتداده الطويل، يقع أحيانًا فيما يمكن تسميته بالتكرار الدائري؛ إذ يعيد إنتاج الفكرة نفسها بصور متعددة. فالهاوية، والزلزال، والحفر، والمرآة، والجنون، والفراغ... تعود مرات كثيرة حتى يشعر القارئ أن بعض المقاطع تؤكد ما سبق أكثر مما تضيف إليه. ولو خضع النص لقدر من التكثيف، لازدادت كثافته الشعرية وتأثيره.
ومن زاوية نقدية أخرى، فإن كثافة المجاز بلغت أحيانًا درجة تكاد تحجب العاطفة الإنسانية خلف البنية البلاغية. فالنص مدهش عقليًا أكثر مما هو مؤثر وجدانيًا، ولذلك يشعر القارئ أنه مع عمل فلسفي شعري، لا مع اعتراف شعري بالمعنى التقليدي.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة التجربة، لأن الشاعرة لا تسعى أصلًا إلى الغنائية، بل إلى زعزعة يقين القراءة، وإرباك توقعات المتلقي، وهو ما نجحت فيه بامتياز.
إن "نص خارج النص" ليس نصًا يُقرأ مرة واحدة، بل تجربة قرائية تحتاج إلى التمهل والعودة، لأنه لا يمنح معناه دفعة واحدة، وإنما يوزعه في طبقاته المتعددة، تاركًا للقارئ مهمة الحفر في طبقاته كما يحفر الأثري في مدينة مطمورة.
ختامًا، يمكن القول إن مجيدة محمدي تكتب من منطقة نادرة في قصيدة النثر العربية؛ منطقة يتجاور فيها الشعر مع الفلسفة، والتأمل مع التجريب، واللغة مع مساءلة اللغة نفسها. إنها لا تبحث عن قارئ يصفق للنص، بل عن قارئ يقبل أن يهتز معه. وهذا، في تقديري، هو الرهان الحقيقي الذي نجحت في كسبه.
ويبقى النص، رغم طوله وما يعتريه من تكرار في بعض المقاطع، تجربة شعرية طموحة، تؤكد أن صاحبتها تمتلك صوتًا خاصًا، وخيالًا خصبًا، وقدرة لافتة على تحويل اللغة من أداة للتعبير إلى موضوع للتأمل، ومن وسيلة للقول إلى فضاء لاكتشاف المجهول.
أ . د . محمد عيسى مهنى