في أقصى الجهات، حيث يلتقي نهران عتيقان قبل أن يواصلا رحلتهما نحو البحر، قامت مدينةٌ يروي شيوخها أن أول حرفٍ كُتب على الطين وُلد فيها، وأن الريح ما زالت تحفظ أسماء البنّائين الأوائل الذين شيّدوا أسوارها بالحكمة قبل الحجر.
كانت مدينةً تملك تاريخًا يكفي لصناعة أمم، لكنها كانت تعجز، كل صباح، عن صناعة دولة.
وكان أهلها يتباهون بأن مدينتهم مهد الحضارات، غير أنهم، كلما اجتمعوا في المقاهي القديمة أو تحت ظلال الأشجار العتيقة، تهامسوا بمرارة: لقد ورثنا التاريخ... وتركنا المستقبل للصدفة.
لم تكن المدينة فقيرةً في شيء. خزائنها عامرة، وأسواقها مزدحمة، ومكتباتها مليئة بالحكم التي تتحدث عن العدل والحرية، لكن القانون فيها كان يشبه مسافرًا ضلّ الطريق إلى بيته.
كلُّ جماعةٍ تزعم أنها تحرس المدينة، وكلُّ بوابةٍ لها حارسها، وكلُّ حارسٍ يملك قانونًا يختلف عن قانون الحارس الآخر، حتى بدا أن المدينة لا يحكمها نظامٌ واحد، بل تفاهمٌ هش بين قوى تتقاسم الخوف أكثر مما تتقاسم المسؤولية.
وكان في قلبها قصرٌ عظيم يُعرف باسم دار الخضراء. قيل إن كل حاكمٍ يدخله يقسم أمام مرآةٍ قديمة أن يجعل المدينة أجمل مما ورثها، لكن تلك المرآة كانت غريبة؛ لا تعكس وجوه الداخلين، بل تعكس ما يريدون أن يراه الناس فيهم.
وذات فجر، وصلت إلى بوابات المدينة رسالةٌ مختومة بشمعٍ أسود. لم يعرف أحدٌ من أرسلها، لكن الجميع عرف أن تجاهلها ليس ممكنًا. جاء فيها:
"إن المدن لا تقاس بعظمة أسوارها، بل بقوة قانونها. فإذا تعددت الموازين ضاع العدل، وإذا تعددت الأيدي التي تحمل السيف، ضاعت المدينة."
ساد الصمت. كان صمتًا يعرفه التاريخ جيدًا؛ صمت المدن التي تؤجل الاعتراف بالحقيقة، لأنها تخشى ثمنها.
اجتمع مجلس الحكم في قاعةٍ دائرية، تتوسطها ساعةٌ ضخمة متوقفة منذ سنوات، لكنها بقيت معلقةً في مكانها لأن أحدًا لم يجرؤ على إنزالها.
قال أحد الشيوخ: "علينا أن نغيّر." وقال آخر: "التغيير يهدم التوازن." أما ثالثهم، وكان أكثرهم ابتسامًا، فقال: "لا حاجة إلى هدم شيء... يكفي أن نُبدّل المشهد."أُعجب الجميع بالفكرة. فالناس، كما قال، لا يرون الجذور، بل الأوراق.
وفي الصباح التالي، أعلنت المدينة بداية العصر الجديد. امتلأت الساحات بالخطب، وازدانت الجدران بالشعارات، وامتلأت الصحف بكلماتٍ مثل: التجديد، النهضة، المستقبل، والإنقاذ. حتى خُيّل للعابرين أن المدينة ستولد من جديد قبل أن تغيب الشمس.
لكن البنّائين لم يقتربوا من الأساسات. اكتفوا بطلاء الجدران. ولم يرمموا الجسور القديمة، بل علّقوا عليها مصابيح أكثر لمعانًا.
ولم يزيلوا الأبواب السرية، بل بدّلوا أسماءها. ولم تُطفأ المواقد التي كانت تصنع الخوف، بل نُقلت إلى مبانٍ أكثر فخامة، وأصبحت تعمل تحت لافتاتٍ رسمية.
ومن بعيد، بدا كل شيءٍ رائعًا. كانت الوفود تزور المدينة، فتُقاد إلى الشوارع الواسعة، وتُقدَّم لها خرائط ملونة تُظهر مدينةً لا وجود لها إلا على الورق.
أما الأزقة الضيقة، فقد بقيت تعرف الحقيقة، لأن الجدران القديمة لا تُخدع بالألوان الجديدة.
ومضت الأعوام، وتبدلت أسماء الحكام، وتغيرت الرايات فوق الأبراج، وتعاقبت خطط الإصلاح كما تتعاقب الفصول، لكن المدينة اكتسبت موهبةً لم تكن تعرفها من قبل؛ لم تعد تبحث عن علاج عللها، بل عن اللغة الأجمل لوصفها، حتى أصبح البيان أهم من الفعل، والصورة أصدق من الواقع، والواجهة أكثر عنايةً من الأساس.
وحين أرخى الليل سدوله، وقف شيخٌ على ضفة النهرين، يتأمل الماء الذي ظل يجري كما كان منذ آلاف السنين، لا تغويه الرايات، ولا تخدعه الخطب، ولا تغيّر مجراه وجوه الحكّام.
تنهّد الشيخ طويلًا، ثم أدار ظهره للنهرين، ومضى ببطء حتى غاب في عتمة المساء، كأن التاريخ نفسه أسدل ستاره على جيلٍ حمل الحكمة، لكنه لم يرَ اكتمال الحلم. وما إن اختفى صوته، حتى أخذت تتردد من بعيد أصوات شباب المدينة، صافيةً وواثقة، تهتف:(نريد وطن)
ابتسم النهران في صمتهما، كأنهما أدركا أن الحلم لم يمت، بل انتقل إلى جيلٍ جديد يؤمن بأن الإصلاح لا يبدأ بتبديل الوجوه أو تغيير الشعارات، وإنما ببناء دولةٍ يسودها القانون، وتعلو فيها قيمة المواطنة والعدالة.
وهكذا أُسدل الستار على الحكاية... لكن الحلم لم يُسدل عليه الستار. فالأوطان التي أنجبت الحضارات لا تموت، وإن طال تعبها، والأنهار التي علّمت الإنسان الكتابة لا تنسى كيف تكتب مستقبلها.
وما دام هناك من يرفع صوته مطالبًا بوطنٍ عادل، فإن الحكاية لا تنتهي، بل تبدأ من جديد.
ياس خضير البياتي
كانت مدينةً تملك تاريخًا يكفي لصناعة أمم، لكنها كانت تعجز، كل صباح، عن صناعة دولة.
وكان أهلها يتباهون بأن مدينتهم مهد الحضارات، غير أنهم، كلما اجتمعوا في المقاهي القديمة أو تحت ظلال الأشجار العتيقة، تهامسوا بمرارة: لقد ورثنا التاريخ... وتركنا المستقبل للصدفة.
لم تكن المدينة فقيرةً في شيء. خزائنها عامرة، وأسواقها مزدحمة، ومكتباتها مليئة بالحكم التي تتحدث عن العدل والحرية، لكن القانون فيها كان يشبه مسافرًا ضلّ الطريق إلى بيته.
كلُّ جماعةٍ تزعم أنها تحرس المدينة، وكلُّ بوابةٍ لها حارسها، وكلُّ حارسٍ يملك قانونًا يختلف عن قانون الحارس الآخر، حتى بدا أن المدينة لا يحكمها نظامٌ واحد، بل تفاهمٌ هش بين قوى تتقاسم الخوف أكثر مما تتقاسم المسؤولية.
وكان في قلبها قصرٌ عظيم يُعرف باسم دار الخضراء. قيل إن كل حاكمٍ يدخله يقسم أمام مرآةٍ قديمة أن يجعل المدينة أجمل مما ورثها، لكن تلك المرآة كانت غريبة؛ لا تعكس وجوه الداخلين، بل تعكس ما يريدون أن يراه الناس فيهم.
وذات فجر، وصلت إلى بوابات المدينة رسالةٌ مختومة بشمعٍ أسود. لم يعرف أحدٌ من أرسلها، لكن الجميع عرف أن تجاهلها ليس ممكنًا. جاء فيها:
"إن المدن لا تقاس بعظمة أسوارها، بل بقوة قانونها. فإذا تعددت الموازين ضاع العدل، وإذا تعددت الأيدي التي تحمل السيف، ضاعت المدينة."
ساد الصمت. كان صمتًا يعرفه التاريخ جيدًا؛ صمت المدن التي تؤجل الاعتراف بالحقيقة، لأنها تخشى ثمنها.
اجتمع مجلس الحكم في قاعةٍ دائرية، تتوسطها ساعةٌ ضخمة متوقفة منذ سنوات، لكنها بقيت معلقةً في مكانها لأن أحدًا لم يجرؤ على إنزالها.
قال أحد الشيوخ: "علينا أن نغيّر." وقال آخر: "التغيير يهدم التوازن." أما ثالثهم، وكان أكثرهم ابتسامًا، فقال: "لا حاجة إلى هدم شيء... يكفي أن نُبدّل المشهد."أُعجب الجميع بالفكرة. فالناس، كما قال، لا يرون الجذور، بل الأوراق.
وفي الصباح التالي، أعلنت المدينة بداية العصر الجديد. امتلأت الساحات بالخطب، وازدانت الجدران بالشعارات، وامتلأت الصحف بكلماتٍ مثل: التجديد، النهضة، المستقبل، والإنقاذ. حتى خُيّل للعابرين أن المدينة ستولد من جديد قبل أن تغيب الشمس.
لكن البنّائين لم يقتربوا من الأساسات. اكتفوا بطلاء الجدران. ولم يرمموا الجسور القديمة، بل علّقوا عليها مصابيح أكثر لمعانًا.
ولم يزيلوا الأبواب السرية، بل بدّلوا أسماءها. ولم تُطفأ المواقد التي كانت تصنع الخوف، بل نُقلت إلى مبانٍ أكثر فخامة، وأصبحت تعمل تحت لافتاتٍ رسمية.
ومن بعيد، بدا كل شيءٍ رائعًا. كانت الوفود تزور المدينة، فتُقاد إلى الشوارع الواسعة، وتُقدَّم لها خرائط ملونة تُظهر مدينةً لا وجود لها إلا على الورق.
أما الأزقة الضيقة، فقد بقيت تعرف الحقيقة، لأن الجدران القديمة لا تُخدع بالألوان الجديدة.
ومضت الأعوام، وتبدلت أسماء الحكام، وتغيرت الرايات فوق الأبراج، وتعاقبت خطط الإصلاح كما تتعاقب الفصول، لكن المدينة اكتسبت موهبةً لم تكن تعرفها من قبل؛ لم تعد تبحث عن علاج عللها، بل عن اللغة الأجمل لوصفها، حتى أصبح البيان أهم من الفعل، والصورة أصدق من الواقع، والواجهة أكثر عنايةً من الأساس.
وحين أرخى الليل سدوله، وقف شيخٌ على ضفة النهرين، يتأمل الماء الذي ظل يجري كما كان منذ آلاف السنين، لا تغويه الرايات، ولا تخدعه الخطب، ولا تغيّر مجراه وجوه الحكّام.
تنهّد الشيخ طويلًا، ثم أدار ظهره للنهرين، ومضى ببطء حتى غاب في عتمة المساء، كأن التاريخ نفسه أسدل ستاره على جيلٍ حمل الحكمة، لكنه لم يرَ اكتمال الحلم. وما إن اختفى صوته، حتى أخذت تتردد من بعيد أصوات شباب المدينة، صافيةً وواثقة، تهتف:(نريد وطن)
ابتسم النهران في صمتهما، كأنهما أدركا أن الحلم لم يمت، بل انتقل إلى جيلٍ جديد يؤمن بأن الإصلاح لا يبدأ بتبديل الوجوه أو تغيير الشعارات، وإنما ببناء دولةٍ يسودها القانون، وتعلو فيها قيمة المواطنة والعدالة.
وهكذا أُسدل الستار على الحكاية... لكن الحلم لم يُسدل عليه الستار. فالأوطان التي أنجبت الحضارات لا تموت، وإن طال تعبها، والأنهار التي علّمت الإنسان الكتابة لا تنسى كيف تكتب مستقبلها.
وما دام هناك من يرفع صوته مطالبًا بوطنٍ عادل، فإن الحكاية لا تنتهي، بل تبدأ من جديد.
ياس خضير البياتي