عبد علي حسن - في العنونة...

* ليس العنوان عنصراً شكلياً يعلو النص، بل هو أول فعلٍ دلالي يمارسه الكاتب، والعتبة التي يعبر منها المتلقي إلى العالم النصي ، فمن خلاله يتحدد أفق التوقع، وتتشكل الفرضية الأولى للقراءة، ويتولد السؤال الذي يدفع إلى مواصلة التلقي ، ليتجنب القارئ قطع مسافة معرفية طويلة قبل أن يدخل إلى النص نفسه ، عملاًبالقاعدة الضمنية في الكتابة النقدية ، وهي أن المصطلح الذي يتضمنه العنوان ينبغي أن يختصر الفكرة، لا أن يصبح هو الفكرة التي تحتاج إلى شرح ، فإذا استغرق شرح المصطلح جهدا يوازي شرح النظرية، فإن المصطلح لم يؤدِّ وظيفته ، ولا يعني هذا رفض استعارة المصطلحات من العلوم الأخرى، فالنقد الحديث قام على ذلك ، لكن ثمة فرق بين الاستعارة المنتجة والاستعارة المرهقة ، وكلما كان العنوان واضحاً، دقيقاً، ومعبِّراً عن جوهر النص، أسهم في تقليص المسافة بين قصد الكاتب وفهم القارئ، أما العنوان الغامض أو الملتبس أو المستعار من سياقات لا تمت بصلة إلى موضوع النص، فإنه يربك عملية التلقي، ويؤدي إلى انحراف الدلالة أو تشتيتها، مهما بلغت قيمة النص نفسه ، لذلك فإن مهمة العنوان لا تقتصر على التسمية، بل تمتد إلى التوجيه والإضاءة والاختزال، إذ يختزن الفكرة المركزية في أقل عدد من الكلمات، ويمنح النص هويته المفهومية قبل هويته اللغوية ، ومن هنا يغدو اختيار العنوان فعلاً نقدياً وإبداعياً في آن واحد، لأنه يحدد زاوية النظر إلى النص، ويؤسس للعلاقة التأويلية بينه وبين قارئه منذ اللحظة الأولى.

عبد علي حسن
6/7/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...