أ. د. ياس خضير البياتي - مبدعون في الذاكرة (74): اضاءه مهنية لا دراسة نقدية: عبدالله إبراهيم: بين السؤال والنص: سيرة. مفكر صنع من السرد علماً

في مدينة كركوك، تلك البقعة العراقية التي تتجاور فيها اللغات والثقافات والأعراق كما تتجاور الأنهار في مصبٍّ واحد، وُلد عبد الله إبراهيم عام 1957.
كانت كركوك، بما تحمله من تنوعٍ إنساني وثقافي، أول درسٍ غير معلن تلقّاه الطفل الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم نقاد السرد في العالم العربي.
ففي المدن المتعددة لا يتعلم الإنسان الإصغاء إلى الأصوات المختلفة فحسب، بل يتعلم أن الحقيقة ليست وجهًا واحدًا، وأن العالم أكبر من الرواية الواحدة. وربما لهذا السبب ظلّ طوال مسيرته الفكرية منشغلًا بالاختلاف، وبصورة الآخر، وبالسرد بوصفه فضاءً تتجاور فيه الرؤى والهويات.
لم يكن طريقه إلى الثقافة طريقًا عابرًا أو وليد مصادفة.
فمنذ سنواته الأولى انجذب إلى القراءة، ووجد في الكتب عالمًا أكثر اتساعًا من حدود المكان.
وعندما انتقل إلى بغداد للدراسة الجامعية، كانت العاصمة العراقية تعيش واحدة من أكثر مراحلها الثقافية حيوية.
هناك درس اللغة العربية في جامعة بغداد، وتخرج عام 1981، ثم واصل دراساته العليا فنال الماجستير عام 1987، قبل أن يحصل على الدكتوراه في الآداب العربية عام 1991.
غير أن ما يميزه ليس الشهادات الأكاديمية وحدها، بل قدرته المبكرة على تحويل المعرفة إلى مشروع فكري طويل النفس.
فالكثيرون يدرسون الأدب، لكن قلة منهم ينجحون في تأسيس رؤية جديدة لقراءته.




ومنذ كتبه الأولى بدا واضحًا أنه لا يريد أن يكون ناقدًا يشرح النصوص فحسب، بل باحثًا يحاول فهم الثقافة العربية نفسها من خلال نصوصها وحكاياتها وصورها عن الذات والآخر.
في تلك السنوات كانت الساحة النقدية العربية تعيش انفتاحًا واسعًا على المناهج الغربية الحديثة؛ البنيوية، والتفكيكية، والسيميائيات، والنقد الثقافي.
لكنه لم يتعامل مع هذه المناهج بوصفها وصفات جاهزة، بل بوصفها أدوات للتفكير. ولذلك جاءت كتاباته مختلفة عن كثير من الدراسات التي اكتفت بنقل المصطلحات الأجنبية. لقد كان يسأل دائمًا: كيف يمكن لهذه المناهج أن تساعدنا في فهم نصوصنا وتراثنا وتجاربنا الثقافية؟
من هنا بدأ مشروعه النقدي الكبير الذي تمحور حول السرد.
والسرد عنده ليس مجرد تقنية فنية أو طريقة للحكي، بل هو أحد أشكال الوعي الإنساني. فالأمم تحفظ ذاكرتها بالحكايات، الثقافات تعبّر عن نفسها من خلال السرد، والإنسان نفسه يفهم حياته عبر القصص التي يرويها عن ذاته وعن العالم.
لهذا السبب انشغل بإعادة قراءة التراث الحكائي العربي، من السير الشعبية إلى المقامات وألف ليلة وليلة، ومن الحكايات الشفوية إلى الرواية الحديثة.
وقد تُوّج هذا الجهد في عدد من الكتب المهمة، مثل «السردية العربية» و«السردية العربية الحديثة»، حيث سعى إلى رسم خريطة واسعة لتطور الحكاية العربية عبر القرون.
لكن الإنجاز الأبرز في مسيرته جاء مع مشروعه الضخم «موسوعة السرد العربي». لم تكن هذه الموسوعة مجرد كتاب مرجعي، بل مشروعًا فكريًا هائلًا استغرق سنوات طويلة من البحث والتقصي. ففي تسعة أجزاء وآلاف الصفحات، قدّم عبد الله واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت السرد العربي قديمه وحديثه.
لقد تعامل مع الحكاية العربية بوصفها أرشيفًا حضاريًا كاملًا، لا مجرد نصوص أدبية متفرقة.
تكمن أهمية هذه الموسوعة في أنها أعادت الاعتبار للسرد العربي بوصفه جزءًا أساسيًا من تاريخ الثقافة العربية.
فقبلها كان الاهتمام النقدي العربي منصبًا بدرجة كبيرة على الشعر، بينما بقي السرد في الظل نسبيًا.
أما هو فقد أسهم في نقل السرد إلى مركز الاهتمام النقدي، وأظهر أن الرواية والحكاية ليستا أقل شأنًا من الشعر في التعبير عن روح المجتمع وتحولاته.
ولم يتوقف مشروعه عند حدود السرد وحده. فقد انفتح على الدراسات الثقافية، واشتغل على قضايا الهوية والاستعمار وصورة الآخر والمركزية الغربية.
في كتابه «المركزية الغربية» حاول تفكيك الصورة التي صنعتها الثقافة الغربية عن الشعوب الأخرى، وفي كتاب «المركزية الإسلامية» بحث في صورة الآخر داخل المخيال الإسلامي، ليكشف أن الصور المتبادلة بين الثقافات كثيرًا ما تقوم على التخيّل أكثر مما تقوم على المعرفة.
هذا الانشغال بالآخر لم يكن موضوعًا فكريًا مجردًا، بل كان امتدادًا لرؤية أوسع ترى أن الثقافة الحية هي التي تعرف نفسها من خلال الحوار مع الآخرين، لا من خلال الانغلاق عليهم.
ولذلك جاءت أعماله النقدية أقرب إلى جسور معرفية بين الثقافات المختلفة.
وفي عام 2011 أصدر كتابه المهم «التخيّل التاريخي: السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية»، وهو الكتاب الذي يُعدّ من أبرز أعماله الفكرية.
في هذا العمل تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، ليدرس العلاقة بين الرواية والتاريخ والسلطة والاستعمار.
لم يعد النص هنا مجرد عمل فني، بل وثيقة ثقافية تكشف كيف يُعاد تشكيل التاريخ داخل السرد، وكيف يمكن للرواية أن تكون أداة مقاومة بقدر ما يمكن أن تكون أداة هيمنة.
وقد نال هذا الكتاب جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2013، وهي واحدة من أرفع الجوائز الثقافية العربية، ثم جاءت جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب عام 2014 لتكرّس مكانته بوصفه أحد أبرز النقاد العرب المعاصرين.
ولم يكن هذان التكريمان احتفاءً بكتابين أو كتاب واحد، بل اعترافًا بمشروع فكري امتد لعقود وأسهم في تجديد النقد العربي وإغنائه.
أما على المستوى الأكاديمي، فقد عمل أستاذًا للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات العراقية والليبية والقطرية، وأسهم في تكوين أجيال من الباحثين والدارسين.
كان أستاذًا لا يكتفي بتدريس المناهج، بل يحفّز طلابه على التفكير الحر، وعلى مساءلة المسلمات، وعلى النظر إلى الأدب بوصفه نافذة لفهم الإنسان والعالم.
وفي كتابه «أمواج: سيرة عراقية» ظهر وجه آخر لعبد الله إبراهيم. فبعد سنوات طويلة أمضاها في قراءة النصوص وتحليلها، عاد إلى ذاكرته الشخصية.
هناك استعاد العراق بوصفه تجربة معيشة، لا موضوعًا للدراسة. واستعاد المدن والوجوه والأحداث التي شكّلت وعي جيله.
بدا الكتاب وكأنه اعتراف هادئ لرجل قضى عمره يفسر حكايات الآخرين، ثم قرر أن يروي حكايته الخاصة.
تميز أسلوبه النقدي بخصيصة نادرة: الجمع بين العمق والوضوح. فهو لا يكتب بلغة متعالية على القارئ، ولا يختزل الأفكار المعقدة في تبسيط مخل. بل ينجح في تقديم المفاهيم الفكرية الكبرى بلغة دقيقة وأنيقة في الوقت نفسه. ولذلك استطاعت كتبه أن تجد مكانها بين الأكاديميين والقراء العاديين معًا.
واليوم يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز من أسهموا في تأسيس الدراسات السردية العربية الحديثة. فقد نقل النقد من حدود النص الضيقة إلى فضاء الثقافة الرحب، وربط الرواية بالتاريخ، والهوية بالخيال، والسرد بتحولات المجتمع.
ولم يكن مجرد ناقد يشرح الأعمال الأدبية، بل مفكرًا جعل من الحكاية مدخلًا لفهم الإنسان والثقافة والتاريخ.
تعرّفتُ إلى عبد الله عن قرب في أروقة كلية الآداب بجامعة بغداد أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1987، حين جمعتنا تلك البيئة الجامعية الغنية بالحوار والمعرفة مع نخبة من الأساتذة والمثقفين البارزين، كان من بينهم الدكتور ضياء خضير والدكتور نجم عبد الله وآخرون من الأسماء اللامعة في المشهد الثقافي العراقي. يومذاك كان عبد الله وزملاؤه يدرّسون في قسم اللغة العربية، بينما كنتُ في قسم الإعلام، غير أن الفواصل الأكاديمية لم تكن يومًا حاجزًا بيننا؛ فقد كانت السياسة والثقافة والأسئلة الفكرية الكبرى فضاءً مشتركًا يجمعنا ويقرّبنا من بعضنا البعض.
منذ اللقاءات الأولى لفت انتباهي ذلك المثقف المشاكس بمعناه النبيل؛ المشاكس الذي لا يقبل الأفكار الجاهزة، ولا يسلّم باليقين السائد دون مساءلة وتمحيص.
كان يحمل عقلًا نقديًا متوثبًا، ويطرح أسئلة غالبًا ما تضع محاوريه في موقف حرج، لا رغبةً في الجدل العقيم، بل بحثًا عن المعنى الأعمق والحقيقة الأكثر رسوخًا.
وكان يفعل ذلك كله بهدوءٍ لافت، وبروحٍ متسامحة، وبشخصية تنطوي على نبلٍ إنساني ورجاحة عقل وذكاء متقد.
لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم لإثبات حضورهم، بل كان حضوره يتجلى في قوة الفكرة ودقة الملاحظة وعمق السؤال. ولذلك كنت أشعر دائمًا أن وراء ذلك الهدوء الظاهر عقلًا لا يتوقف عن التفكير، ووعيًا نقديًا يراقب الأشياء من زوايا مختلفة، وهو ما سيتجلى لاحقًا في مشروعه الفكري والنقدي الكبير الذي جعله واحدًا من أبرز دارسي السرد والثقافة في العالم العربي
هكذا تمتد رحلة عبد الله إبراهيم من أزقة كركوك إلى فضاءات الفكر العربي الواسعة. رحلة باحثٍ آمن بأن الحكايات ليست للتسلية وحدها، بل لفهم العالم. وأن السرد ليس مجرد فن أدبي، بل شكل من أشكال المعرفة. لذلك بقي اسمه واحدًا من العلامات البارزة في النقد العربي الحديث، ومرجعًا لكل من يريد أن يفهم كيف تصنع الأمم ذاكرتها عبر الحكاية، وكيف يتحول السرد إلى مرآة كبرى للثقافة والإنسان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...