عندما شرعت في قراءة تلك المادة التاريخية والميثولوجية المتعلقة بزمن تأليف هذه الأسطورة، أيقنت إلى أيّ حد المنهج الأسطوري مهم في فهم هذه الملحمة، ولا أخال أنّي كنتُ سأفلح في فهم هذا النص بعيداً عن توظيفه، وبعيداً عن استخدام أدواته.
وبسبب ضيق المقام وطول الملحمة سأكتفي بدراسة بعض فقرات هذه الملحمة. ومحاولة تفسيرها في ظلال المّنهج الأسطوري، وسأسمح لهذا النّص بأن يفصح عن نفسه، وعن جدارته بالتّوظيف في مثل هذا النوع من النصوص.
النص الأول:
" هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا
هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء
رأى أسرار خافية، وكشف أمورا خبيئة،
مضى في سفر طويل، وحلّ به الضنى والعياء
وتفشى في لوح من الجر كل أسفاره
رفع الأسوار لأورك المنيعة
ومعبد إيانا المقدس، العنبر المبارك "
هذا النّص هو مطلع الملحمة، هو يتكلم عن جلجامش الذي يصفه النّص بصاحب( ) الرّؤية الكاملة والمعرفة التامة. ويذكر النّص أن هذه هي مدينة (إيانا) فمن هي إيانا؟ وهل يمكن أن نفهم النّص دون أن نعرف من هي إيانا؟
بالتأكيد لا نستطيع أن ندرك المعنى العميق للعلاقات والأحداث دون أن نعرف من هي إيانا، وما هي علاقاتها الأسطورية بهذه المدينة، فنحن بحاجة إلى تطبيق المّنهج الأسطوري في تحديد أبعاد هذه الشخصية.
إيانا هي ذاتها (أنانا) وهي عشتار وهي بالسومرية إنين، إنينا، إنانا - إلهة الحب والحرب، سيدة أوروك وآربيل، والدها هو الإلة آنو في تقاليد أوروك، وفي سواها هو الإله سِن إله القمر. شقيقه أريشكيكال، ومن مشتقات اسمها لفظ إلهة، وله أيضاً صيغة الجمع. أوزها نجمة الصباح، ونجمة المساء، وشكل الوردة "( ).
ولكن يبقى السّؤال لم اعتبرت عشتار من دون غيرها إلهة أوروك؟ والجواب على ذلك تقدّمه الأساطير البابلية القديمة التي تذكر إنّ (أنانا) هي من نقلت فنون الحضارة من (أريدو) إلى أوروك، وجعلتها -أيّ اوردك- مركزاً للحضارة السّومرية.( )
فأنانا هي واهبة العلم والثقافة لأوروك كما هي واهبة الحماية لهذه المدينة، لذا حق أن تسمى هذه المدينة باسمها، وإن كانت عشتار حامية محبة لهذه المدينة، فهي لا تتوانى في أن تكون عدوة غاضبة، شديدة المكر، فهي تغضب على مدينة أوروك عندما تغضب على ملكها جلجامش الذي يرفض طلبها للزّواج منه، وترسل على أوروك ثوراً يرهقهم قتلاً وموتاً، ويعيث في الأرض فساداً.
" هبط ثور السّماء
في خواره الأول قتل مائة رجل
مائتين أيضاً
في خواره الثاني قتل مائة رجل
زيادة على ذلك
في خواره الثالث ( ... ( )) انقض على أنكيدو( ) "
وفي هذا المقام من الملحمة نستحضر حواراً مثيراً دار بين آنو (وهو والد عشتار، وإله السّماء) وبين ابنته عشتار الغاضبة، فهي تطالب بثور تنتقم به من جلجامش الذي حطم كبرياءها برفضه الزّواج منها، وعندما تأنس في نفس أبيها الرفض، تهدّده بإطلاق موتى الأرض، ليعيثوا فساداً ويسبّبوا المجاعات على الأرض، فيذعن والدها لطلبها.
وهنا يلّح السؤال التالي: ما علاقة عشتار آلهة الحب بالموتى وملكة الموت؟
"فإن لم تجعل لي ثور السّماء.
أحطّم بوابة العالم الأسفل، أنزع رتاجها.
أترك أبوابه مفتوحة على مصراعيها.
وأجعل الموتى يصعدون ويأكلون مثل الأحياء" ... ( )
والجواب عن ذلك يبدأ من عند أريشكيجال، وهي أخت عشتار، وتلفظ أيضاً أريشيجنجال، ملكة الأراضي العظيمة، سيدة الأرض، زوجته نركال والدة نينازو( )، وهي آلهة الموت.
ويعتقد البعض أنها المتنفّذة الوحيدة في عالم الموتى، ولكن من الواضح أنّ عشتار كانت ذات سلطة على ذلك العالم، وإلا لما هدّدت بإطلاق الموتى، ومن ثم انحسرت سلطاتها على العالم الأعلى -عالم الأحياء- ولكن أثر تلك السلطة الأولى بقيت في مخيلة وذاكرة الأوروكي وفي ذلك يقول فراس السواح في معرض حديثه عن عشتار "وكانت تعين أختها أريشكيجال على ملء جهنم من الناس" . ... وفي بعض النّصوص تبدو ذات سلطة على العالم الأسفل تعادل سلطة أختها أريشكيجال نفسها، الأمر الذي يؤكد تفسيراتنا السابقة حول الوحدة للإلهتين، وتحدّرها معاً من أصل مشترك لم تكن الأسطورة قد نسيته في تلك الأيام"( ).
النص الثاني:
تقول الملحمة في بعض حديثها عن أسوار أوروك المنيعة التي يعود لجلجامش الفضل في بنائها:
" إعل سور آوردك، امش عليه،
المس ما عدته، تفحّص صنعة آجره
أليست لبناته من أجر مشوي؟
والحكماء السّبعة من أرسى له الأساس؟
شارٌ واحد للمدينة، وشارٌ للبساتين، وآخر
للمروج، والبقية أرض بلا زرع أو بناء لمعبد عشتار
ثلاث شارات والأرض غير المزروعة، هي مدينة أوروك.
ابلغ صندوق الرقيم، النحاسي
حُلَّ رتاجه البرونزي.
خذ الرقيم اللازوردي وأقتله.
بصوت عال
عن جلجامش الذي مضى عبر جميع الصعاب( )
هذا النّص يشير إلى أسوار عظيمة تحيط بأوروك، وأظّن أنّ الكلام واضح إلى هذا الحد، ولكنه فيما بعد يحتاج إلى منهج يوضّحه، ويفكّ أسرار كلامه فمن هم الحكماء السّبعة الذين أرسوا أساس الأسوار؟ وما هي قصة الصّندوق النّحاسي؟
والأسطورة أو التاريخ الميثولوجي في ضوء منهجنا هو فقط من يملك أجوبة شافية لهذه الأسئلة.
فالحكماء السبعة ليسوا شخصيات حقيقية، ولكنّهم كما تذكر التقاليد المسماريّة، "سبعة حكماء سماويين مقدسيين، أرسلهم الإله إيا لتعليم البشر فنون الحضارة. وهؤلاء الحكماء هم: أدابا وأواندوكا، وإنميدوكا، وإنميكلما، وإنميبكا، وآن، إنليلدا، وأوتوأبسو. كما يعرف كلّ واحد منهم بأسماء وألقاب أخرى"( ).
وهؤلاء الحكماء قد يسّمون (مونتالكو) أيّ المستشارون، ويُعزى إليهم فضل بناء المدن المسّورة، ولعلّ الأسطورة تقصد بذلك أنّهم هم من علم البشر تقنية بناء الأسوار حول المدينة، فمن الطبيعي إذا أن نعزي لهم الفضل في وضع أساس أسوار مدينة أوروك، وإذا قصدنا بذلك الإعلاء من شأنى عمارة الأسوار والإشادة بفنيتها، وعلو حضانتها.
فالحكماء ليسوا مهندسين أو معماريين أو حتى حرفيين كما يحلو لبعض المصادر تسميتهم بل هم مجرد أشخاص أسطوريون ينهضون بعبء تعليم البشر فنية بناء أسوار المدن.
وإذا كان الحكماء أسطوريون لا وجود لهم، فقد يسأل سائل فما هي قصة الصّندوق النّحاسي ؟ وما علاقته بجلجامش ؟ بل ماعلاقته بملحمة جلجامش ؟
وللإجابة عن هذا السّؤال لا بد من أن نتطرق إلى ذكر عادة عن قدماء السّومريين والبابليين الذين كان من عادتهم دفن وثائقهم ومخطوطاتهم المنقوشة على الألواح في صناديق في أساسات الأبنية الضخمة، ولا يعلم سبب اختيارهم الأساسات! لعلهم أرادوا أكثر الأماكن بعداً وحصانة، أو لعلّهم كانوا يعتقدون بقدرة سحريّة لهذه الأماكن في حفظ وثائقهم.
أيّا كان السّبب فنحن نستطيع أن نفهم أنّهم قد خطوا هذه الملحمة في ألواح ودفنوها مع صناديقها في أسوار مدينة أوروك وفي غيرها من مدن سومر.( )
النّص الثالث:
تذكر الملحمة عند حديثها عن جلجامش.
" ابن أوروك، الثّور النطوح.
الذي يمضي في المقدمة كما يليق بالقائد.
نسل لوجال بندا، جلجامش الكامل القوة.
ابن البقرة المهوب ( ) "ننسون"... ( )
" ثلثاه إله، وثلثه بشر
ما لهيئة جسمه من نظير " ... ( )
فجلجامش حسب ما تذكر الملحمة هو مزيج من البشر واله، فأبوه من البشر، وهو لوجال بندا، وهو الملك الثالث لأوروك في سلالة أوروك الأولى، التي حكمت بعد الطوفان. أما أمه فهي ننسون، وهي إلهة ثانوية في مجمع الآلهة.
وقد يتوقف البعض عند هذه المعطيات الأولية، ويستنتج منها أنّ الملحمة عن شخصية وهمية، وهي شخصية اخترعتها الأخيلة المبتكرة، لكن توظيف هذه المعطيات تخرج بنا إلى حقيقة مؤدها أنّ السومريين والبابليين شأنهم شأن كثير من الشعوب الوثنية التي رفعت أسيادها وملوكها إلى مصافي الآلهة، وجعلتهم أنصاف آلهة.
ولكن السّؤال الذي يبدو ملائماً في هذا المقام: لم ألّه القدماء ننسون؟ ولم سميت بالبقرة؟
وقد يكون من العسير على هذا البحث كما كان عسيراً على غيره من الأبحاث أن يذكر سبباً معيناً لهذا التأليه، ولكن تذكر إنّ لقب البقرة هو من الألقاب الإلهية في ثقافات المشوق القديم، فالبقرة في تلك الثقافات رمز للعطاء وآلهة الحياة.
النص الربع:
أظن أنّ هذا النص الذي سأورده تالياً هو من أكثر النصوص التي تحتاج الى قبس المنهج الأسطوري لتفسيرها. فهذا النّص في ظاهره يبدو كفلم رخيص يوظف جسد المرأة البغيّ في سبيل الوصول إلى همم الرجال، وفي قهر جبروتهم، وهذا التوجيه القسري للتفسير فيه الكثير من الظلم والتجني على النّص؛ لأنه بكلّ سذجة يسقط آراء واعتقادات معاصرة على نص عمره آلاف من السنين.
وكي نفهم حقيقة توظيف جسد المرأة، وكيفية تمثل حقيقة دور الجنس في تلك المجتمعات وما هي المنزلة الدينية والنّفسية والاجتماعية التي يحتلها الجنس في تلك المجتمعات، وسأورد بداية تلك النصوص التي ترد في الملحمة متضمنة حديثاً عن البغي:
أ ) فالبغي أولاً: تقوم بإغراء إنجيدو ودفعه في طريق جلجامش. بعد أن يستخدمها أحد الصيادين للإيقاع بإنجيدو الذي كان يفسد شباكه، ويحطم مصائده التي يرصدها للفرائس.
" اذهب، يمم وجهك شطر أوروك
انقل لجلجامش خبر هذا الرجل الجبار
وليعطيك كاهنة حبِّ تصحبها معك
دعها تكسر شكيمته، بقوة تفوق قوته
فعندما يرد الماء يسقي الحيوان،
دعها تنضو ثيابها وتكشف مفاتنها،
فإنه مقاربها إذا رآها،
متنكرة لمقاربها اذا رآها"( )
" رجل البداءة الآتي من أعماق البراري
فتاة البهجة حرّرت ثدييها، عرّت صدرها
فقطف ثمارها
لم تخجل، أخذت إليها دفأه
طرحت ثوبها انبطح عليها،
وها هو واقع في حبها"( )
ب ) والبغي ثانياً: هي من رعايا المعبد بل من كاهناته، وهي ليست على علاقة دنيوية مع السّادة والملوك وكبار الكهنة، بل هي مقرّبة من آلهة السّماء. تخدمهم وتشاركهم أحزانهم جميعاً. فعندما قتل جلجامش وأنكيدو ثور السماء الذي أرسلته عشتار إلى أوروك؛ ليعيث فيها فساداً اجتمعت عشتار ببغايا المعبد اللواتي شاركنها البكاء على ذلك الثّور القتيل:
" فجمعت عشتار البنات المنذورات
نساء المعبد وبغاياه
وعلى فخد الثّور السماوي أقامت مناحة" ( )
فنحن إذن أمام تعامل آخر مع الجنس نكاد لا نعرفه في مجتمعاتنا الحالية ليس بسلوكه، فالجنس والبغاء نستطيع أن نلمسهما في أيّ مجتمع، ولكنني أقصد التوجيه والتفسير لهذا السلوك.
فالجنس الذي ارتبط بالمرأة (الأنثى)، وقد كانت عبادة الأنثى طاغية على عبادة الرجل، لأنّها هي التي تلد وتحافظ على استمرار الجنس البشري؛ ولأنّ دورها في العملية الاقتصادية لم يكن دون دور الرجل.
ومنذ بداية الحضارات رأى الإنسان القديم في الدافع الجنسي منشّطاً حركة الحياة، ودفعاً بها إلى الأمام، ورأى أنّها جزءاً صادراً عن قوة جنسية متمثّلة في عشتار، تودعها الأجساد ثم تستثيرها فتطلقها. ولم ير في الفعل الجنسي استجابة لغرض دنيوي وتحقيقاً لمتعة فردية بل استجابة لنداء كوني شامل، لذلك ارتبط الجنس بالطقس والعبادة، وكان الاحتفال الديني في بعض مظاهره الجنسية طقساً وعبادة.( )
وعلى ضوء ذلك نستطيع فهم معنى البغاء المقدّس الذي كان شائعاً في الشّرق القديم. "فالبغاء المقدّس هو ممارس الجنس بين أطراف لا يجمعهم رابط شخصي، ولا تحركهم دوافع محددة تتعلق بالتوق الفردي لشخص بعينه، أو تتعلق بالإنجاب وتكوين الأسرة، هو ممارسة جنسية مكرسة لمنبع الطّاقة الكونية متسلمة له، منفعلة به، ذائبة فيه، كالأنهار التي تصدر من المحيط وإلى المحيط تعود" ( )
"وقد كانت عشتار هي البغي المقدسة؛ لأنها مركز الطاقة الجنسية الشاملة التي لا ترتبط بموضوع محدد، وليس انغماسها في الفعل الجنسي الدائم إلا تعبيراً، على مستوى الأسطورة عن نشاط تلك الطّاقة الذي لا يهدأ؛ لأنّ في سكونه جمود لعالم الحياة"( )
ويـرى الدكتور علي الشـوك "أنّ اسم عشتار مشتق من الكلمة السومرية ush- tarr التي تفيد معنى (الرحم) ذلك أن (shayـ’ tur) السومرية تعني (رحم، يرقة) وتقابلها كلمة شاترّو الأكدية. ومنها أيضاً: عشتارتو الأكدية، وتعني بغيّ مقدسة"( ).
فالجنس إذن هو جزء من الحركة الكونية الدائبة، وهو لب ما تُمدح به عشتار، والسّلوك الجنسي مجال للفخر، ولا مجال فيه للخجل أو النّكوص، بل هو أرض للتقدم والإبلاء، كيف لا وهو جزء من طقوس الحياة والبقاء، "فقد عثر على لُقى كثيرة تصور عضو التأنيث، وعضو الذكورة، الأمر الذي يورث انطباعاً بأنّ الجنس كان موضوع تقديس وعبادة، ليس انطلاقاً من مفهوم الإثارة، بل رمزاً للخصوبة والتكاثر" ( )
وفي هذا المجال يجب أن نوضح أمراً قد يقع اللبس فيه، وهو آلية تنظيم العلاقة الجنسية الماضي في الشرق القديم. فقد كانت أنماط الجنس هي:
أ ) الممارسة الجنسية الفرادية: وهي التي تقع ضمن مؤسسة الزّواج، أو ضمن السلوكيات الفردية.
ب ) طقوس الجنس الجماعي: وهي تلك الطقوس التي كانت تقوم على ممارسة الجنس بشكل جماعي في الأعياد.
ج ) البغاء المقدّس: وهو الشكل الذي أشرنا له آنفاً، وهذا البغاء المقدّس سارٍ في شكلين:
أ ) الشكل الأول:
البغاء المقدس المّؤقت: هو البغاء الذي تقوم به كلّ النساء لمرة واحدة، أو لفترة قد تطول أو تقصر، ومن بعد تتزوج المرأة، وتخلص لزوجها، بعد أن تكون قد زنت بأوّل غريب يطلبها لذلك، وأخذت ما أخذت منه هبة لمعبد عشتار.
فالمرأة تقوم بهذا البغاء كفاءة عن إعطاء كلّ جمالها وفتنتها لرجل واحد، وهو زوج المستقبل.
ب ) الشكل الثاني:
البغاء المقدس الدائم (الكاهنة المقدسة): "كان في معابد عشتار كاهناتها الدائمات المكرسات على الدوام لإبقاء جذوة الجنس متّقدة لا يخبو لها أوار، تماماً كشعلة النّار التي كانت دائمة الاتقاد في هياكلها، وكن يحظين باحترام المجتمع وتقديره" ( ).
من هنا نستطيع أن نفهم معنى البغي المقدس في ملحمة جلجامش، ونستطيع أن ندرك معنى الرّبط الذي قد يكون ربطاً بين متناقدين بين البغاء والقدسية. لتنقذ إلى معادلة أخرى تقول: بغاء + رغبة دينية = قدسية؛ فالجنس في الشّرق الأقصى قوة في جسد الكون المستمر، والقيام به حلقة في جسد هذه القوة، فالجنس في تلك الشعوب سلوك جسدي ديني لا يختلف عن أيّ سلوك ديني آخر، فهو سلوك يرقى بالجسد والرّوح إلى مصافي الآلهة أحياناً.
وكاهنة الحب في ملحمة جلجامش، تعتقد أنّ ممارسة إنكيدو للجنس قد جعلت منه شبه إله:
" وقالت لإنكيدو : انظر اليك إنكيدو، أراك شبه الآلهة
فلماذا مع الحيوان
تهيم على وجهك في البراري؟
تعال فإني لآخذةً بيدك
إلى أوروك ذات الأسواق"( )
وهذا الاعتقاد ليس ابتكار خاص لتلك الكاهنة بل هو ابتكار للجماعة وتمثيل لروحها واعتقادها التي ترفع من قيمة الجنس، وتعليه فوق الكثير من العبادات المقدّسة.
الهوامـش
1 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة - مرجع سابق، ص 108.
2 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد ما بين النهرين، مرجع سابق. ص 38.
3 ) أنظر صموئيل نوح كريمر - الاساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر، ط1 . مطبعة المعارف، بغداد، 1971، ص. ص (107 - 113).
4 ) [ ..... ] هذه الإشارة تعني أنّ النّص مطموس، يستعصي على القراءة، لذا يورد الكاتب النّص مبتوراً على هذا الشكل.
5 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، اللوح السادس. مرجع سابق. ص 169.
6 ) المرجع نفسه . ص 169.
7 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد مابين النهرين. مرجع سابق . ص 377.
8 ) فراس السواح - لغز عشتار الآلوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، ط1 . سومر للدراسات والنشر، قبرص، 1985، ص 213.
9 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة . اللوح الأول. مرجع سابق . ص 108.
10 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد ما بين النهرين . مرجع سابق، ص 386.
11 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، اللوح الأول - مرجع سابق، ص 108.
12 ) أي مهيبة.
13 ) المرجع نفسه، ص 109.
14 ) المرجع نفسه. ص 110.
15 ) فراس السواح - أساطير من بلاد مابين النهرين، مرجع سابق، ص 115.
16 ) المرجع نفسه، ص ص (117 - 118).
17 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة. مرجع سابق، ص 172.
18 ) أنظر فراس السواح - لغز عشتار الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، مرجع سابق . ص ص 177 - 181.
19 ) المرجع نفسه.
20 ) أنظر فراس السواح - لغز عشتار الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، مرجع سابق . ص ص 177 - 181.
21 )علي الشوك - جولة في أقاليم اللغة الأسطورة . ط1 دار المدى للثقافة والنشر، بيروت، 1994، ص 12.
22 ) نفسه ص 10.
23 ) فراس السواح - لغز عشتار، مرجع سابق. ص 191.
24 ) فراس السواح - جالجامش ملحمة الرافدين، مرجع سابق، ص 162.
قائمة المراجع:
1- إبراهيم عبد الرحمن محمد - الشعر الجاهلي قضاياه الفنية. الموضوعية، ط1، دار النهضة
العربية، بيروت، 1980.
2- أحمد زكي- الأساطير، دراسة حضارية مقارنة، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة، 1975.
3- أحمد النعيمي- الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام، ط1، سينا للنشر، القاهرة،
1995.
4- الجاحظ - الحيوان - تحقيق وشرح عبد السّلام هارون جزء (2)، ط1، الباني الحلبي،
بيروت، 1973.
5- خليل أحمد خليل- مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ط1، دار الطليعة، بيروت،
1973.
6- ستيفاني دالي- أساطير من بلاد ما بين النهرين، ترجمة نجوى نصر، ط1، دار جامعة
أكسفورد للنشر، نيويورك، 1991.
7- السيد تقي الدين- أصول البحث الأدبي ومناهجه، ط1، دار نهضة مصر، القاهرة، 1984.
8- شكري عزيز ماضي- من إشكاليات النقد الغربي الجديد، ط1، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، بيروت، 1997.
9- صموئيل نوح كريمر - الأساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر، ط1، مطبعة
المعارف، بغداد، 1971.
10- طه باقر- مقدمة في أدب العراق القديم، ط1، جامعة بغداد - بغداد، 1976.
11- فاضل عبد الواحد علي - سومر أسطورة وملحمة، ط1، الأهالي للطباعة
والنشر، دمشق، 1999.
12- فراس السواح - الأسطورة والمعنى، ط1، منشورات دار علاء الدين، دمشق،
1997.
13- فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، ط1، منشورات دار علاء
الدين، دمشق، 1996.
14- فراس السّواح - لغز عشتار للألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة،ط1،
سومر للدراسات والنشر، قبرص، 1985.
15-عبد الرزاق حسين - في النص الجاهلي قراءة تحليلية ، ط1، مؤسسة المختار
للنشر، القاهرة، 1998.
16- عبد الفتاح محمد أحمد - المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي، دراسة
نقدية، ط1، دار المناهل للطلبة، 1987 .
17- علي الشوك - جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ط1، دار المدى للثقافة
والنشر، بيروت، 1994.
18- عماد الخطيب - الصّورة الفنية في المنهج الأسطوري، ط1، مكتبة الكتاني،
عمان، 2002.
19- محمد عاطف غيث - قاموس علم الاجتماع، ط1، دار المعرفة الجماعية -
الإسكندرية، 1988.
20- مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، ط2، دار الأندلس للطباعة والنشر
والتوزيع، 1981.
21- ابن منظور- لسان العرب، ط1، الجزء 22، دار صادر للنشر والتوزيع،
بيروت، 1968.
22- نصرت عبد الرحمن- والواقع والأسطورة في شعر أبو ذئيب الهذلي، ط1، دار
الفكر للنشر والتوزيع، عمان 1985.
23- وهب أحمد روميّه - شعرنا القديم والنقد الجديد، ط1، سلسلة عالم المعرفة،
الكويت، 1996.
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن
وبسبب ضيق المقام وطول الملحمة سأكتفي بدراسة بعض فقرات هذه الملحمة. ومحاولة تفسيرها في ظلال المّنهج الأسطوري، وسأسمح لهذا النّص بأن يفصح عن نفسه، وعن جدارته بالتّوظيف في مثل هذا النوع من النصوص.
النص الأول:
" هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا
هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء
رأى أسرار خافية، وكشف أمورا خبيئة،
مضى في سفر طويل، وحلّ به الضنى والعياء
وتفشى في لوح من الجر كل أسفاره
رفع الأسوار لأورك المنيعة
ومعبد إيانا المقدس، العنبر المبارك "
هذا النّص هو مطلع الملحمة، هو يتكلم عن جلجامش الذي يصفه النّص بصاحب( ) الرّؤية الكاملة والمعرفة التامة. ويذكر النّص أن هذه هي مدينة (إيانا) فمن هي إيانا؟ وهل يمكن أن نفهم النّص دون أن نعرف من هي إيانا؟
بالتأكيد لا نستطيع أن ندرك المعنى العميق للعلاقات والأحداث دون أن نعرف من هي إيانا، وما هي علاقاتها الأسطورية بهذه المدينة، فنحن بحاجة إلى تطبيق المّنهج الأسطوري في تحديد أبعاد هذه الشخصية.
إيانا هي ذاتها (أنانا) وهي عشتار وهي بالسومرية إنين، إنينا، إنانا - إلهة الحب والحرب، سيدة أوروك وآربيل، والدها هو الإلة آنو في تقاليد أوروك، وفي سواها هو الإله سِن إله القمر. شقيقه أريشكيكال، ومن مشتقات اسمها لفظ إلهة، وله أيضاً صيغة الجمع. أوزها نجمة الصباح، ونجمة المساء، وشكل الوردة "( ).
ولكن يبقى السّؤال لم اعتبرت عشتار من دون غيرها إلهة أوروك؟ والجواب على ذلك تقدّمه الأساطير البابلية القديمة التي تذكر إنّ (أنانا) هي من نقلت فنون الحضارة من (أريدو) إلى أوروك، وجعلتها -أيّ اوردك- مركزاً للحضارة السّومرية.( )
فأنانا هي واهبة العلم والثقافة لأوروك كما هي واهبة الحماية لهذه المدينة، لذا حق أن تسمى هذه المدينة باسمها، وإن كانت عشتار حامية محبة لهذه المدينة، فهي لا تتوانى في أن تكون عدوة غاضبة، شديدة المكر، فهي تغضب على مدينة أوروك عندما تغضب على ملكها جلجامش الذي يرفض طلبها للزّواج منه، وترسل على أوروك ثوراً يرهقهم قتلاً وموتاً، ويعيث في الأرض فساداً.
" هبط ثور السّماء
في خواره الأول قتل مائة رجل
مائتين أيضاً
في خواره الثاني قتل مائة رجل
زيادة على ذلك
في خواره الثالث ( ... ( )) انقض على أنكيدو( ) "
وفي هذا المقام من الملحمة نستحضر حواراً مثيراً دار بين آنو (وهو والد عشتار، وإله السّماء) وبين ابنته عشتار الغاضبة، فهي تطالب بثور تنتقم به من جلجامش الذي حطم كبرياءها برفضه الزّواج منها، وعندما تأنس في نفس أبيها الرفض، تهدّده بإطلاق موتى الأرض، ليعيثوا فساداً ويسبّبوا المجاعات على الأرض، فيذعن والدها لطلبها.
وهنا يلّح السؤال التالي: ما علاقة عشتار آلهة الحب بالموتى وملكة الموت؟
"فإن لم تجعل لي ثور السّماء.
أحطّم بوابة العالم الأسفل، أنزع رتاجها.
أترك أبوابه مفتوحة على مصراعيها.
وأجعل الموتى يصعدون ويأكلون مثل الأحياء" ... ( )
والجواب عن ذلك يبدأ من عند أريشكيجال، وهي أخت عشتار، وتلفظ أيضاً أريشيجنجال، ملكة الأراضي العظيمة، سيدة الأرض، زوجته نركال والدة نينازو( )، وهي آلهة الموت.
ويعتقد البعض أنها المتنفّذة الوحيدة في عالم الموتى، ولكن من الواضح أنّ عشتار كانت ذات سلطة على ذلك العالم، وإلا لما هدّدت بإطلاق الموتى، ومن ثم انحسرت سلطاتها على العالم الأعلى -عالم الأحياء- ولكن أثر تلك السلطة الأولى بقيت في مخيلة وذاكرة الأوروكي وفي ذلك يقول فراس السواح في معرض حديثه عن عشتار "وكانت تعين أختها أريشكيجال على ملء جهنم من الناس" . ... وفي بعض النّصوص تبدو ذات سلطة على العالم الأسفل تعادل سلطة أختها أريشكيجال نفسها، الأمر الذي يؤكد تفسيراتنا السابقة حول الوحدة للإلهتين، وتحدّرها معاً من أصل مشترك لم تكن الأسطورة قد نسيته في تلك الأيام"( ).
النص الثاني:
تقول الملحمة في بعض حديثها عن أسوار أوروك المنيعة التي يعود لجلجامش الفضل في بنائها:
" إعل سور آوردك، امش عليه،
المس ما عدته، تفحّص صنعة آجره
أليست لبناته من أجر مشوي؟
والحكماء السّبعة من أرسى له الأساس؟
شارٌ واحد للمدينة، وشارٌ للبساتين، وآخر
للمروج، والبقية أرض بلا زرع أو بناء لمعبد عشتار
ثلاث شارات والأرض غير المزروعة، هي مدينة أوروك.
ابلغ صندوق الرقيم، النحاسي
حُلَّ رتاجه البرونزي.
خذ الرقيم اللازوردي وأقتله.
بصوت عال
عن جلجامش الذي مضى عبر جميع الصعاب( )
هذا النّص يشير إلى أسوار عظيمة تحيط بأوروك، وأظّن أنّ الكلام واضح إلى هذا الحد، ولكنه فيما بعد يحتاج إلى منهج يوضّحه، ويفكّ أسرار كلامه فمن هم الحكماء السّبعة الذين أرسوا أساس الأسوار؟ وما هي قصة الصّندوق النّحاسي؟
والأسطورة أو التاريخ الميثولوجي في ضوء منهجنا هو فقط من يملك أجوبة شافية لهذه الأسئلة.
فالحكماء السبعة ليسوا شخصيات حقيقية، ولكنّهم كما تذكر التقاليد المسماريّة، "سبعة حكماء سماويين مقدسيين، أرسلهم الإله إيا لتعليم البشر فنون الحضارة. وهؤلاء الحكماء هم: أدابا وأواندوكا، وإنميدوكا، وإنميكلما، وإنميبكا، وآن، إنليلدا، وأوتوأبسو. كما يعرف كلّ واحد منهم بأسماء وألقاب أخرى"( ).
وهؤلاء الحكماء قد يسّمون (مونتالكو) أيّ المستشارون، ويُعزى إليهم فضل بناء المدن المسّورة، ولعلّ الأسطورة تقصد بذلك أنّهم هم من علم البشر تقنية بناء الأسوار حول المدينة، فمن الطبيعي إذا أن نعزي لهم الفضل في وضع أساس أسوار مدينة أوروك، وإذا قصدنا بذلك الإعلاء من شأنى عمارة الأسوار والإشادة بفنيتها، وعلو حضانتها.
فالحكماء ليسوا مهندسين أو معماريين أو حتى حرفيين كما يحلو لبعض المصادر تسميتهم بل هم مجرد أشخاص أسطوريون ينهضون بعبء تعليم البشر فنية بناء أسوار المدن.
وإذا كان الحكماء أسطوريون لا وجود لهم، فقد يسأل سائل فما هي قصة الصّندوق النّحاسي ؟ وما علاقته بجلجامش ؟ بل ماعلاقته بملحمة جلجامش ؟
وللإجابة عن هذا السّؤال لا بد من أن نتطرق إلى ذكر عادة عن قدماء السّومريين والبابليين الذين كان من عادتهم دفن وثائقهم ومخطوطاتهم المنقوشة على الألواح في صناديق في أساسات الأبنية الضخمة، ولا يعلم سبب اختيارهم الأساسات! لعلهم أرادوا أكثر الأماكن بعداً وحصانة، أو لعلّهم كانوا يعتقدون بقدرة سحريّة لهذه الأماكن في حفظ وثائقهم.
أيّا كان السّبب فنحن نستطيع أن نفهم أنّهم قد خطوا هذه الملحمة في ألواح ودفنوها مع صناديقها في أسوار مدينة أوروك وفي غيرها من مدن سومر.( )
النّص الثالث:
تذكر الملحمة عند حديثها عن جلجامش.
" ابن أوروك، الثّور النطوح.
الذي يمضي في المقدمة كما يليق بالقائد.
نسل لوجال بندا، جلجامش الكامل القوة.
ابن البقرة المهوب ( ) "ننسون"... ( )
" ثلثاه إله، وثلثه بشر
ما لهيئة جسمه من نظير " ... ( )
فجلجامش حسب ما تذكر الملحمة هو مزيج من البشر واله، فأبوه من البشر، وهو لوجال بندا، وهو الملك الثالث لأوروك في سلالة أوروك الأولى، التي حكمت بعد الطوفان. أما أمه فهي ننسون، وهي إلهة ثانوية في مجمع الآلهة.
وقد يتوقف البعض عند هذه المعطيات الأولية، ويستنتج منها أنّ الملحمة عن شخصية وهمية، وهي شخصية اخترعتها الأخيلة المبتكرة، لكن توظيف هذه المعطيات تخرج بنا إلى حقيقة مؤدها أنّ السومريين والبابليين شأنهم شأن كثير من الشعوب الوثنية التي رفعت أسيادها وملوكها إلى مصافي الآلهة، وجعلتهم أنصاف آلهة.
ولكن السّؤال الذي يبدو ملائماً في هذا المقام: لم ألّه القدماء ننسون؟ ولم سميت بالبقرة؟
وقد يكون من العسير على هذا البحث كما كان عسيراً على غيره من الأبحاث أن يذكر سبباً معيناً لهذا التأليه، ولكن تذكر إنّ لقب البقرة هو من الألقاب الإلهية في ثقافات المشوق القديم، فالبقرة في تلك الثقافات رمز للعطاء وآلهة الحياة.
النص الربع:
أظن أنّ هذا النص الذي سأورده تالياً هو من أكثر النصوص التي تحتاج الى قبس المنهج الأسطوري لتفسيرها. فهذا النّص في ظاهره يبدو كفلم رخيص يوظف جسد المرأة البغيّ في سبيل الوصول إلى همم الرجال، وفي قهر جبروتهم، وهذا التوجيه القسري للتفسير فيه الكثير من الظلم والتجني على النّص؛ لأنه بكلّ سذجة يسقط آراء واعتقادات معاصرة على نص عمره آلاف من السنين.
وكي نفهم حقيقة توظيف جسد المرأة، وكيفية تمثل حقيقة دور الجنس في تلك المجتمعات وما هي المنزلة الدينية والنّفسية والاجتماعية التي يحتلها الجنس في تلك المجتمعات، وسأورد بداية تلك النصوص التي ترد في الملحمة متضمنة حديثاً عن البغي:
أ ) فالبغي أولاً: تقوم بإغراء إنجيدو ودفعه في طريق جلجامش. بعد أن يستخدمها أحد الصيادين للإيقاع بإنجيدو الذي كان يفسد شباكه، ويحطم مصائده التي يرصدها للفرائس.
" اذهب، يمم وجهك شطر أوروك
انقل لجلجامش خبر هذا الرجل الجبار
وليعطيك كاهنة حبِّ تصحبها معك
دعها تكسر شكيمته، بقوة تفوق قوته
فعندما يرد الماء يسقي الحيوان،
دعها تنضو ثيابها وتكشف مفاتنها،
فإنه مقاربها إذا رآها،
متنكرة لمقاربها اذا رآها"( )
" رجل البداءة الآتي من أعماق البراري
فتاة البهجة حرّرت ثدييها، عرّت صدرها
فقطف ثمارها
لم تخجل، أخذت إليها دفأه
طرحت ثوبها انبطح عليها،
وها هو واقع في حبها"( )
ب ) والبغي ثانياً: هي من رعايا المعبد بل من كاهناته، وهي ليست على علاقة دنيوية مع السّادة والملوك وكبار الكهنة، بل هي مقرّبة من آلهة السّماء. تخدمهم وتشاركهم أحزانهم جميعاً. فعندما قتل جلجامش وأنكيدو ثور السماء الذي أرسلته عشتار إلى أوروك؛ ليعيث فيها فساداً اجتمعت عشتار ببغايا المعبد اللواتي شاركنها البكاء على ذلك الثّور القتيل:
" فجمعت عشتار البنات المنذورات
نساء المعبد وبغاياه
وعلى فخد الثّور السماوي أقامت مناحة" ( )
فنحن إذن أمام تعامل آخر مع الجنس نكاد لا نعرفه في مجتمعاتنا الحالية ليس بسلوكه، فالجنس والبغاء نستطيع أن نلمسهما في أيّ مجتمع، ولكنني أقصد التوجيه والتفسير لهذا السلوك.
فالجنس الذي ارتبط بالمرأة (الأنثى)، وقد كانت عبادة الأنثى طاغية على عبادة الرجل، لأنّها هي التي تلد وتحافظ على استمرار الجنس البشري؛ ولأنّ دورها في العملية الاقتصادية لم يكن دون دور الرجل.
ومنذ بداية الحضارات رأى الإنسان القديم في الدافع الجنسي منشّطاً حركة الحياة، ودفعاً بها إلى الأمام، ورأى أنّها جزءاً صادراً عن قوة جنسية متمثّلة في عشتار، تودعها الأجساد ثم تستثيرها فتطلقها. ولم ير في الفعل الجنسي استجابة لغرض دنيوي وتحقيقاً لمتعة فردية بل استجابة لنداء كوني شامل، لذلك ارتبط الجنس بالطقس والعبادة، وكان الاحتفال الديني في بعض مظاهره الجنسية طقساً وعبادة.( )
وعلى ضوء ذلك نستطيع فهم معنى البغاء المقدّس الذي كان شائعاً في الشّرق القديم. "فالبغاء المقدّس هو ممارس الجنس بين أطراف لا يجمعهم رابط شخصي، ولا تحركهم دوافع محددة تتعلق بالتوق الفردي لشخص بعينه، أو تتعلق بالإنجاب وتكوين الأسرة، هو ممارسة جنسية مكرسة لمنبع الطّاقة الكونية متسلمة له، منفعلة به، ذائبة فيه، كالأنهار التي تصدر من المحيط وإلى المحيط تعود" ( )
"وقد كانت عشتار هي البغي المقدسة؛ لأنها مركز الطاقة الجنسية الشاملة التي لا ترتبط بموضوع محدد، وليس انغماسها في الفعل الجنسي الدائم إلا تعبيراً، على مستوى الأسطورة عن نشاط تلك الطّاقة الذي لا يهدأ؛ لأنّ في سكونه جمود لعالم الحياة"( )
ويـرى الدكتور علي الشـوك "أنّ اسم عشتار مشتق من الكلمة السومرية ush- tarr التي تفيد معنى (الرحم) ذلك أن (shayـ’ tur) السومرية تعني (رحم، يرقة) وتقابلها كلمة شاترّو الأكدية. ومنها أيضاً: عشتارتو الأكدية، وتعني بغيّ مقدسة"( ).
فالجنس إذن هو جزء من الحركة الكونية الدائبة، وهو لب ما تُمدح به عشتار، والسّلوك الجنسي مجال للفخر، ولا مجال فيه للخجل أو النّكوص، بل هو أرض للتقدم والإبلاء، كيف لا وهو جزء من طقوس الحياة والبقاء، "فقد عثر على لُقى كثيرة تصور عضو التأنيث، وعضو الذكورة، الأمر الذي يورث انطباعاً بأنّ الجنس كان موضوع تقديس وعبادة، ليس انطلاقاً من مفهوم الإثارة، بل رمزاً للخصوبة والتكاثر" ( )
وفي هذا المجال يجب أن نوضح أمراً قد يقع اللبس فيه، وهو آلية تنظيم العلاقة الجنسية الماضي في الشرق القديم. فقد كانت أنماط الجنس هي:
أ ) الممارسة الجنسية الفرادية: وهي التي تقع ضمن مؤسسة الزّواج، أو ضمن السلوكيات الفردية.
ب ) طقوس الجنس الجماعي: وهي تلك الطقوس التي كانت تقوم على ممارسة الجنس بشكل جماعي في الأعياد.
ج ) البغاء المقدّس: وهو الشكل الذي أشرنا له آنفاً، وهذا البغاء المقدّس سارٍ في شكلين:
أ ) الشكل الأول:
البغاء المقدس المّؤقت: هو البغاء الذي تقوم به كلّ النساء لمرة واحدة، أو لفترة قد تطول أو تقصر، ومن بعد تتزوج المرأة، وتخلص لزوجها، بعد أن تكون قد زنت بأوّل غريب يطلبها لذلك، وأخذت ما أخذت منه هبة لمعبد عشتار.
فالمرأة تقوم بهذا البغاء كفاءة عن إعطاء كلّ جمالها وفتنتها لرجل واحد، وهو زوج المستقبل.
ب ) الشكل الثاني:
البغاء المقدس الدائم (الكاهنة المقدسة): "كان في معابد عشتار كاهناتها الدائمات المكرسات على الدوام لإبقاء جذوة الجنس متّقدة لا يخبو لها أوار، تماماً كشعلة النّار التي كانت دائمة الاتقاد في هياكلها، وكن يحظين باحترام المجتمع وتقديره" ( ).
من هنا نستطيع أن نفهم معنى البغي المقدس في ملحمة جلجامش، ونستطيع أن ندرك معنى الرّبط الذي قد يكون ربطاً بين متناقدين بين البغاء والقدسية. لتنقذ إلى معادلة أخرى تقول: بغاء + رغبة دينية = قدسية؛ فالجنس في الشّرق الأقصى قوة في جسد الكون المستمر، والقيام به حلقة في جسد هذه القوة، فالجنس في تلك الشعوب سلوك جسدي ديني لا يختلف عن أيّ سلوك ديني آخر، فهو سلوك يرقى بالجسد والرّوح إلى مصافي الآلهة أحياناً.
وكاهنة الحب في ملحمة جلجامش، تعتقد أنّ ممارسة إنكيدو للجنس قد جعلت منه شبه إله:
" وقالت لإنكيدو : انظر اليك إنكيدو، أراك شبه الآلهة
فلماذا مع الحيوان
تهيم على وجهك في البراري؟
تعال فإني لآخذةً بيدك
إلى أوروك ذات الأسواق"( )
وهذا الاعتقاد ليس ابتكار خاص لتلك الكاهنة بل هو ابتكار للجماعة وتمثيل لروحها واعتقادها التي ترفع من قيمة الجنس، وتعليه فوق الكثير من العبادات المقدّسة.
الهوامـش
1 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة - مرجع سابق، ص 108.
2 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد ما بين النهرين، مرجع سابق. ص 38.
3 ) أنظر صموئيل نوح كريمر - الاساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر، ط1 . مطبعة المعارف، بغداد، 1971، ص. ص (107 - 113).
4 ) [ ..... ] هذه الإشارة تعني أنّ النّص مطموس، يستعصي على القراءة، لذا يورد الكاتب النّص مبتوراً على هذا الشكل.
5 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، اللوح السادس. مرجع سابق. ص 169.
6 ) المرجع نفسه . ص 169.
7 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد مابين النهرين. مرجع سابق . ص 377.
8 ) فراس السواح - لغز عشتار الآلوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، ط1 . سومر للدراسات والنشر، قبرص، 1985، ص 213.
9 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة . اللوح الأول. مرجع سابق . ص 108.
10 ) ستيفاني دالي - أساطير من بلاد ما بين النهرين . مرجع سابق، ص 386.
11 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، اللوح الأول - مرجع سابق، ص 108.
12 ) أي مهيبة.
13 ) المرجع نفسه، ص 109.
14 ) المرجع نفسه. ص 110.
15 ) فراس السواح - أساطير من بلاد مابين النهرين، مرجع سابق، ص 115.
16 ) المرجع نفسه، ص ص (117 - 118).
17 ) فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة. مرجع سابق، ص 172.
18 ) أنظر فراس السواح - لغز عشتار الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، مرجع سابق . ص ص 177 - 181.
19 ) المرجع نفسه.
20 ) أنظر فراس السواح - لغز عشتار الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، مرجع سابق . ص ص 177 - 181.
21 )علي الشوك - جولة في أقاليم اللغة الأسطورة . ط1 دار المدى للثقافة والنشر، بيروت، 1994، ص 12.
22 ) نفسه ص 10.
23 ) فراس السواح - لغز عشتار، مرجع سابق. ص 191.
24 ) فراس السواح - جالجامش ملحمة الرافدين، مرجع سابق، ص 162.
قائمة المراجع:
1- إبراهيم عبد الرحمن محمد - الشعر الجاهلي قضاياه الفنية. الموضوعية، ط1، دار النهضة
العربية، بيروت، 1980.
2- أحمد زكي- الأساطير، دراسة حضارية مقارنة، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة، 1975.
3- أحمد النعيمي- الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام، ط1، سينا للنشر، القاهرة،
1995.
4- الجاحظ - الحيوان - تحقيق وشرح عبد السّلام هارون جزء (2)، ط1، الباني الحلبي،
بيروت، 1973.
5- خليل أحمد خليل- مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ط1، دار الطليعة، بيروت،
1973.
6- ستيفاني دالي- أساطير من بلاد ما بين النهرين، ترجمة نجوى نصر، ط1، دار جامعة
أكسفورد للنشر، نيويورك، 1991.
7- السيد تقي الدين- أصول البحث الأدبي ومناهجه، ط1، دار نهضة مصر، القاهرة، 1984.
8- شكري عزيز ماضي- من إشكاليات النقد الغربي الجديد، ط1، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، بيروت، 1997.
9- صموئيل نوح كريمر - الأساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر، ط1، مطبعة
المعارف، بغداد، 1971.
10- طه باقر- مقدمة في أدب العراق القديم، ط1، جامعة بغداد - بغداد، 1976.
11- فاضل عبد الواحد علي - سومر أسطورة وملحمة، ط1، الأهالي للطباعة
والنشر، دمشق، 1999.
12- فراس السواح - الأسطورة والمعنى، ط1، منشورات دار علاء الدين، دمشق،
1997.
13- فراس السواح - جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، ط1، منشورات دار علاء
الدين، دمشق، 1996.
14- فراس السّواح - لغز عشتار للألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة،ط1،
سومر للدراسات والنشر، قبرص، 1985.
15-عبد الرزاق حسين - في النص الجاهلي قراءة تحليلية ، ط1، مؤسسة المختار
للنشر، القاهرة، 1998.
16- عبد الفتاح محمد أحمد - المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي، دراسة
نقدية، ط1، دار المناهل للطلبة، 1987 .
17- علي الشوك - جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ط1، دار المدى للثقافة
والنشر، بيروت، 1994.
18- عماد الخطيب - الصّورة الفنية في المنهج الأسطوري، ط1، مكتبة الكتاني،
عمان، 2002.
19- محمد عاطف غيث - قاموس علم الاجتماع، ط1، دار المعرفة الجماعية -
الإسكندرية، 1988.
20- مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، ط2، دار الأندلس للطباعة والنشر
والتوزيع، 1981.
21- ابن منظور- لسان العرب، ط1، الجزء 22، دار صادر للنشر والتوزيع،
بيروت، 1968.
22- نصرت عبد الرحمن- والواقع والأسطورة في شعر أبو ذئيب الهذلي، ط1، دار
الفكر للنشر والتوزيع، عمان 1985.
23- وهب أحمد روميّه - شعرنا القديم والنقد الجديد، ط1، سلسلة عالم المعرفة،
الكويت، 1996.
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن