حسين عبروس-قراءة في المجموعة الشعرية «من جهة القلب» للشاعر عزوز عقيل

قراءة في المجموعة الشعرية «من جهة القلب» للشاعر عزوز عقيل
- القلب بوصفه جغرافيا للوجدان
- مقدمة
- لا تُقرأ المجموعات الشعرية من عناوينها وحدها، وإنما تُقرأ من الأسئلة التي تزرعها في ذهن القارئ قبل أن يشرع في تقليب صفحاتها. ومن هذا المنطلق تأتي مجموعة «من جهة القلب» للشاعر عزوز عقيل بوصفها تجربة وجدانية تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم من خلال لغة العشق، والحنين، والوطن، والذاكرة. فهي لا تقدم قصائد متجاورة بقدر ما تقدم خريطة شعورية تتوزع فيها محطات الألم والرجاء، ويغدو القلب فيها ليس عضوًا نابضًا فحسب، بل فضاءً رمزيًا تتحرك داخله الشخصيات والأمكنة والأزمنة.
ويتميز الديوان بتعدد أنماطه الفنية بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة والنص الحر، وهو تنوع يعكس مراحل مختلفة من التجربة الشعرية، لكنه لا يخل بوحدة الرؤية؛ إذ تظل العاطفة هي الخيط الذي يجمع النصوص، ويمنحها نسقًا داخليًا متماسكًا.
-أولًا: العنوان... حين يتحول القلب إلى جهة
يُعد عنوان المجموعة أولى العتبات التأويلية التي يستوقف عندها الناقد؛ لأنه لا يؤدي وظيفة التسمية فحسب، بل يؤسس أفق القراءة.
اختار الشاعر عنوان«من جهة القلب" ولم يقل: «من القلب» أو «إلى القلب»، فجاء حرف الجر «من» دالًا على الابتداء والانطلاق، وكأن القصائد كلها تنبع من موضع واحد هو القلب. غير أن كلمة«جهة» تثير سؤالًا أكثر عمقًا؛ فالجهة مفهوم مكاني، أما القلب فهو رمز وجداني، وبذلك يمزج العنوان بين المكان والشعور، فيتحول القلب إلى جغرافيا لها منافذ واتجاهات.
لكن العنوان يفتح كذلك بابًا للمساءلة النقدية؛ فالقلب، في رمزيته الإنسانية، لا يختزل في جهة واحدة، بل يتسع لجهات متعددة؛ جهة الحب، وجهة الوطن، وجهة الأم، وجهة الذاكرة، وجهة الألم. لذلك يبدو العنوان قائمًا على مفارقة جميلة، إذ يعلن جهة واحدة بينما تكشف القصائد عن جهات عديدة.
ويتجسد هذا المعنى في قوله:
- تجيئين من جهة القلب
- كي تتعثر هذي الخطى
- والنساء اللواتي كن في القلب
- تطايرن كأسراب القطا.
فالمرأة لا تأتي إلى القلب، بل تأتي "من جهته"، وكأن القلب أصبح وطنًا، وأصبحت الحبيبة خارجة من أعماقه لا وافدة إليه.
وهنا تتحول الجهة من بعد جغرافي إلى بعد نفسي، ويصبح العنوان مفتاحًا لقراءة المجموعة كلها.
- ثانيًا: اللغة الشعرية... بين العفوية والانفعال
- لغة عزوز عقيل لغة وجدانية بامتياز، تعتمد على الصفاء والوضوح أكثر من اعتمادها على الإغراب، وتستند إلى معجم عاطفي تتكرر فيه مفردات: القلب، الليل، الدموع، الغياب، الانتظار، الوطن، والسماء.
واللّافت أن الشاعر لا يكتب اللّغة بقدر ما يكتب الحالة؛ فالكلمات تبدو وكأنها تنساب مع الانفعال دون تكلف، وهو ما يمنح النص حرارة وجدانية واضحة.
ومن أجمل الأمثلة على هذا التدفق قوله:
- يا قاضي العشاق جئتك شاكيا
- من حب أنثى هيجت أوجاعيا
- أو كلما قلت اقتربنا خطوة
- تزداد بعدًا كي تطيل لياليا
يفتتح الشاعر المشهد باستدعاء شخصية القاضي، لكنه ليس قاضي المحاكم، بل"قاضي العشاق"، فيستعير فضاء القضاء ليحاكم تجربة الحب، وهي استعارة تمنح النص طابعًا دراميًا، وتجعل القصيدة قائمة على الحوار لا على الوصف.
غير أن اللّغة، في بعض المواضع، تقع تحت ضغط الانفعال، فتظهر تراكيب تحتاج إلى مزيد من الصقل، وهو أمر مألوف في النصوص التي تتقدم فيها حرارة الشعور على هدوء الصياغة. ومع ذلك فإن هذا الاندفاع لا يفقد النص صدقه، بل يمنحه طاقة وجدانية يشعر بها المتلقي.
- ثالثًا: الصورة الشعرية... من التشخيص إلى الدراما
تقوم الصورة الشعرية في هذه المجموعة على تحويل المشاعر إلى كائنات مرئية، بحيث يصبح الحزن جسمًا، والقلب لوحة، والغياب حدثًا مسرحيًا.
ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة "محكمة"، التي تُعد من أكثر نصوص المجموعة اكتمالًا من حيث البناء الدرامي.
يقول الشاعر:
- سأظل دومًا كالطيور محلقًا
- أرمي جناحي فوقها متساميا
- هنا يبني الشاعر صورته على التشبيه بالطائر، وهو رمز قديم للحرية والسّمو، لكن الصورة تتعرض إلى شيء من الاضطراب في الفعل «أرمي جناحي»؛ لأن الرّمي يوحي بالتّخلي والإلقاء، بينما التّحليق يقتضي بسط الجناحين لا رميهما. ولو استُبدل الفعل بما يدل على الامتداد أو الاحتواء، لازداد التناسق بين عناصر الصورة.
ويواصل رسم لوحته بقوله:
- وظللت أرسم حين غابت فجأة
- قلبًا تمزق ثم أمطر باكيا
وهنا تتحول الصورة إلى مشهد بصري؛ فالقلب يُرسم، ثم يتمزق، ثم يمطر. وهي صورة تقوم على تداخل الرسم والحركة والمطر، غير أن الانتقال من التمزق إلى المطر يجعل الصورة تميل إلى الكثافة العاطفية أكثر من انسجامها المنطقي، إذ إن المطر يرتبط عادة بالتدفق والانهمار، لا بالتمزق.
غير أن هذا التداخل نفسه يكشف طبيعة التجربة؛ فالشاعر لا يرسم الواقع، وإنما يرسم أثر الألم في المخيلة، حيث تختلط الأشياء كما تختلط المشاعر.
ثم يبلغ المشهد ذروته في خاتمة القصيدة:
- فلما الجفاء لما الغياب أيا أنا
- قالت جميل أن تظل ورائيا
- نظرت إلى القاضي فأرسل بسمة
- فعلمت أني سوف أرجع باكيا
إن ابتسامة القاضي ليست حكمًا بالبراءة ولا بالإدانة، وإنما اعتراف ضمني بأن الحب لا تحكمه القوانين، وأن العاشق يدخل المحكمة وهو يعرف مسبقًا أن القضية خاسرة، ولذلك يعود باكيًا كما جاء شاكيًا.
وهذه النهاية تمنح القصيدة بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحكاية الفردية إلى مأساة العشق نفسها.
خاتمة
تكشف مجموعة «من جهة القلب»عن شاعر يكتب بعاطفته قبل قلمه، ويؤمن بأن القصيدة ليست بناءً لغويًا فحسب، بل تجربة حياة تُسكب في الكلمات. لقد جعل عزوز عقيل من القلب مركزًا لكونه الشعري، فالتقت عنده المرأة والوطن والذاكرة والحزن في فضاء واحد، تتجاور فيه الرومانسية مع التأمل، والبساطة مع الرمز، والصدق مع الموسيقى.
ورغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات تتعلق ببعض التراكيب أو انسجام بعض الصور، فإن هذه الملاحظات لا تحجب القيمة الأساسية للمجموعة؛ فهي تقدم تجربة وجدانية صادقة، وتؤكد أن الشعر لا يُقاس فقط بسلامة اللغة، وإنما بقدرته على إيقاظ الأسئلة وتحريك الوجدان. ومن هنا فإن «من جهة القلب» ليست مجرد مجموعة غزلية، بل محاولة لرسم خريطة الإنسان وهو يبحث عن ذاته في الجهات كلها، ليكتشف في النهاية أن جميع الطرق، مهما تباعدت، تنتهي إلى القلب.
أرى أيضًا أن قصيدة «محكمة»تستحق قراءة مستقلة من منظور النقد السيميائي والدرامي؛ فهي من أجمل نصوص المجموعة، ويمكن استخراج رموزها (القاضي، المحكمة، الشكوى، الحكم، الابتسامة، البكاء) لإظهار أن الشاعر حوّل الحب إلى محاكمة رمزية، وهو مستوى نقدي أعمق من الوقوف عند الألفاظ والصور وحدها.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...