يحيى بركات - اقرأوا ما كتبه الفلسطينيون... قبل أن يُكتب المرسوم... قراءة في تشكل العقل الفلسطيني الجديد حول الانتخابات

في غرفة المونتاج، يحدث أحيانًا ما لا يحدث في موقع التصوير.

تصل اللقطات من كاميرات مختلفة.

لكل مصور زاويته.

ولكل كاتب مشاهده.

ولا يعرف أحد منهم، وهو يعمل، أن ما يصنعه ليس فيلمًا مستقلاً، بل جزءًا من فيلم أكبر.

ثم يجلس المخرج أمام الشاشة، ويكتشف أن الجميع، من حيث لا يقصدون، كانوا يكتبون الفيلم نفسه.

هذا تمامًا ما شعرت به وأنا أتابع ما كُتب في الأسابيع الأخيرة عن الانتخابات الفلسطينية.

في البداية، ظننت أنني أقرأ مقالات متفرقة.

لكن مع كل مقال جديد، بدأت الصورة تتضح.

لم يعد كل كاتب يناقش قضية منفصلة، بل بدا وكأن الجميع يكتب فصولًا مختلفة في الوثيقة الوطنية نفسها.

وحين كتبت مقالي: "انتخابات... أم إعادة كتابة العقد الفلسطيني؟"، لم يكن هدفي مناقشة موعد الانتخابات، ولا قانونها، ولا نسبة الحسم، ولا عدد المقاعد.

كنت أحاول أن ألفت الانتباه إلى شيء آخر.

إلى الفيلم الذي بدأ قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

إلى أن الخطر قد لا يكون في يوم الانتخابات، بل في النص الذي كُتب قبل أن يبدأ التصوير.

ثم توالت المقالات.

وجاء عريب الرنتاوي ليقول إن الخطر يبدأ عندما تُهندس العملية السياسية نفسها، فتُكتب القوانين بطريقة تجعل النهاية معروفة قبل أن يبدأ العرض.

ثم جاء هاني المصري، لكنه لم يسأل: متى ننتخب؟

بل سأل السؤال الذي يسبق كل الانتخابات:

أي انتخابات نريد؟

فنقل النقاش من صندوق الاقتراع إلى المشروع الوطني، ومن الإجراءات إلى الغاية، ودعا إلى حوار وطني يسبق الانتخابات، وإلى الاتفاق على الميثاق والبرنامج والقواسم المشتركة قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، لأن الانتخابات لا تستطيع وحدها أن تنتج مشروعًا وطنيًا.

أما الدكتورة غانية ملحيس، فقد ذهبت إلى المستوى الأكثر تأسيسًا.

لم تبدأ بالقانون.

ولم تبدأ بالصندوق.

بل بدأت بالسؤال الذي يسبق السياسة كلها:

من هي الجماعة السياسية التي ستمنح هذه الانتخابات شرعيتها؟

فأعادت النقاش إلى العقد السياسي، مؤكدة أن الانتخابات لا تصنع هذا العقد، بل تستمد معناها منه، ومحذرة من أن تتحول، من حيث لا نقصد، إلى أداة لإعادة تعريف الشعب الفلسطيني وحدود تمثيله، بدل أن تكون أداة لتجديد شرعيته الوطنية.

ثم جاء خالد عطية ليضع الكاميرا في زاوية أخرى.

قال إن الأزمة ليست في غياب الانتخابات.

بل في البنية السياسية التي يُراد للانتخابات أن تعيد إنتاجها.

فالشرعية، في نظره، لا تولد من الصندوق وحده، بل من العلاقة بين المجتمع، والمرجعية الوطنية، والسيادة، والمشروع السياسي الذي يمنحه الشعب تفويضه.

وفي موازاة هذا الجهد الفكري، صدر بيان الائتلاف الأهلي للانتخابات، الذي ضم مؤسسات حقوقية ومدنية فلسطينية، لينقل كثيرًا من هذه الأفكار إلى مستوى المطالب العملية.

فأكد ضرورة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، ورفض الإقصاء السياسي، وطالب بحوار وطني شامل، وبضمان مشاركة القدس، وبمراجعة نظام المجلس الوطني، وبتمثيل حقيقي للفلسطينيين في الشتات، وعدم اختزالهم في تعيينات رمزية.

ولعل أهمية هذا البيان أنه لم يصدر عن كاتب أو باحث واحد، بل عن ائتلاف يضم مؤسسات حقوقية ومدنية فلسطينية، الأمر الذي يعكس أن كثيرًا مما طُرح في النقاش الفكري بدأ يجد طريقه إلى المجال المدني والحقوقي أيضًا.

وعندما وضعت هذه المقالات، وذلك البيان، إلى جانب بعضها، شعرت كما لو أنني أجلس في غرفة مونتاج.

اللقطات مختلفة.

الكاميرات مختلفة.

وزوايا التصوير مختلفة.

لكن الفيلم...

كان واحدًا.

فيلم لا يتحدث عن الانتخابات فقط.

بل عن فلسطين التي ستخرج من الانتخابات.

فالجميع، رغم اختلاف اللغة والمنهج، يكاد يلتقي عند مبادئ واحدة.

أن الانتخابات وسيلة وليست غاية.

وأن المشروع الوطني يجب أن يسبق صندوق الاقتراع.

وأن منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تبقى المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني كله.

وأن السلطة الفلسطينية ليست البديل عن المنظمة، بل إحدى مؤسساتها، وأن تبقى المنظمة هي الإطار الجامع الذي يمثل جميع الفلسطينيين.

وأن الفلسطيني في الوطن، كما الفلسطيني في الشتات، شريك كامل في صناعة القرار الوطني، وليس حضورًا رمزيًا في مؤسسات يفترض أنها تمثله.

وأن ما بعد السابع من أكتوبر خلق واقعًا سياسيًا جديدًا لا يجوز أن تُكتب قوانين الانتخابات بعقل ما قبله، ولا أن تُدار بمنطق مرحلة انتهت شروطها.

وأن التحولات الدولية، واتساع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، والعزلة المتزايدة التي يواجهها الاحتلال، ليست أحداثًا عابرة، بل معطيات ينبغي أن تنعكس في أي رؤية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

وربما، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا يتقدم كاتب على آخر، ولا تطغى مدرسة على أخرى.

بل تتكامل القراءات، رغم اختلاف أصحابها، لتصنع رؤية وطنية مشتركة، حتى لو لم يجلسوا يومًا حول طاولة واحدة.

هذه المرة، لم يكتب الفلسطينيون مقالًا جماعيًا...

بل كتبوا، من حيث لا يقصدون، السيناريو الأول لفلسطين التي يريدونها بعد الانتخابات.

ولهذا، لا أقرأ ما كُتب بوصفه مجموعة مقالات.

أقرأه بوصفه العقل الفلسطيني وهو يفكر بصوت مرتفع.

ولهذا أيضًا، فإن الرسالة التي أوجهها إلى من يكتب المرسوم، أو يصوغ القانون، ليست رسالة سياسية بقدر ما هي رسالة وطنية.

اقرأوا... قبل أن تكتبوا.

اقرأوا ما كتبه الفلسطينيون.

ليس لأنه الحقيقة المطلقة.

بل لأنه خلاصة تجربة، ووعي، وخبرة، وقلق، ومسؤولية، اجتمعت كلها في لحظة ربما تكون الأخطر في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني منذ قيام السلطة.

وفي الدول الديمقراطية، يكتب الشعب قوانينه عبر ممثليه المنتخبين.

أما إذا فرضت الظروف أن تُكتب القوانين بمرسوم، فإن أقل ما يستحقه هذا الشعب أن يكون المرسوم قد أصغى إلى عقله الجمعي، لا إلى حسابات اللحظة وحدها.

الفيلم أصبح مكتمل الصورة...

لكن النهاية لم تُكتب بعد.

فهي ليست في يد الكتّاب.

ولا الباحثين.

ولا مؤسسات المجتمع المدني.

لقد أنجز هؤلاء عملهم.

كتبوا المشاهد.

ورسموا الشخصيات.

وطرحوا الأسئلة.

وأضاء كل واحد منهم زاوية من المشهد الفلسطيني.

وبقيت غرفة المونتاج.

هناك فقط...

سيقرر من يكتب المرسوم أي المشاهد ستبقى.

وأيها سيُحذف.

وأي قصة ستُروى للأجيال القادمة.

في السينما، قد يغيّر المونتاج معنى الفيلم كله.

وفي السياسة...

قد يغيّر مرسوم واحد معنى مرحلة كاملة.

ولهذا، فإن الرسالة ليست أن يقرأ من يكتب المرسوم هذه المقالات فقط...

بل أن يقرأها بعين المخرج.

لأن الكاتب يرى جمله.

والباحث يرى فرضيته.

والقانوني يرى النص.

والسياسي قد يرى مصلحته.

أما من يكتب لحظة تأسيسية...

فعليه أن يرى الفيلم كله.

أن يرى غزة، والضفة، والقدس، وفلسطينيي الداخل، والشتات.

أن يرى منظمة التحرير والسلطة، وأن يميز بين المرجعية الوطنية وأداة إدارتها.

أن يرى ما بعد السابع من أكتوبر، وما فتحه من أخطار، وما صنعه من فرص.

فالمرسوم ليس ورقة قانونية...

إنه المشهد الأول في الفيلم الذي سيحكم فلسطين لسنوات طويلة.

فالتاريخ لا يتذكر من كتب المراسيم...

بل يتذكر من امتلك الرؤية التي أنقذت الوطن.

يحيى بركات


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...