ماجد القبيسي - حين يصبح الليل طريقًا إلى الضوء... قراءة في الجزء الحادي والثلاثين من رواية «ظل امرأة في باريس» للكاتبة هدى حجاجي أحمد

ثمة نصوص لا تعتمد على كثافة الأحداث بقدر اعتمادها على حركة الروح، وهذا الجزء من رواية «ظل امرأة في باريس» واحد منها. وأنا أقرأه، لم أشعر بأنني أتابع شخصية تمضي في مدينة اسمها باريس، بل امرأة تمشي داخل نفسها، تتوقف عند كل ذكرى كما يتوقف المسافر أمام نافذة قطار يعرف أنه لن يعود إلى المحطة ذاتها مرة أخرى.

العنوان وحده يهيئ القارئ لما ينتظره: «شمسٌ تخرج من رماد الليل». لا يبدو مجرد وصف لوقت الصباح، بل إعلان عن تحوّل داخلي. فالليل في هذا النص ليس زمناً، وإنما حالة وجودية، والشمس ليست ضوءاً يملأ السماء، بل يقينٌ يبدأ بالتشكل بعد عناء طويل.

الفكرة التي يقيم عليها النص بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. البطلة لا تحاول أن تنتصر على أحد، ولا تبحث عن خلاص يأتيها من الخارج. إنها تحاول أن تخفف الحمل الذي ظل يرافقها سنوات. أعجبتني تلك العبارة التي تقول إن الإنسان لا يتعب من الخسارات، بل من حملها طويلاً. شعرت أن الكاتبة لامست حقيقة يعرفها كثيرون، حتى أولئك الذين لا يتحدثون عن جراحهم.



السرد هنا يتحرك بهدوء. يبدأ من ليل مثقل بالذكريات، ثم يأخذ القارئ شيئاً فشيئاً نحو لحظة صفاء لا تأتي فجأة، وإنما تتسلل كما يتسلل أول الضوء قبل الشروق. لا توجد قفزات درامية، ولا مفاجآت مصطنعة، بل نمو طبيعي للإحساس، وهذا ما جعل النهاية تبدو مقنعة. كأن الشخصية لم تتغير في لحظة، بل استغرقت الليل كله حتى تصل إلى تلك المصالحة الهادئة مع نفسها.

ما يلفت الانتباه أيضاً أن البطلة لا تقدم نفسها ضحية، ولا بطلة خارقة. إنها إنسانة تتردد، تتذكر، تتعب، ثم تكتشف أن قبول الضعف قد يكون بداية القوة. وربما لهذا بدت قريبة من القارئ. من منا لم يحتفظ برسالة لم يرسلها؟ أو بكلمات ظل يؤجلها حتى فقدت معناها؟ مثل هذه التفاصيل الصغيرة هي التي منحت الشخصية صدقها.

أما باريس، فلم تكن مدينة بالمعنى المعتاد. لم نرَ معالمها ولا ضجيجها، بل رأينا وحدتها. المدينة هنا تؤدي وظيفة نفسية أكثر مما تؤدي وظيفة مكانية. الشوارع الصامتة، الأرصفة المبتلة، السماء البعيدة... كلها عناصر شاركت في رسم عزلة البطلة، حتى بدا المكان وكأنه يردد ما يدور داخلها.

لغة هدى حجاجي أحمد تميل بوضوح إلى الشعرية، لكنها لا تنفصل عن السرد. استعارات مثل «تدلّت ساعاتها فوق صدري مثل أجراس صدئة» أو الحديث عن الليل الذي يغسل الروح، ليست مجرد زينة لغوية، بل جزء من بناء الحالة النفسية. الصورة هنا تخدم المعنى، ولا تزاحمه



ومن الجميل أن الرموز لم تكن غامضة أو متكلفة. النافذة بدت كأنها الحد الفاصل بين الانغلاق والانفتاح، والضوء حمل معنى الإدراك أكثر من معناه الحسي، بينما جاء الرماد إشارة إلى بقايا تجربة احترقت، لكنها لم تمنع ولادة بداية جديدة. أحياناً لا يحتاج الرمز إلى تفسير طويل، يكفي أن يترك أثره في النفس.

وأنا أتوقف عند هذا الجزء، خطر لي سؤال بسيط: هل نتغير فعلاً في لحظة واحدة، أم أن التغيير الحقيقي يحدث بصمت، بينما نظن أننا ما زلنا كما نحن؟ لعل الرواية تميل إلى الاحتمال الثاني، وهذا ما منحها صدقاً إنسانياً.

الفكرة الفكرية التي يطرحها النص لا تُقال بصورة مباشرة، وإنما تنمو بين السطور. السلام ليس هدية يقدمها الآخرون، بل قرار يتشكل في الداخل. والماضي لا يمكن محوه، لكنه يستطيع أن يفقد سلطته علينا عندما نتوقف عن مقاومته. هذه ليست حكمة جاهزة، بل خلاصة رحلة شعورية طويلة عاشتها الشخصية.

من الناحية الفنية، حافظ النص على وحدة شعورية واضحة. كل فقرة تقود إلى الأخرى دون انقطاع، حتى النهاية التي جاءت امتداداً طبيعياً لما سبقها. وربما يلاحظ بعض القراء أن وصف الليل طال نسبياً، لكنني لا أراه ضعفاً بقدر ما أراه خياراً فنياً؛ لأن ثقل الليل هو الذي جعل خيوط الصباح أكثر إشراقاً.

أحسب أن هذا الجزء من الرواية يؤكد قدرة الكاتبة على كتابة السرد التأملي من دون أن تفقد حرارة المشاعر. لقد حولت تجربة فردية إلى تجربة يمكن أن يرى القارئ شيئاً من نفسه فيها. وما يبقى بعد الانتهاء من القراءة ليس صورة باريس، ولا حتى صورة البطلة، بل ذلك الإحساس الهادئ بأن الإنسان قد يخرج من أكثر لياليه عتمة وهو يحمل ضوءاً لم يكن يعرف أنه يسكنه منذ البداية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...