كاظم حسن سعيد - صدى الصدمة: تشريح للعين التفكيكية

منذ عقود، وجدتني مهتماً برد فعل الجمهور—مسرحاً أو واقعاً—أكثر من الاهتمام بالحدث نفسه. وقد وجدتُ الكثير من كتاباتي مستفيدة من هذا الشغف الخاص برصد الارتدادات. واليوم، حين أعدتُ قراءة هذه الظاهرة عبر منشور نظريات علم النفس وأطروحات الفلاسفة والنقاد، جاءت هذه الثمرة لتشريح تلك "العين التفكيكية".

إن ظاهرة الانتقال بالنظر من الاستعراض أو الحدث الصاخب إلى رصد الارتداد النفسي على وجوه الجمهور ليست مجرد التفاتة بصرية عابرة؛ بل نحن أمام آلية إدراكية ومعرفية بالغة التعقيد، تقع عند نقطة التقاء فريدة بين الفلسفة النقدية وأعمق المدارس في
تاريخ علم النفس. ويتجلى هذا العمق عبر أربع زوايا فكرية وعلمية صاغها كبار المفكرين:

𔁯. الزاوية الإدراكية: هيرمان ويتكين وعزل "المجال"

من الناحية الفيزيائية والبيولوجية، يفسر عالم نفس الإدراك هيرمان ويتكين (Herman Witkin) آلية عمل هذه العين من خلال نظريته الشهيرة "الاستقلال عن المجال الإدراكي". ففي الوقت الذي يقع فيه الجميع تحت التأثير التنويمي للمشهد الكلي الصاخب (الحدث أو الاستعراض)، يرفض الجهاز العصبي للراصد هذا الابتلاع البصري. تمتلك هذه العين قدرة تشريحية مستقلة تفكك المشهد فوراً، فتعزل "الخلفية الكبيرة" المتمثلة في الفعل المصنوع، لتلتفت بالكامل إلى "العناصر الدقيقة" المتمثلة في التفاصيل المجهرية والانفعالات المرتسمة على وجوه الحاضرين.

𔁰. الزاوية العاطفية: ليف فيغوتسكي وكيمياء الأثر النفسي

إذا كان ويتكين يفسر أداة الرصد، فإن الرائد ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky) في كتابه "علم نفس الفن" يفسر جوهر هذا الشغف. يرى فيغوتسكي أن الحدث الإنساني أو الاستعراض الفني ليس إلا مثيراً أولياً، أما الدراما الحقيقية والتفاعل النفسي الأعمق (التطهير النفسي) فلا يقع فوق خشبة المسرح، بل يحدث داخل المنظومة العاطفية للمتلقي. برصد الجمهور، يترك الراصدُ المادة المصنوعة ويذهب لمراقبة "التفاعل الكيميائي الإنساني" في لحظة اشتعاله الحية؛ ليبحث عن النبض البشري العاري في رد الفعل، لا عن الآلية المبرمجة في الفعل.

𔁱. الزاوية الجماعية: كارل غوستاف يونغ واللاوعي المشترك

من جانبه، يفسر العالم التحليلي كارل غوستاف يونغ (Carl Jung) ثراء هذه المراقبة وعمقها. يرى يونغ أن البشر يشتركون في طبقة عميقة تحت الوعي تُدعى "اللاوعي الجمعي"، تضم الرموز والمخاوف والأشواق المشتركة للإنسانية. عندما يجلس الجمهور أمام حدث أو استعراض، تسقط الأقنعة الفردية المصطنعة، ويتحركون كموجة عاطفية واحدة تحركها هذه الطبقة السحرية المخبوءة. إن مراقبة الجمهور هي رغبة يونغية عميقة في قراءة "الكتاب المفتوح" للروح المشتركة والمخزون النفسي السري للمجتمع في لحظة تجليه وعفويته.

𔁲. الإطار الفلسفي: جاك ديريدا وهدم المركزية لصالح الهامش

هنا يكتمل المشهد ويجلس الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا في قلب هذه المجموعة ليمنح العين التفكيكية شرعيتها المعرفية والنقدية من خلال مذهبه "التفكيكي". يفسر ديريدا هذه الحالة عبر ثلاثة محاور رئيسية تعيد ترتيب المشهد:


تقويض المركزية: الفعل أو الاستعراض هو "المركز" التقليدي الذي يركض خلفه الجميع، بينما الجمهور هو "الهامش" المنسي في الظلام. تمارس هذه العين تفكيكاً ديريدياً خالصاً عندما تقلب هذه الموازين، فتجعل من الهامش هو المركز الحقيقي للرصد، إيماناً بأن الحقيقة والعمق يختبئان دائماً في الزوايا المهملة لا تحت الأضواء المسلطة.

قراءة المسكوت عنه: الفعل البشري نص معلن ومصنوع ومحسوب، أما ردة فعل الجمهور فهي "المسافات البيضاء والفراغات التي بين السطور"؛ هي الدمعة الخاطفة، الصدمة، أو الصمت الثقيل. الرصد هنا يذهب إلى هذا المسكوت عنه لأنه المادة الخام الأصدق التي تفضح أثر النص وتكشف أسراره.

موت سلطة الفعل وولادة الأثر: عند ديريدا، المعنى لا يملكه صاحب الفعل، بل يعاد إنتاجه ويتعدد لحظة اصطدامه بوعي المتلقي. إن الالتفات للجمهور يعكس وعياً بأن الحدث قد انتهى فور وقوعه، وما يجري مراقبته الآن على وجوه الناس هو عملية "ولادة المعنى المتعدد"، حيث يتحول الفعل الواحد إلى مئات التأويلات والارتدادات الوجودية الحية.



خلاصة:

إن العين التي تترك "الحدث" وتراقب "الجمهور" هي عين يمتزج فيها حسّ عالم الإدراك (ويتكين) الذي يشرح التفاصيل، وعمق عالم نفس الفن (فيغوتسكي) الذي يتتبع كيمياء المشاعر، وشغف عالم التحليل (يونغ) الذي يستنطق الروح الجماعية، يكللهم جميعاً منهج الفيلسوف التفكيكي (ديريدا) الذي يرى أن صدى الصوت يحمل حقيقة تفوق الصوت نفسه ثراءً وتعبيراً. إننا هنا لا نستهلك الموقف كمتفرجين عابرين، بل نقرأه كمحللين نرى الوجود من خلال ظلاله وارتداداته الإنسانية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...