شريف محي الدين إبراهيم -مصر... حين يهتز العالم لها... من أنت يا هذا؟! أتحدث عن الهزيمة الظالمة لمصر في كأس العالم

لم تكن تلك مجرد مباراة في كأس العالم، ولم يكن خروج مصر مجرد خسارة في بطولة.
لقد كانت لحظةً كشف فيها العالم كله حقيقةً يعرفها التاريخ منذ آلاف السنين: أن مصر ليست دولةً عادية، ولا شعبًا عاديًا.

حين انتهت المباراة، لم يتحدث الناس عن الأرجنتين بقدر ما تحدثوا عن مصر.
لم يشغلهم الفائز، بل شغلهم المظلوم.
انفجرت مواقع التواصل، واشتعلت الفضائيات، وتوالت تصريحات النجوم والخبراء والحكام السابقين، حتى بدا وكأن العالم كله يهتف بصوت واحد: لقد ظُلِمت مصر.

ولم يكن ذلك تعاطفًا مع فريق خرج من البطولة، بل كان احترامًا لأداءٍ أسطوري، ولمنتخب صغير في الأسماء، كبير في الروح، وقف أمام أبطال العالم دون خوف، وكاد أن يهزمهم كرةً وأداءً وشخصيةً.

وهنا فهم العالم شيئًا مهمًا؛ أن مصر إذا حضرت، فلا يمكن أن تكون مجرد رقم في البطولة.
مصر تحمل معها تاريخًا لا تحمله دولة أخرى، وتحمل حضارةً عمرها آلاف السنين، ولذلك فإن وجودها وحده يصنع الحدث.

إنها مصر التي أنجبت نجيب محفوظ، العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، وأنجبت أحمد زويل الذي أضاء العالم بعلمه، وأنجبت مجدي يعقوب الذي أعاد الحياة إلى قلوب الملايين، وأنجبت أنور السادات الذي غيّر مسارًا مهمًا في تاريخ المنطقة، وأنجبت عشرات الآلاف من العلماء والأطباء والمهندسين والأدباء والفنانين والمبدعين الذين تركوا بصماتهم في الحضارة الإنسانية.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يتعاطف العالم مع مصر.
فالعالم يعرف مصر قبل أن يعرف أسماء لاعبيها. يعرف حضارتها، وثقافتها، وأزهرها، وكنيستها، ونيلها، وأهراماتها، وآثارها، وفنونها، ويعرف أنها كانت، وما زالت، قلب المنطقة النابض.

لقد شعرت الجماهير، في تلك اللحظة، أن النجوم السبع على قميص مصر ليست مجرد سبع بطولات أفريقية، بل سبعة أوسمة من المجد، حتى خُيّل لكثيرين أنها أثقل في معناها وهيبتها من ثلاث نجوم كأس العالم على قميص الأرجنتين.
فالقيمة ليست في عدد الكؤوس وحدها، وإنما فيما يفرضه التاريخ من احترام، وما يتركه الأداء من أثر في ضمير الشعوب.

لقد ظهر لاعبون مصريون لم يكونوا من مشاهير العالم، فإذا بهم يربكون أعظم لاعبي الكرة، ويجعلون العالم يقف مبهورًا بشجاعتهم وإبداعهم. خرجوا من البطولة، لكنهم دخلوا قلوب الملايين، وأثبتوا أن الإنسان المصري، متى وجد الفرصة، يستطيع أن يقف ندًا لأكبر الأسماء، وأن يصنع ما يظنه الآخرون مستحيلًا.

لقد خرجت منتخباتٌ كبيرة وصغيرة من كأس العالم، فمر خروجها عابرًا، ولم يتوقف عنده العالم طويلًا.
حتى من تعرض للظلم في خروجه
أما خروج مصر، فقد كان شيئًا مختلفًا تمامًا. لم يكن الحزن الأكبر في أفريقيا أو آسيا، بل كان صداه الأوسع في أوروبا، والأمريكتين، واليابان، حيث ارتفعت أصوات اللاعبين السابقين، والخبراء، والإعلاميين، والجماهير، احتجاجًا على ما اعتبروه ظلمًا فادحًا. وكأن المنتخب المصري ،لم يكن مجرد أحد المشاركين، بل كان في نظر الملايين المرشح الحقيقي لاعتلاء منصة التتويج، وأن البطولة نفسها فقدت جزءًا من قيمتها بخروجه. فكم من بطلٍ يغادر البطولة على الورق، لكنه يبقى في ضمير العالم هو البطل الحقيقي، لأن العدالة لم تنصفه، بينما أنصفه التاريخ، وأنصفته قلوب الجماهير.

وأعتقد أن الفيفا نفسها فوجئت بحجم رد الفعل العالمي. لم تكن تتوقع أن خروج مصر سيشعل هذا الغضب، وأن مباراة واحدة ستتحول إلى حديث الدنيا، لأنها لم تدرك أن مصر، حين تدخل أي ساحة، تدخل بثقل أمة، لا بثقل فريق، وبوزن حضارة، لا بوزن منتخب فحسب. لقد ظنت أن خروج مصر سيكون كخروج غيرها، لكنها فوجئت بأن العالم كله يتعامل مع الأمر وكأن المرشح الأول لإحراز كأس العالم قد أُقصي ظلمًا.

ولعل السفهاء وحدهم هم الذين يظنون أن كرة القدم مجرد لعبة.
إنها اليوم لغة الأمم، ومرآة الحضارات، وإحدى أهم أدوات القوة الناعمة في العالم.
إنها معركة بلا دماء، وحرب شريفة تُخاض بالعقول قبل الأقدام، وبالعلم قبل المهارة، وبالتخطيط قبل الحماس. إنها تعكس مستوى التعليم، والإدارة، والبحث العلمي، والانضباط، وقدرة الدول على صناعة الإنسان القادر على المنافسة.

ولهذا لا يكون الانتصار في كرة القدم مجرد انتصار رياضي، ولا تكون الهزيمة مجرد خسارة مباراة، بل قد تتحول المباراة إلى رسالة حضارية، وإعلان عن مكانة أمة بين الأمم.
ومن هنا نظر العالم إلى مباراة مصر والأرجنتين بوصفها أكثر من لقاء كروي؛ فقد رآها مواجهةً بين العدالة والظلم، وبين الإرادة والنفوذ، وبين أمةٍ عريقة تحمل إرث آلاف السنين، وخصمٍ خرج منتصرًا في النتيجة، لكنه لم يخرج منتصرًا في ضمير الجماهير.

قد يخرج المنتخب من بطولة، لكن مصر لا تخرج من التاريخ. وقد تخسر مباراة، لكنها تكسب احترام العالم. فهذه الدولة ليست مجرد حدود على الخريطة، بل فكرة، وحضارة، ورسالة، وذاكرة إنسانية لا تغيب.

ولهذا أقول، بكل يقين: قد يغيب اسم مصر عن منصة التتويج يومًا، لكنه لا يغيب أبدًا عن قلوب الشعوب، ولا عن ضمير التاريخ. ومهما تبدلت الأزمنة، ستظل مصر، حين تدخل أي ميدان، مرشحةً لصناعة الدهشة، لأن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بما تتركه من أثر في وجدان العالم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...