عصام الدين أحمد صالح - المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخل في قصة “مخاض” لكرم الصباغ



مقدمة
يمثل كرم الصباغ أحد الأصوات السردية التى انشغلت فى مشروعها القصصى بتشريح خبرات الألم الإنسانى ومساءلة آليات القهر والمقاومة عبر مزيج من الواقعية والرمزية والتخييل التأويلى.
وتندرج قصة “مخاض” [1] ضمن مجموعته القصصية “طقوس نزع الزينة”[2] التى تقوم رؤيتها العامة على تعرية البنى التى تنتج الوجع الإنسانى، وكشف ما يختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية والثقافية والسياسية من أشكال الهيمنة والعطب.

وإذا كان عنوان المجموعة يحيل إلى فعل الكشف وإزالة الزائف والمستور، فإن عنوان القصة يضيف بعدًا آخر يتمثل فى لحظة التحول ذاتها؛ فـ”المخاض” لا يشير إلى الألم بوصفه حالة ساكنة، بل إلى عملية معقدة يتداخل فيها الانهيار والتشكل، والفناء والانبعاث، بما يجعل العنوان مدخلًا دلاليًا أساسًا لقراءة النص.

تعتمد هذه الدراسة[3] المنهج النقدى التحليلى–التأويلى متعدد المداخل، منطلقًا من البنية السردية بوصفها الحامل الأول للمعنى، ومستعينًا بالمدخل السوسيو–سيكولوجى والرمزى والتأويلى والثقافى–الفلسفى كلما استدعت طبيعة النص ذلك، مع الحرص على ربط القصة بسياقها داخل المشروع السردى للكاتب دون إخضاعها لقراءات خارجية مفروضة عليها.

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن قصة “مخاض” لا تقدم القهر بوصفه موضوعًا سرديًا فحسب، بل تكشف البنية التى تنتجه وتعيد إنتاجه، فى الوقت الذى تتتبع فيه الكيفية التى تنبثق بها المقاومة من داخل هذه البنية عبر الفعل الإنسانى والاختيار الأخلاقى.
ومن ثم فإن المخاض فى النص لا يقتصر على كونه حدثًا أو رمزًا، بل يغدو مبدأً حاكمًا لحركة العالم القصصى ومسار تشكل المعنى داخله.

قراءة في العتبات النصية
تندرج قصة “مخاض” ضمن المجموعة القصصية “طقوس نزع الزينة”، وهى المجموعة السادسة للكاتب كرم الصباغ، وتكشف عن مرحلة متقدمة فى مشروعه السردى، حيث تتداخل الواقعية مع الرمز، ويتجاور البعد الاجتماعى مع الأفق التأويلى، فى معالجة قضايا الإنسان تحت وطأة العنف والقهر والتحولات الوجودية.

ويكتسب عنوان المجموعة أهميته بوصفه عتبة دلالية كبرى؛ فـ”طقوس نزع الزينة” لا يحيل إلى الزينة بمعناها المادى، بل إلى الأقنعة التى تخفى البنى العميقة للواقع. ومن ثم يغدو “نزع الزينة” فعلًا كاشفًا يجرّد العالم من مظاهر الطمأنينة الزائفة، ليكشف ما يستبطنه من عنف وتشوه واختلال.

وفى هذا السياق يأتى عنوان القصة “مخاض” ليضيف مستوى دلاليًا مكمّلًا؛ فإذا كانت المجموعة تنشغل بكشف القهر، فإن القصة تنصرف إلى لحظة التحول التى تعقب هذا الكشف.
والمخاض فى دلالته اللغوية والوجودية يحيل إلى زمن انتقالى يتجاور فيه الألم مع إمكان الميلاد، والاحتضار مع احتمال الانبعاث، وهو ما يمنح العنوان طاقة إيحائية واسعة دون أن يفرض على النص معنى واحدًا أو مسارًا تأويليًا مغلقًا.

أما العتبة البصرية، فتأتى منسجمة مع هذا الأفق؛ إذ تعتمد لوحة الغلاف على فضاء لوني يميل إلى العتمة والتقشف، بما ينسجم مع مناخ المجموعة العام، ويؤكد انحيازها إلى كشف المستور أكثر من الاحتفاء بالمظاهر، لتصبح الصورة امتدادًا بصريًا للرؤية التى يقترحها العنوان.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن مشروع كرم الصباغ السردى، الذى ينطلق من خبرته التربوية واهتمامه بالهامش الإنسانى والبيئات الريفية والصحراوية، حيث تتحول التفاصيل المحلية إلى أسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان.

أولًا: البنية السردية والعالم القصصي
1. هندسة الحبكة وبناء العالم القصصي
يبنى كرم الصباغ عالم “مخاض” على بنية سردية شديدة الاقتصاد، تعتمد حدثًا واحدًا يتصاعد دون انقطاع حتى يبلغ ذروته فى اللحظة الأخيرة، حيث يعاد تأويل ما سبقها فى ضوء النهاية.
فلا تقوم الحبكة على تعدد الوقائع أو الشخصيات، وإنما على تصعيد مستمر لأزمة واحدة تتنامى داخل فضاء مغلق، حتى يتحول الحدث الأخير إلى مفتاح لإعادة قراءة النص كله.

يفتتح السرد بجملة تلقى بالقارئ مباشرة فى قلب الأزمة: “مرَّ يومٌ كاملٌ، وأنا على تلك الحال، أقطع المسافات فى جميع الاتجاهات، لكننى لا أهتدى إلى طريق العودة.” [4]

ومنذ هذه اللحظة يحتفظ النص بحركة سردية واحدة تتدرج من التِّيه إلى الاكتشاف، ومن الاكتشاف إلى المواجهة، ثم إلى السقوط، قبل أن تبلغ ذروتها فى الانفجار الدلالى للنهاية.
ولا تعنى هذه الخطية الزمنية بساطة البناء، لأن النهاية لا تغلق الحدث، بل تعيد تفسير مراحله جميعًا.

ويكتسب الزمن السردى وظيفة بنائية واضحة؛ إذ تختزل القصة الأزمة كلها فى يوم واحد، وهو اختيار يحقق أعلى درجات التكثيف ويضاعف الإحساس بالضغط والاختناق، حتى تبدو النهاية نتيجة طبيعية لمسار بلغ أقصى درجات التوتر.
وهكذا يغدو الزمن المحدود معادلًا فنّيًا للمخاض بوصفه لحظة انتقال مكثفة لا تحتمل الامتداد.

أما المكان، فيأتى فى صورة صحراء مترامية تخلو من العلامات الجغرافية المحددة، فلا تبدو مجرد خلفية للأحداث، بل قوة ضاغطة تشارك فى تشكيل التجربة السردية. فالامتداد اللانهائى للرمال، والحرارة، والسراب، والعطش، جميعها عناصر تصنع عالمًا مغلقًا يفرض منطقه على الشخصيات ويقيد حركتها.

وفى مقابل اتساع المكان، يضيق العالم الإنسانى إلى حدوده الدنيا؛ فلا يحضر سوى الراوى والرجل الهرم والطيور، وهو اقتصاد فى بناء الشخصيات ينسجم مع الطبيعة الرمزية للنص، ويمنح كل شخصية وظيفة دقيقة داخل البنية السردية، بعيدًا عن التفاصيل الواقعية أو التكوين النفسى المطول.

2. تقنيات السرد وإنتاج التوتر
يعتمد النص على ضمير المتكلم، فتتشكل الرؤية السردية من داخل التجربة، ويعيش القارئ حالة التِّيه والخوف والإنهاك مع الراوى لحظة بلحظة. ويضاعف هذا الاختيار من صدقية التجربة، ويجعل التوتر نابعًا من محدودية المعرفة؛ فالقارئ لا يدرك من العالم إلا بقدر ما يدركه الراوى نفسه.

ويزداد هذا الإحساس بالعزلة بفعل غياب الحوار المباشر؛ فالنص لا يتيح أى تبادل لغوى بين الشخصيات، بل يعتمد السرد الذاتى والوصف والمونولوج الداخلى. وليس هذا الغياب نقصًا تقنيًا، وإنما اختيار فنى يعكس انهيار إمكان التواصل داخل عالم كابوسى، حيث تتحول المواجهة إلى صراع صامت بين الذات وقوة لا تحتاج إلى الكلام كى تمارس هيمنتها.

ومن الناحية البصرية، يقترب السرد من بناء المشهد السينمائى؛ إذ تبدأ الرؤية بلقطة عامة للصحراء الممتدة، ثم تضيق تدريجيًا مع ظهور الرجل الهرم، قبل أن تقترب من تفاصيل الطيور والأقفاص والحفرة، لتنتهى بلقطة شديدة القرب لليد المضرجة بالدم وهى تلامس عين الماء المتفجرة. ويواكب هذا الانتقال البصرى تصاعد التوتر، فيتحول السرد إلى سلسلة من المشاهد المتتابعة التى تقود القارئ نحو الذروة دون انقطاع.

وتسهم اللغة فى تعزيز هذا الإيقاع؛ إذ تغلب عليها الجمل الفعلية والحركة المستمرة، كما فى قوله: “أقطع... أتطلع... أهبط... أجوس... ألمح... أتسلق... أجثو... أنهمك...” [5]
فتتابع الأفعال لا يمنح السرد سرعة فحسب، بل يجسد حالة المطاردة والبحث الدائم، ويجعل الإيقاع جزءًا من التجربة النفسية التى يعيشها الراوى.

ويكشف هذا التضافر بين وحدة الحبكة، وتكثيف الزمن، وضغط المكان، واقتصاد الشخصيات، والرؤية الداخلية، وغياب الحوار، والمشهدية البصرية، والإيقاع اللغوى، عن بناء سردى شديد الإحكام، تتحول فيه التقنيات السردية إلى أدوات منتجة للمعنى، لا مجرد وسائل لعرض الأحداث، وهو ما يفسر قدرة النص على الجمع بين بساطة الحكاية وثراء الدلالة.

ثانيًا: البنية السوسيو–سيكولوجية وصراع الذات مع منظومة القهر
1. منظومة القهر وإعادة إنتاج الهيمنة
لا يطرح نص “مخاض” القهر بوصفه فعلًا فرديًا يمارسه شخص ضد آخر، بل يقدمه فى صورة منظومة متكاملة تمتلك آلياتها الخاصة فى السيطرة وإعادة إنتاج العنف. فالرجل الهرم لا يبدو مجرد شخصية شريرة، وإنما يمثل سلطة رسخت وجودها حتى غدا القتل والوأد جزءًا من طقوسها اليومية، يمارسان ببرود وانتظام، لا بانفعال أو رغبة عابرة فى الانتقام.

ويكشف هذا التحول عن انتقال النص من مستوى الصراع الشخصى إلى مستوى البنية الاجتماعية؛ إذ يصبح القهر نظامًا قائمًا بذاته، لا يتوقف على إرادة الفرد وحده، بل يستند إلى طقوس وأفعال تتكرر حتى تكتسب شرعية زائفة. ومن ثم لا تبدو عملية دفن الطيور حادثة استثنائية، وإنما ممارسة اعتيادية داخل عالم فقد معاييره الأخلاقية.

وتعزز ملامح الرجل الهرم هذا المعنى؛ فشيخوخته لا تحيل إلى الضعف، بل إلى سلطة متقادمة استطاعت، رغم تهالكها، أن تواصل فرض هيمنتها. فهو يجسد بقايا نسق قديم لم يفقد قدرته على التحكم فى الحياة، بل يزداد عنفًا كلما شعر باقتراب نهايته، فتغدو الشيخوخة هنا علامة على رسوخ القهر أكثر من كونها علامة على أفوله.

وتزداد هذه الهيمنة عمقًا عبر الفضاء الصحراوى الذى يعزل الفرد عن أى سند اجتماعى أو إمكانية للمساندة؛ فلا مجتمع حاضر، ولا قانون، ولا شاهد، لتصبح الذات فى مواجهة منظومة مغلقة لا تتيح سوى الخضوع أو المقاومة. وهكذا يتحول المكان إلى امتداد نفسى واجتماعى لبنية القهر، لا إلى إطار محايد للأحداث.

2. تشكل الذات المقاومة بين الاختيار والتحول
فى مواجهة هذه المنظومة، لا يصنع النص بطلًا خارقًا، بل يقدم ذاتًا منهكة، تائهة، مهددة بالموت عطشًا وجوعًا، بما يجعل فعل المقاومة فعلًا أخلاقيًا يسبق أن يكون فعلًا بطوليًا. فالبطل لا يغامر لتحرير نفسه أولًا، بل يغامر لتحرير الطيور، على الرغم من إدراكه هشاشة وضعه، وهو ما يمنح فعله قيمة إنسانية تتجاوز منطق البقاء الفردى.

ويبلغ هذا الاختيار ذروته فى المشهد الذى يشرع فيه فى فتح الأقفاص وفك قيود الطيور، إذ يتحول الفعل البسيط إلى إعلان ضمنى برفض منطق الوأد نفسه. ومن هنا تنشأ المقاومة بوصفها قرارًا أخلاقيًا، لا استجابة غريزية أو رد فعل تلقائيًا على القهر.

ويؤكد النص هذا المعنى حين يجعل أقصى درجات الألم الجسدى تسبق لحظة التحول؛ فبعد السقوط فى الحفرة، والاختناق بالرمال، ونهش الطيور الجارحة لفروة الرأس، لا ينتهى المشهد بالموت، وإنما يظل معلقًا على إمكانية جديدة لا يكشفها النص إلا فى لحظته الأخيرة. وبهذا لا يقدم القهر بوصفه شرطًا يولد المقاومة تلقائيًا، بل يكشف أن المقاومة تنشأ حين تختار الذات ألا تستسلم لمنطق القهر، مهما بلغت كلفته.

ومن ثم، فإن البعد السوسيو–سيكولوجى فى القصة لا يقوم على ثنائية الضحية والجلاد فحسب، بل على الصراع بين نسق يسعى إلى تطبيع العنف، وذات تحاول استعادة إنسانيتها بالفعل الأخلاقى. وهنا تتجاوز المقاومة حدود المواجهة المباشرة لتصبح دفاعًا عن إمكان الحياة نفسها فى عالم يعمل على مصادرتها.

ثالثًا: البنية التأويلية... المخاض بوصفه قانونًا لتحول المعنى
1. من ظاهر الحكاية إلى البنية العميقة
تبدو “مخاض”، فى مستوى القراءة الأولى، قصة نجاة فى فضاء صحراوى معادٍ؛ غير أن هذا المستوى السردى لا يلبث أن يتجاوز نفسه ليكشف بنية تأويلية أكثر تعقيدًا، إذ تتحول الوقائع من أحداث متتابعة إلى علامات مفتوحة على معانٍ تتجاوز ظاهرها.
فالصحراء لا تعود مجرد مكان، والرجل الهرم لا يبقى شخصية واقعية، والطيور لا تؤدى وظيفة داخل الحبكة فحسب، وإنما تدخل جميعها فى شبكة دلالية تجعل النص أقرب إلى الرؤيا منه إلى الحكاية الواقعية.

ويتحقق هذا التحول لأن الكاتب لا يفسر رموزه، ولا يغلق دلالاتها بتحديد مرجع واحد لها، بل يتركها فى حالة من الانفتاح تسمح بتعدد مستويات القراءة. فالرجل الهرم يمكن أن يُقرأ بوصفه سلطة اجتماعية، أو بنية تاريخية، أو وجهًا من وجوه العنف الإنسانى، كما يمكن أن يكتسب، فى أفق آخر، ملامح اختبار أسطورى أو طقس غامض.
ولا تتنافس هذه القراءات، بل تتجاور داخل النص، لأن قوته لا تقوم على الإحالة إلى معنى واحد، بل على قدرته على استيعاب معانٍ متعددة دون أن يفقد تماسكه.

ومن هنا يغدو عنوان القصة مفتاحًا تأويليًا أكثر منه توصيفًا للحدث؛ فـ”المخاض” لا يشير إلى ولادة مكتملة، بل إلى لحظة انتقال لم تُحسم نتائجها بعد، حيث يتولد المعنى عبر الألم والاختبار، لا عبر اليقين أو الاكتمال.

2. النهاية بوصفها مفتاحًا لإعادة إنتاج الدلالة
تكشف النهاية عن البنية التأويلية للنص بأكملها؛ فهى لا تقدم حلًا للحبكة، بل تعيد ترتيب العلاقة بين عناصرها. فعندما تتفجر عين الماء من الموضع الذى امتزج فيه الدم بالرمل، لا يغدو المشهد خاتمة لرحلة العطش فحسب، وإنما لحظة تنقلب فيها شبكة العلامات كلها إلى دلالة جديدة، فيُعاد فهم الصحراء، والدم، والحفرة، بل وحتى فعل السقوط نفسه، فى ضوء ما تكشفه النهاية.

ولذلك لا يكتمل معنى النص إلا فى لحظته الأخيرة؛ فالقارئ لا يعود إلى البداية بحثًا عن أحداث أغفلها، بل ليقرأ الوقائع ذاتها بمعرفة جديدة. وهنا تتحقق إحدى أهم خصائص السرد التأويلى؛ إذ لا يضيف الختام معلومة بقدر ما يغيّر طريقة فهم ما سبقه.

ويفتح هذا البناء أفقًا تأويليًا آخر يمكن أن يُقرأ فى ضوء البعد الصوفى أو الأسطورى للنص، دون الجزم به. فالمحنة التى تعبرها الذات، والاختبار الذى يسبق الانكشاف، والانتقال من أقصى العطش إلى ظهور الماء، جميعها عناصر تسمح بقراءة ترى المخاض رحلة عبور من ظاهر العالم إلى باطنه، حيث لا يتحقق الانفراج إلا بعد استنفاد التجربة أقصى طاقتها.
غير أن النص لا يفرض هذا التأويل، وإنما يتيحه ضمن احتمالاته المفتوحة.

وبهذا لا يقدّم كرم الصباغ نهاية تغلق المعنى، بل نهاية تولّد معانى جديدة، وتجعل من “المخاض” قانونًا يحكم حركة الدلالة داخل النص نفسه؛ فالمعنى، شأنه شأن الولادة، لا يُمنح دفعة واحدة، وإنما يتشكل تدريجيًا عبر مسار من الاختبار والتحول.

رابعًا: البنية الرمزية... من العلامة إلى النسق الدلالي
1. شبكة الرموز وبناء العالم الدلالي
لا تقوم رمزية “مخاض” على حضور رموز منفصلة، وإنما على شبكة مترابطة من العلامات يكتسب كل عنصر فيها معناه من علاقته بالعناصر الأخرى. فالصحراء، والرجل الهرم، والطيور، والرمل، والدم، والماء، ليست إشارات مستقلة، بل مكونات نسق دلالى واحد تتحرك داخله القصة من بدايتها حتى نهايتها.

وتتخذ الصحراء موقع الرمز المؤسس لهذا النسق؛ فهى فضاء للجفاف والتيه وغياب المرجع، حيث تبدو الحياة مهددة فى أصلها.
ومن داخل هذا الفراغ يظهر الرجل الهرم بوصفه حارسًا لهذا العالم المختل، لا باعتباره شخصية واقعية فحسب، بل علامة على سلطة فقدت مشروعيتها، لكنها ما تزال تمتلك القدرة على إعادة إنتاج الموت عبر طقوس تبدو وكأنها جزء من نظام الكون ذاته.

وفى المقابل، تحضر الطيور الملونة بوصفها الرمز الأكثر ثراءً فى النص. فاختيار الكاتب للطائر، لا لأى كائن آخر، يحيل إلى معانى الحرية والخفة والانطلاق، بينما يضيف تعدد الألوان بعدًا آخر، يجعلها رمزًا لتنوع الحياة وفرادتها وثرائها الإنسانى.
ومن ثم فإن وأدها لا يعنى القضاء على أفراد بعينهم، بل محاولة محو التنوع نفسه، واختزال العالم فى لون واحد وصوت واحد وإرادة واحدة.

ولهذا لا يبدو فعل الدفن مجرد قتل للكائنات، وإنما إلغاء لإمكان الاختلاف، وهو ما يمنح الطيور وظيفة رمزية تتجاوز حضورها داخل الحكاية، لتغدو صورة للحياة كلما تعرضت لمحاولة المصادرة والإخضاع.

2. تحولات الرمز وإنتاج المعنى
تكتسب رموز القصة قيمتها الحقيقية من تحوّلها المستمر أثناء السرد. فما يبدأ علامة على الفناء ينتهى إلى إمكان للانبعاث، وما يبدو نهاية مغلقة يصبح بداية لدلالة جديدة. وهكذا لا تثبت العلامات عند معنى واحد، بل تتحرك مع تطور التجربة السردية.

ويتجلى هذا التحول بأقصى درجاته فى المشهد الختامى؛ إذ يلتقى الدم بالرمل، فيتفجر الماء من الموضع ذاته. ولا يقدم النص هذا المشهد بوصفه معجزة خارقة، بل بوصفه انقلابًا رمزيًا فى العلاقات بين عناصر العالم؛ فالدم، الذى ارتبط طوال السرد بالألم، يتحول إلى مقدمة للحياة، والرمل، الذى كان علامة على الجفاف، يغدو موضعًا لانبثاق الماء.
وهكذا تنقلب منظومة العلامات من داخلها، لا بإلغاء أحد عناصرها، وإنما بإعادة ترتيب علاقاتها.

وفى هذا السياق، يصبح عنوان المجموعة “طقوس نزع الزينة” أكثر حضورًا؛ فالنص ينزع الزينة عن الأشياء ليكشف حقيقتها العميقة. فالرجل الهرم يفقد مظهر الحكيم ليظهر وجه السلطة القامعة، والصحراء تفقد حيادها لتغدو فضاءً للاختبار، والطيور تتجاوز جمالها الخارجى لتصبح رمزًا للحياة المهددة، بينما يتحول الماء فى النهاية من حاجة بيولوجية إلى علامة على إمكان تجدد الوجود.

وبذلك لا تُستخدم الرموز فى “مخاض” للتزيين البلاغى أو لإخفاء المعنى، وإنما لبناء نسق دلالى متكامل، تتحول فيه العلامات إلى لغة موازية للحكاية، تحمل رؤيتها للعالم، وتمنح النص طاقته التأويلية المفتوحة.

خامسًا: الرؤية الثقافية والفلسفية... الإنسان بين دورة الفناء وإرادة الانبعاث
1. الثقافة بوصفها كشفًا لآليات محو الحياة
تنتمى “مخاض” إلى الكتابة التى لا تنشغل بتسجيل الواقع بقدر انشغالها بكشف البنى الثقافية الكامنة خلفه. فالنص لا يواجه حدثًا تاريخيًا بعينه، ولا يسمى سلطة محددة، لكنه يبنى نموذجًا عامًا لآليات الهيمنة التى تسعى إلى تحويل القهر إلى نظام مألوف، وإلى جعل وأد الحياة فعلًا اعتياديًا يمارس داخل طقوس تبدو طبيعية.

ومن هذه الزاوية، يتجاوز النص حدوده الفردية ليلامس أفقًا ثقافيًا أوسع، ينسجم مع المشروع السردى لكرم الصباغ، حيث تتكرر مواجهة الإنسان لقوى تسعى إلى مصادرة الوجود أو الذاكرة أو الحرية.
وفى هذا السياق، لا تبدو الصحراء فضاءً جغرافيًا خالصًا، بل صورة لعالم يُجَرَّد تدريجيًا من خصوبته، كما لا تغدو الطيور كائنات عابرة، بل تمثيلًا لكل ما هو جميل ومتعدد وقابل للحياة.

ومن هنا يمكن قراءة القصة فى ضوء عنوان المجموعة “طقوس نزع الزينة”؛ فالنص يمارس فعل “نزع الزينة” عن الواقع، لا ليزيده قتامة، بل ليكشف ما تخفيه المظاهر من أنساق قهر راسخة، ويعيد توجيه النظر إلى ما يظل مستترًا خلف الاعتياد اليومى.

2. المخاض وفلسفة التحول
إذا كانت الحكاية تنتهى بتفجر الماء من قلب الصحراء، فإن القيمة الفلسفية للنص لا تكمن فى هذه الصورة وحدها، بل فى الطريقة التى يعيد بها تعريف التحول نفسه. فالمخاض، كما يقدمه النص، ليس وعدًا بولادة مضمونة، ولا انتقالًا حتميًا من الألم إلى الخلاص، وإنما لحظة يظل فيها المستقبل مفتوحًا على أكثر من احتمال.

ولهذا لا يربط النص بين الألم والانبعاث بعلاقة سببية مباشرة، بل يجعل التحول ثمرة لمسار كامل من الاختبار والفعل والاختيار.
فالمعنى لا يولد لأن المعاناة بلغت ذروتها، وإنما لأن الذات رفضت، فى لحظة حاسمة، أن تنخرط فى منطق الوأد، واختارت الدفاع عن الحياة رغم إدراكها لثمن هذا الاختيار.

ومن ثم، يقترح النص رؤية للإنسان لا تقوم على الانتصار بوصفه نهاية للصراع، وإنما على القدرة الدائمة على إعادة إنتاج المعنى فى مواجهة الفناء.
وهنا يغدو الماء أكثر من عنصر طبيعى، ويصبح علامة على أن الحياة تحتفظ بإمكان تجددها، حتى حين يبدو العالم وقد استنفد كل أسبابها.

وهكذا تنفتح “مخاض” على أفق فلسفى يرى الوجود حركة مستمرة بين الانطفاء والانبعاث، لا بوصفهما نقيضين منفصلين، بل بوصفهما قطبين لتجربة إنسانية واحدة، تظل قابلة لأن تبدأ من جديد كلما امتلك الإنسان شجاعة أن يختار الحياة.

سادسًا: “مخاض” في المشروع السردي لكرم الصباغ... تحولات المقاومة من الرمز إلى البنية
1. امتداد المشروع السردي وتحوّل أدواته
تكشف “مخاض” عن قدرٍ واضح من الاتساق مع المشروع السردي الذي ينهض عليه عالم كرم الصباغ؛ إذ تواصل انشغاله بالإنسان الواقع تحت ضغط القهر، وبالأسئلة المرتبطة بالحرية والكرامة والوجود.
غير أن القصة لا تكرر ما أنجزته نصوص أخرى في المجموعة، بل تعيد بناء هذه الرؤية بأدوات مختلفة، تجعل المقاومة كامنة في البنية السردية ذاتها قبل أن تكون موضوعًا مباشرًا للحكاية.

ولهذا تبدو “مخاض” أكثر ميلًا إلى التكثيف والاقتصاد، وإلى بناء عالم فانتازي مغلق، تتراجع فيه الإحالات التاريخية والسياسية المباشرة لصالح منظومة رمزية تتيح للنص أن يتجاوز سياقه الخاص إلى أفق إنساني أوسع.
فالقهر هنا لا يُنسب إلى سلطة بعينها، بل يُقدَّم بوصفه بنية قابلة لأن تتكرر في كل زمان ومكان، وهو ما يمنح التجربة قابلية دائمة للتأويل.

كما تكشف القصة عن حضور ملمح أسلوبي يميز كثيرًا من نصوص الصباغ، يتمثل في المشهدية البصرية. فالأحداث لا تتطور عبر الحوار، بل عبر سلسلة من الصور المتلاحقة التي تتحرك كأنها لقطات سينمائية، تنتقل من فضاء الصحراء الواسع إلى الكثيب، ثم إلى الحفرة، وصولًا إلى اللقطة الختامية المركزة عند اليد المضرجة بالدم التي يتفجر الماء من تحتها.
وهذا الانتقال من اللقطة العامة إلى اللقطة القريبة لا يصنع التوتر السردي فحسب، بل يجعل الصورة نفسها أداة لإنتاج المعنى.

2. خصوصية “مخاض” داخل “طقوس نزع الزينة”
إذا كانت قصص أخرى في “طقوس نزع الزينة” تميل إلى جعل المقاومة موضوعًا ظاهرًا، سواء عبر استدعاء التاريخ، أو مواجهة الاحتلال، أو استحضار الذاكرة الجمعية، فإن “مخاض” تتخذ طريقًا أكثر تجريدًا؛ إذ تنقل المقاومة من مستوى الحدث إلى مستوى البنية.

فكل ما في القصة يعمل على إنتاج هذا المعنى؛ بنية الرحلة، والاقتصاد السردي، وغياب الحوار، وهيمنة الصورة، وتشابك الرموز، والنهاية التي تعيد قراءة البداية. وبهذا لا تصبح المقاومة رسالة يعلنها النص، وإنما قانونًا يحكم طريقة بنائه من الداخل.

ومن هنا تكتسب “مخاض” موقعًا مميزًا داخل مشروع الصباغ؛ فهي لا تقدم نموذجًا جديدًا للمقاومة فحسب، بل تقدم شكلًا سرديًا جديدًا لتمثيلها، حيث يتوحد البناء الفني مع الرؤية الفكرية، فلا يعود بالإمكان الفصل بين ما يقوله النص وكيف يقوله.

وبذلك تمثل القصة إحدى أكثر تجارب كرم الصباغ نضجًا من الناحية الفنية؛ لأنها تنقل فكرة المقاومة من مستوى الرمز المفرد إلى مستوى البنية الكلية، حيث تصبح كل حركة سردية، وكل صورة، وكل علامة، جزءًا من رؤية واحدة ترى أن الدفاع عن الحياة يبدأ أولًا من الطريقة التي يُبنى بها المعنى داخل النص.

الخاتمة
تكشف هذه القراءة أن “مخاض” ليست قصة عن النجاة من العطش، ولا عن مواجهة شخصية بين إنسان ورجل غامض، وإنما بناء سردي محكم يجعل من تجربة المخاض نموذجًا لتحول المعنى داخل عالم يقوم على الصراع بين إرادة الوأد وإرادة الحياة.
ومن خلال تداخل البنية السردية مع الرمز، والتأويل، والبعدين السوسيو–سيكولوجي والثقافي، تتجاوز القصة حدود الواقعة الجزئية لتغدو تأملًا في الكيفية التي تتشكل بها المقاومة داخل الإنسان قبل أن تتجسد في الواقع.

وقد انتهت الدراسة إلى أن المقاومة، في هذا النص، لا تُقدَّم خطابًا مباشرًا ولا شعارًا أخلاقيًا، وإنما تُبنى تدريجيًا داخل النسيج السردي نفسه؛ فاختيار ضمير المتكلم، وغياب الحوار، والمشهدية البصرية، والاقتصاد اللغوي، وتشابك الرموز، جميعها عناصر تتكامل لتجعل المقاومة بنيةً تنظّم العالم القصصي، لا فكرةً تضاف إليه من خارجه.

كما أظهرت القراءة أن رموز القصة لا تؤدي وظائفها منفردة، وإنما تنتظم في نسق دلالي واحد؛ فالصحراء، والرجل الهرم، والطيور الملونة، والرمل، والدم، والماء، ليست إشارات متجاورة، بل علامات تتبادل أدوارها حتى تبلغ ذروتها في النهاية، حيث لا يُقدَّم الماء بوصفه مكافأة للمعاناة، بل بوصفه ثمرة لاختيار الإنسان الانحياز إلى الحياة، وهو ما يجعل المخاض فعلًا وجوديًا أكثر منه حدثًا بيولوجيًا أو استعارة بلاغية.

وفي سياق المشروع السردي لكرم الصباغ، تمثل “مخاض” مرحلة لافتة من مراحل تطور رؤيته الفنية؛ إذ تنتقل المقاومة فيها من مستوى الرمز الظاهر إلى مستوى البنية العميقة، فتغدو الطريقة التي يُبنى بها النص معادلًا للرؤية التي يدافع عنها.
ومن هنا تنسجم القصة مع الأفق العام لمجموعة “طقوس نزع الزينة”؛ فكما يكشف عنوان المجموعة عن إزالة الأقنعة التي تخفي القهر، تكشف “مخاض” أن لحظة الانبعاث لا تبدأ بعد زوال القهر، بل تبدأ منذ اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يصبح جزءًا من منطقه.

ولا تدّعي هذه الدراسة أنها استنفدت إمكانات النص التأويلية؛ فثراء البناء الرمزي، وما يتيحه من أفق أسطوري وصوفي وثقافي، يسمح بقراءات أخرى قد تنطلق من مداخل مغايرة، كالسيميائيات، أو النقد الأسطوري، أو دراسات الصورة والمشهدية.
وربما كان هذا الانفتاح نفسه أحد مؤشرات نجاح النص؛ إذ يظل قادرًا على توليد معانٍ جديدة كلما تغيّر أفق القراءة.

وبهذا تؤكد “مخاض” أن القصة القصيرة تستطيع، عبر أقصى درجات التكثيف والاقتصاد السردي، أن تبني عالمًا تتجاوز فيه الحكاية حدودها المباشرة، ليصبح فعل السرد نفسه ممارسةً للمقاومة، ويغدو المخاض قانونًا لإنتاج المعنى، لا داخل النص وحده، بل داخل التجربة الإنسانية التي يستدعيها.

المصادر والمراجع
المراجع
(1) كرم الصباغ. (2024). طقوس نزع الزينة. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة.
الدوريات
(1) نضال ممدوح. (5 أغسطس, 2025). كرم الصباغ: القصة رافقت الإنسان منذ كان العالم طفلًا يحبو (حوار). جريدة الدستور. https://www.dostor.org/5115512
(2) نوال شلباية. (2 يوليو, 2025). ”طقوس نزع الزينة” لكرم الصباغ .. أزمنة وعوالم شتى. الخبر لايف. https://2u.pw/Ax8hO
مواقع الانترنت
(1) أحمد رجب شلتوت. (6 أغسطس, 2025). استعادة الجراح في طقوس نزع الزينة. موقع صدى: (ذاكرة القصة المصرية ): https://2u.pw/nWtKw
(2) أمينة الزغبى. (9 سبتمبر, 2025). مجموعة طقوس نزع الزينة تجلي المشهدية في القصة القصيرة. موقع اوبرا مصر: https://2u.pw/xxljq
(3) إيهاب بديوي. (16 مايو, 2026). نزع الزينة عن العالم: الطقس والكابوس والهامش في قصص كرم الصباغ قراءة في مجموعة (طقوس نزع الزينة). موقع الانطولوجيا: https://2u.pw/VbONW2

الهوامش
(1)كرم الصباغ. (2024). طقوس نزع الزينة. ص 19-22
(2)كرم الصباغ. (2024). طقوس نزع الزينة. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة.
(3)هذه الدراسة اعدت لتقديمها خلال ندوة مناقشة القصة فى صالون اقلام اونلاين الجمعة 10 يوليو 2026
(4)كرم الصباغ. (2024). طقوس نزع الزينة. ص 19
(5)كرم الصباغ. (2024). طقوس نزع الزينة. ص 21

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...