د. آمال بوحرب - المخاض الوجودي بين الألم والحرية وانبجاس المعنى القاص كرم الصباغ

حين تلامس القصة أسئلة الإنسان الكبرى تخرج من حدود الحكاية إلى أفق الفلسفة، حيث لا يعود الحدث مجرد واقعة سردية، بل يصبح علامة على معنى أعمق يتصل بالوجود والحرية والمصير. وقصة «مخاض» لكرم الصباغ تنتمي إلى هذا النمط من الكتابة الذي يجعل من التجربة اليومية مدخلًا إلى التأمل، ومن الألم الشخصي نافذة على سؤال إنساني شامل، فتغدو الصحراء والماء والطيور والسلطة الرمزية عناصر تتجاوز وظيفتها الحكائية لتتحول إلى إشارات دلالية تكشف عن علاقة الإنسان بالعالم وبذاته وبالآخر.
تبدو القصة قريبة من الفلسفة في جوهرها لأنها تطرح أسئلة تتصل بالوجود والنجاة والمعنى: كيف يبقى الإنسان إنسانًا حين يُحاصر بالحرمان؟ وكيف يتحول الألم إلى شرط للانبعاث؟ وكيف يمكن للفعل الأخلاقي أن يظل ممكنًا في لحظة الانكسار القصوى؟ هذه الأسئلة تجعل من النص مساحة للتفكير، حيث تتجاور الحكاية مع التأمل، والسرد مع الرؤية، والحدث مع الدلالة وعلى هذا الأساس تنطلق هذه القراءة من تتبع البعد الفلسفي في القصة باعتبارها نصًا يربط بين المخاض بوصفه ألمًا جسديًا، والمخاض بوصفه ولادة للوعي، وبين التجربة السردية والتجربة الفكرية التي تنفتح على أسئلة الإنسان في أقصى درجات عريه الوجودي.

يضعنا عنوان النص منذ البداية أمام مفهوم شديد الكثافة هو مفهوم المخاض. ففي دلالته التقليدية يحيل المخاض إلى ألم الولادة، وإلى تلك اللحظة الجسدية العنيفة التي تسبق خروج الحياة إلى الوجود. غير أن هذا المعنى يتسع في أفقه الفلسفي والرمزي ليشير إلى كل ولادة جديدة تتم عبر الألم، وإلى كل عبور من حال إلى حال، ومن انغلاق إلى انفتاح، ومن اختناق إلى إمكان جديد. وقد شغلت هذه الفكرة عددًا من الفلاسفة والباحثين؛ فأوتو رانك، المحلل النفسي النمساوي، جعل من لحظة الانفصال الأولى عن الرحم أصلًا نفسيًا للقلق الإنساني، ورأى أن الولادة جرح أول يظل الإنسان يحمل أثره في تكوينه الداخلي في كتابه صدمة الميلاد. أما باتريشيا ييغر، الناقدة والأكاديمية الأمريكية، فقد دعت إلى إعادة الاعتبار إلى شعرية الولادة بوصفها مجالًا تأويليًا مهمًا ظل مهمشًا في النقد الثقافي والأدبي، معتبرة أن الولادة حدث جسدي وبنية رمزية ومعرفية تكشف علاقة الجسد باللغة والمعنى. كما يرى هانس بلومنبرغ، الفيلسوف الألماني، أن الحمل والولادة ينهضان بوصفهما استعارات كبرى لفهم التحول والمعرفة والوجود، أي إنهما يحيلان إلى حركة تشكل المعنى نفسه داخل التجربة الإنسانية.
ومن هذا الأفق يمكن أن نقرأ المخاض بوصفه ألمًا جسديًا، وبوصفه صورة فلسفية للولادة من داخل المحنة، ولانبجاس المعنى من قلب الجرح. ومن هنا فإن قصة «مخاض» تبني عنوانها على سؤالها العميق: كيف يولد الإنسان من داخل أزمته؟ وكيف يصبح الألم شرطًا للمعنى؟ إن النص منذ بدايته يضعنا أمام صحراء تبدو فضاءً مكانيًا، وتغدو في الوقت نفسه صورة رمزية للوجود حين يتجرد من ضماناته، وتصبح الذات فيه محاصرة بالعطش والضياع والحرمان. وهنا تتحدد الإشكالية المركزية التي تقترحها القصة: هل تختزل إنسانية الإنسان في شروط بقائه البيولوجي، أم أنها تتجلى أساسًا في قدرته على اتخاذ موقف أخلاقي حتى في لحظة التهديد الوجودي الأقصى؟



الإشكالية الوجودية
تتمحور الإشكالية الوجودية في النص حول سؤال بسيط ظاهريًا وعميق جوهريًا: كيف يبقى الإنسان إنسانًا حين تختزل الحياة إلى ضرورة واحدة هي الماء؟ فكلمة «ماء» تأتي في النص كلمة مركزية، وتتحول إلى مركز دلالي يختزل العالم كله في حاجة وجودية، حتى يقول الراوي: «صارت تلك الكلمة وحدها تزن حياتي وأمنياتي». هذا التقلص في المعجم هو أيضًا تقلص في العالم، وفيه نلمس لحظة قريبة من التفكير الوجودي الذي يرى الإنسان ملقى في عالم لا يمنحه المعنى جاهزًا، بل يضعه أمام امتحان الصمود والاختيار.
وتتجاوز الإشكالية العطش بوصفه حاجة بيولوجية، فتصل إلى معنى الانهيار الداخلي. فالجسد في النص منهك، واللغة نفسها تبدأ بالانحسار، إذ تصبح الكلمات الأخرى «والعدم سواء». هنا يتكشف البعد الفلسفي للنص حين يتهدد الجسد ويتعرض الوعي نفسه للاهتزاز، ويصير الإنسان أمام سؤال: هل الحياة مجرد استمرار عضوي، أم أن المعنى شرط من شروط البقاء؟ ومن هذا المنظور يمكن القول إن القصة تطرح مسألة النجاة بوصفها اختبارًا: هل يستطيع الإنسان أن يحفظ إنسانيته حين تُسلب منه الشروط التي تضمن راحته؟ وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تتكرر بصيغ مختلفة طوال النص وتتكشف تدريجيًا كلما تقدمت الأحداث نحو لحظة الانفجار الرمزي.
رمزية الصحراء
يبني النص رمزيته عبر ثلاث صور كبرى هي الصحراء والطيور والرجل الهرم. تمثل الصحراء الفراغ والتعرية، وتبدو فضاءً يكشف الهشاشة الوجودية ويجرد الكائن من أوهامه. ومن هنا فإنها تقترب من كونها حالة أكثر من كونها مكانًا، حالة يتعرى فيها الإنسان أمام نفسه وأمام العالم. وهي في هذا المعنى تضع الذات في امتحان قاسٍ، حيث لا يبقى من العالم سوى الضروري، ويبرز الماء في مركزه.
وهنا يمكن استحضار ابن خلدون، المؤرخ والفيلسوف العربي التونسي، لأن الصحراء في منظور «المقدمة» تمثل بيئة تؤثر في طبائع العيش وفي أنماط الاجتماع. ويربط ابن خلدون بين شدة العيش وبين تشكل الإنسان والعمران، ويجعل البيئة من العوامل المؤثرة في السلوك والبنية الاجتماعية. وإذا طبقنا هذا المنظور على «مخاض» فإن الصحراء تبدو كأنها لحظة انكشاف للعمران حين يفقد الإنسان أدوات الحماية الاجتماعية والثقافية، فيعود إلى العراء الأول حيث يبقى الجسد والرهبة. وتضيف القصة بعدًا آخر، إذ يبقى للإنسان هامش أخلاقي حتى في أقسى شروط الانكشاف، وهذا ما يجعل التجربة الخلدونية في النص قابلة للتطوير.
الطيور والرجل الهرم
تمثل الطيور الضد الحيوي للصحراء، فهي رمز للحركة والتحليق والإمكان المفتوح. غير أن الكاتب يقلب المعادلة حين يجعل هذه الطيور تُمسك وتُوأد وتُدفن حيّة، فنحن أمام مشهد يضاعف المأساة لأن الموت يأتي بوصفه قسرًا منظمًا. ومن ثم تصبح الطيور رمزًا للحياة المهددة وللإمكان الذي يُخنق قبل أن يكتمل، وهذا التحول الرمزي يجعل القصة تتجاوز الحكاية الفردية إلى دلالة أوسع تتصل بمصير الحرية نفسها.
أما الرجل الهرم فهو شخصية رمزية شديدة الكثافة، ويمكن قراءتها بوصفها صورة للسلطة التي تكتفي بالقمع المباشر وتؤسس طقسًا كاملًا لتطويع الحياة. إنه يلتقط طيورًا ملوّنة ثم يحفر ويهيل الرمال عليها، فيتحول هذا الفعل إلى دفن متكرر للحياة ومقاومة ممنهجة لكل احتمال للانطلاق. وهنا يمكن استحضار ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي، لأن ما يصفه النص ليس عنفًا عابرًا، بل بنية سلطة تعمل على إدارة الأجساد وإخضاعها عبر آليات منظمة. ففوكو، في كتابه المراقبة والمعاقبة، يشرح كيف انتقلت السلطة الحديثة من الإيذاء المباشر إلى إدارة الأجساد وتطويعها عبر المراقبة والتطبيع والإخضاع، ويؤكد أن السلطة تعمل بالقمع كما تعمل بإنتاج أجساد مطواعة ومنضبطة. وفي «مخاض» نرى شكلًا من هذا المنطق حيث تُجمع الطيور وتُقيد وتُدفن، ويقع الراوي نفسه في فخ يُحكم عليه بالسحق. إننا أمام فضاء تتحول فيه الحياة إلى موضوع للتدبير القسري.
تأويلية السرد
لا يقتصر حضور السرد في قصة «مخاض» على نقل الأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى بناء أفق تأويلي مفتوح يجعل المعنى يتولد تدريجيًا من خلال العلامات والرموز والانزياحات. فالسارد يخبرنا منذ البداية أنه تائه في الصحراء حين يقول: «مرَّ يومٌ كاملٌ وأنا على تلك الحال لا أهتدي إلى طريق العودة»، وهي عبارة تؤسس لفقدان الاتجاه وفقدان اليقين معًا. ثم يتكثف المعنى أكثر حين يصرح: «صارت تلك الكلمة وحدها تزن حياتي وأمنياتي»، في إشارة إلى كلمة ماء، بما يجعل الوجود كله ينضغط داخل حاجة واحدة، ويكشف كيف يشتغل السرد على اختزال العالم في مركز دلالي بالغ القوة. ويزداد هذا التوتر حين يقول: «وكانت الكلمات الأخرى والعدم سواء»، وهي عبارة توضح أن اللغة نفسها بدأت تتراجع أمام قسوة التجربة، وكأن الألم يطاول إمكان القول ذاته.
وتعود الصحراء علامة على القسوة والانكشاف، خاصة حين يصف السارد الأشعة بأنها «ترشقني بالسهام الحارقة»، وهي صورة تجعل من الشمس قوة هجومية. وفي المقابل تظهر الطيور بوصفها رمزًا للحياة والحركة والإمكان، غير أن القصة تقلب هذا الرمز حين تضعنا أمام طيور ملوّنة تُلتقط ثم يُهال عليها الرمل، فيتحول الجمال إلى ضحية والحرية إلى موضوع للوأد. وهنا تتجلى وظيفة السرد التأويلية: إنه يخبرنا بما حدث ويدفعنا إلى فهم أن ما يحدث هو صراع بين الحياة والقهر، وبين الانطلاق والدفن، وبين الإمكان وإجهاضه. وتبلغ هذه التأويلية ذروتها في الخاتمة حين يعلن النص: «وعين الماء التي تفجرت تحت كفي المضرجة بالدم»، وهي لحظة تُقرأ بوصفها انبجاسًا للمعنى من داخل الجرح وتحولًا للألم نفسه إلى شرط للولادة.
القلق الوجودي
يمكن استحضار أبي حيان التوحيدي، الأديب والفيلسوف العربي، هنا بوصفه شاهدًا على قلق الذات المفكرة حين تجد نفسها بين هشاشة العالم وطلب المعنى. فالتوحيدي كثيرًا ما يكتب الإنسان بوصفه كائنًا معذبًا بالوعي ومحاصرًا بين عقل يريد الفهم وعالم يفيض بالتناقض والخيبة. وفي «مخاض» نجد هذه الروح في ذات الراوي التي لا تستسلم للعطش وحده، بل تنزع إلى موقف أخلاقي حين ترى وأد الطيور فتغضب. وهذا الغضب يعيد إلى الإنسان كرامته الفكرية، لأن التوحيدي في عمقه كان يرى أن قيمة الإنسان تقوم على الوعي والقلق والسؤال.
ومن هذا المنظور يصبح فعل تحرير الطيور فعلًا توحيديًا بمعنى مقاومة القبح والفظاعة باسم معنى أعلى للحياة. فالراوي، رغم ضعفه، ينتقل إلى منطقة الموقف الأخلاقي، وهي لحظة تجعل النص يتجاوز الحكاية إلى الفلسفة. إن القلق هنا علامة يقظة داخل العالم المنهار، وكأن الإنسان يثبت إنسانيته حين يرفض أن يتصالح مع المشهد الوحشي المحيط به.
فوكو والسلطة
أما في ضوء فوكو فتتضح لنا بنية السلطة داخل القصة بجلاء أكبر. ففوكو يشرح كيف انتقلت السلطة الحديثة من الإيذاء المباشر إلى إدارة الأجساد وتطويعها عبر المراقبة والتطبيع والإخضاع، ويؤكد أن السلطة تعمل بالقمع كما تعمل بإنتاج أجساد مطواعة ومنضبطة. وفي «مخاض» نرى شكلًا من هذا المنطق حيث تُجمع الطيور وتُقيد وتُدفن، ويقع الراوي نفسه في فخ يُحكم عليه بالسحق. إننا أمام فضاء تتحول فيه الحياة إلى موضوع للتدبير القسري.
والأهم أن فعل الرجل الهرم يبدو منظمًا؛ فهو يدفن الطيور ويعد قبورًا ويستخدم الصفير والجماعات الجارحة، أي إن السلطة هنا شبكة عمليات لا مجرد عنف مباشر. وهذا قريب من تصور فوكو للسلطة بوصفها متغلغلة في التفاصيل، لا في المركز فقط. والطيور الجارحة التي تنهش رأس الراوي في النهاية تعمق هذا التصور، لأن النص يقدم بنية قهر تتوزع على المستويات كلها.
كونت وحدود التفسير
إذا انتقلنا إلى أوغست كونت وجدنا بعدًا آخر للمقاربة هو بعد تفسير العالم بين الميتافيزيقي والإيجابي. فكونت اشتهر بنزعته الوضعية وبسعيه إلى تفسير الظواهر تفسيرًا قائمًا على الملاحظة والانتظام، مع ربطه بين تطور الفكر البشري ومراحله الثلاث: اللاهوتية، والميتافيزيقية، ثم الوضعية العلمية.
في هذا السياق يمكن القول إن «مخاض» تقاوم القراءة الوضعية الصرفة، لأنها نص يشتغل على الرمز والقلق واللايقين. ومع ذلك يظل كونت مفيدًا من جهة لفت الانتباه إلى حاجة الإنسان إلى النظام والمعنى، إذ يعرض النص عالمًا فقد انتظامه: ماء مفقود، وطيور تُوأد، وسلطة غامضة، وخلاص يتفجر من الجرح لا من القانون. وهنا نرى أن النص يتجاوز الوضعية نحو سؤال يفضح حدود التفسير المادي الخالص.
يرى الكاتب المخاض في هذه القصة بوصفه تجربة وجودية تتجاوز معناها الطبيعي المرتبط بالولادة الجسدية، ليحوله إلى حالة احتدام بين الفناء والانبعاث، وبين العدم وإمكان المعنى. فالمخاض هنا لا يحدث في جسد امرأة، بل في جسد الوجود نفسه، وفي وعي الشخصية التي تُلقى في صحراء قاسية، تختزل فيها الحياة إلى حاجة واحدة هي الماء. ومن خلال هذا الاختزال يدفع الكاتب الشخصية إلى أقصى درجات العري الوجودي، حيث يتلاشى كل فائض ويبقى الصراع من أجل البقاء، وهو ما يجعل المخاض تجربة داخلية قاسية تولد من الألم والاختناق.
وقد نجح الكاتب في تحويل هذا المفهوم إلى بعد وجودي عبر ربطه بالفعل الأخلاقي؛ فالشخصية، رغم إنهاكها، لا تنغلق على نجاتها الفردية، بل تدخل في صراع مع سلطة القهر المتمثلة في الرجل الهرم وتحاول تحرير الطيور. هنا يتحول المخاض إلى لحظة اختيار، وإلى اختبار لإنسانية الإنسان في أقسى الظروف. كما يبلغ هذا التحول ذروته في النهاية، حين يتفجر الماء من تحت يد الراوي المضرجة بالدم، في إشارة رمزية واضحة إلى أن الولادة لا تتحقق إلا عبر الجرح، وأن المعنى ينبثق من قلب المعاناة. وبذلك يقدم الكاتب المخاض بوصفه سيرورة وجودية تبدأ بالألم وتمر بالمقاومة وتنتهي بالانبجاس، أي انتقالًا من حالة العدم إلى إمكانية المعنى.
الولادة الوجودية
تستدعي هذه التجربة السردية في «مخاض» أصداءً واضحة من تجربة حيّ بن يقظان لابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي العربي، من حيث بناء المعرفة عبر المعاناة والعزلة، ومن حيث تحوّل التجربة الفردية إلى مسار فلسفي لاكتشاف المعنى. فكما وُضع حيّ في جزيرة معزولة منقطعًا عن المجتمع ليبني وعيه تدريجيًا عبر التجربة والتأمل، نجد بطل «مخاض» ملقى في صحراء قاسية مجردًا من كل سند، ومضطرًا إلى مواجهة الوجود في حالته الخام.
ويكمن الفارق الجوهري في طبيعة المخاض نفسه. فبينما يتجه حيّ بن يقظان نحو معرفة عقلية تصاعدية تنتهي إلى إدراك كوني منسجم، يسلك بطل «مخاض» طريقًا أكثر قسوة وتوترًا، حيث تتشكل المعرفة عبر الألم الجسدي والتهديد الوجودي المباشر. إن المعرفة هنا تُبنى بالصراع مع العطش والموت والقهر، ولذلك فإن المخاض في القصة يمثل لحظة ولادة عنيفة للوعي تفضي إلى انكشاف هشاشة الإنسان وإمكان انبعاثه في آن.
بهذا المعنى يمكن القول إن «مخاض» تعيد كتابة تجربة «حيّ بن يقظان» في أفق حديث، حيث تتحول العزلة من شرط للمعرفة إلى اختبار للإنسانية، ويتحوّل الاكتشاف من تأمل عقلي إلى انبجاس وجودي يولد من قلب الألم.
اللغة والتحول
من أهم نقاط القوة في القصة أسلوبها نفسه، لأن اللغة لا تكتفي بوصف الألم، بل تنسجه نسجًا إيقاعيًا يجعل القارئ يعيشه. فالعبارات الطويلة المتلاحقة، وكثرة الأفعال، وتوالي الصور الحسية مثل «الظمأ والجوع والإعياء» و«الرمال الناعمة» و«الأشعة التي ترشقني بالسهام الحارقة» تمنح النص توترًا داخليًا يوازي توتر التجربة. كما أن التشبيهات لا تأتي للتزيين، بل لتكثيف الإحساس بالتهديد، مثل تشبيه الشمس بـ«طير أبابيل مسلطة عليّ وحدي»، وهي صورة تنقل القسوة من المستوى الطبيعي إلى مستوى شبه كوني.
ثم إن الجملة الأخيرة تشكل ذروة بلاغية وفلسفية معًا: «وعين الماء التي تفجرت تحت كفي المضرجة بالدم». هنا ينقلب الرمل إلى رحم، والدم إلى شرط للانبجاس، والمحنة إلى ولادة. وهذه هي اللحظة التي تجعل عنوان «مخاض» عنوانًا دقيقًا، لأن المخاض عبور من حال إلى حال، ومن الانغلاق إلى الانفتاح. ومعنى ذلك أن النص يصف الألم بوصفه شرطًا لتحول أعمق، أي لتحول الإنسان نفسه من مجرد كائن تحت الضغط إلى ذات تختبر المعنى عبر الجرح.
كما أن البنية السردية في «مخاض» تقوم على التحول التدريجي من العجز إلى الفعل، ومن الاستلاب إلى المبادرة. فالشخصية لا تبقى أسيرة الجوع والعطش، بل تتحول في لحظة حاسمة إلى ذات فاعلة تختار أن تواجه القهر بدل أن تستسلم له، وهذه النقلة تمنح النص عمقه الإنساني الحقيقي. ومن هنا فإن المخاض لا يقتصر على لحظة ظهور الماء، بل يبدأ من داخل الوعي نفسه حين يكتشف الإنسان أن نجاته لا تكتمل إلا بموقف أخلاقي يسبق الخلاص المادي.
خاتمة
في ضوء هذه المقاربات يمكن القول إن «مخاض» قصة عن الوجود حين يبلغ حده الأقصى، وعن الإنسان حين يواجه العطش والقهر معًا، فيتحول البحث عن الماء إلى بحث عن الحرية والمعنى. وتُظهر القصة أن الحياة تنكشف في لحظة الانكسار التي تفضح ما هو أعمق من الألم، وهي قدرة الإنسان على أن يتخذ موقفًا أخلاقيًا حتى وهو محاصر بالهلاك.
ولعل القيمة الكبرى في النص أنه يجمع بين أفقين متعارضين: أفق العدم وأفق الولادة. ومن ثم تمنح القصة المعنى حالة تشكل دائم وتضع السرد نفسه أفقًا للتفكير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...