كاظم حسن سعيد - حوار حول رواية حياة الصبايا والنساء لمونرو‏).

في المشهد الثقافي اليوم، كثيراً ما نفتقد السجال النقدي الرصين الذي يبتعد عن المجاملة ويفكك الأفكار بعمق. بعد نشري لفقرة "قراءة في كتاب" حول رواية (صبايا ونساء) لأليس مونرو، دار بيني وبين الصديق الأستاذ والناقد محمد بسام العمري حوار أدبي رفيع المستوى؛ حيث قدم تعقيباً تفكيكياً ناقش فيه زوايا التأويل، وقابلتُه برؤية تكميلية تدافع عن شغف القراءة الأولى.

أشارككم هنا نص تعقيبه الذكي متبوعاً بردي عليه، كنموذج لما يجب أن يكون عليه الحوار الحيوي الذي يثري النص ويمنح الفضاء الأزرق قيمته الحقيقية:

..............
علق الاستاذ محمد بسام العمري

أرى أن هذه القراءة تحتوي على ملاحظات دقيقة، لكنها أيضًا تميل إلى المبالغة في بعض المواضع، وخصوصًا عندما تحوّل شخصية الأم إلى "نبيّة" تستشرف المستقبل.
من الصحيح أن "صبايا ونساء" (Lives of Girls and Women) عمل يقع على الحدود بين الرواية والمجموعة القصصية؛ ففصوله يمكن قراءتها كقصص مستقلة، لكنها مترابطة من خلال شخصية ديل ونموها. لذلك يصفه كثير من النقاد بأنه رواية في قصص مترابطة (novel-in-stories)، وليس مجرد مجموعة قصصية.
ومن الصحيح أيضًا أن أليس مونرو كرّست مكانة القصة القصيرة، وأن جائزة نوبل عام 2013 وصفتها بأنها "سيدة القصة القصيرة المعاصرة".
أما الجزء الخاص بالأم (إيلين جوردان)، ففيه جانب من الحقيقة، لكن القراءة تستخدم لغة تقريرية أكثر مما يحتمله النص.
فالأم بالفعل:
تؤمن بتعليم المرأة واستقلالها الفكري والاقتصادي.
تنظر بريبة إلى الزواج بوصفه المصير الوحيد للمرأة.
تشجع ديل على أن تصنع حياة تختلف عن النمط السائد في البلدة.
لكن القول إنها "تنبأت بتحولات العصر" أو قدمت "مانيفستو" قد يكون قراءة تأويلية أكثر من كونه وصفًا لما يقدمه النص مباشرة. مونرو عادة لا تكتب شخصياتها بوصفها حاملة لرسائل أيديولوجية واضحة، بل تجعلها متناقضة، محدودة، وأحيانًا مخطئة. إيلين نفسها شخصية مثيرة للجدل؛ فهي مثقفة ومتحررة نسبيًا، لكنها قد تبدو متصلبة أو مثالية أو حتى منفصلة عن واقع مجتمعها.
وهذا يقود إلى نقطة مهمة في أدب مونرو: قوتها ليست في إطلاق "نبوءات"، بل في كشف تعقيد الحياة اليومية. شخصياتها لا تمثل أفكارًا مجردة بقدر ما تجسد تناقضات البشر. لذلك يمكن أن نقرأ كلام الأم باعتباره:
رؤية تقدمية سبقت بيئتها.
أو تعبيرًا عن خيبة امرأة اصطدمت بقيود المجتمع.
أو مزيجًا من الأمرين.
كما أن العبارة الأخيرة:
"التقطتها الابنة بذكاء لتصنع منها درعًا يحمي مستقبلها..."
جميلة أدبيًا، لكنها ليست استنتاجًا حتميًا من الرواية. فديل لا تتبنى أفكار أمها بصورة كاملة؛ بل علاقتها بها معقدة، تتأرجح بين الإعجاب والتمرد والشك، وهذا التعقيد هو أحد أسباب تميز العمل.
هذه قراءة أدبية جيدة ومتحمسة، وأوافقها في نحو 70–80% من أفكارها، لكنها تستخدم لغة يقينية واحتفالية ("تنبؤات"، "مانيفستو"، "صرخة تحذيرية"، "درع يحمي المستقبل") أكثر مما تسمح به طبيعة نصوص مونرو، التي تقوم على الإيحاء والاحتمال والتعدد في التأويل، لا على الرسائل المباشرة أو النبوءات. وهذا يجعلها أقرب إلى مقالة تأويلية منها إلى قراءة نقدية موضوعية.
محمد بسام العمري
........
الأستاذ الناقد القدير محمد بسام العمري،

أحييك على هذه القراءة التفكيكية الحاضرة والعميقة، وأشكرك على هذا السجال النقدي الذي يفتقده الفضاء الأزرق اليوم. تفكيكك لنسبة الـ 20% المتبقية من الاختلاف ينم عن قراءة واعية جداً لخصوصية السرد عند أليس مونرو.

أتفق معك تماماً في أن مونرو ليست كاتبة "مانيفستوهات" أو شعارات جاهزة، وأن قوتها تكمن في التقاط التناقض البشري لا في صناعة النبوءات الإيديولوجية. ولكن، دعني أدافع قليلاً عن تلك "اللغة الاحتفالية واليقينية" التي التمستَها في منشوري من خلال نقطتين:
زاوية التأويل (بين النقد والامتصاص العاطفي): في فقرة "قراءة في كتاب"، أتقمص أحياناً دور القارئ الشغوف الذي يمتص الصدمة الأولى للنص. تحويل الأم (إيلين) إلى ما يشبه "النبية" أو اعتبار كلامها "مانيفستو" لم يكن وصفاً لبنية الشخصية بقدر ما هو رصدٌ للأثر الصادم والمبهر الذي تركته هذه الشخصية في بيئة بلدة (اليوبيل) الضيقة والخانقة.

علاقة (ديل) بأمها: أوافقك تماماً على أن العلاقة بينهما معقدة، وتتأرجح بين التمرد والقبول. وحين قلتُ إنها "التقطتها لتصنع درعاً"، فالمقصود أن حتى تمرد ديل وشكّها في أمها كان هو النواة الأولى لوعيها المستقل، فالدرع هنا ليس تكراراً لنسخة الأم، بل هو وعي ديل بضرورة ألّا تقع في ذات الفخ الوجودي الذي وقعت فيه إيلين.
ملحوظتك حول أن النص يقوم على "الإيحاء والاحتمال" وليس الرسائل المباشرة هي عين الحقيقة ومربط الفرس في أدب مونرو. وقراءتك لتعليقي باعتباره "مقالة تأويلية" هو وصف دقيق أسعد به، فالتأويل هو المساحة التي نترك فيها لأنفسنا حرية الشغف بالنص.

ممتن جداً لهذا الثراء النقدي الذي أهديتني إياه، ويسعدني دائماً هذا الحوار المثمر.

كل التقدير والمودة،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...