هدى حجاجي - حين يصبح العناق مقاومةً للحرب... قراءة نقدية في نص: «عناق تحت ظل القلق» للكاتبة حنين (نارين حميد)

ثمة نصوص لا تعتمد على الحدث بقدر اعتمادها على الإحساس، ولا تسعى إلى إثارة القارئ بالمفاجآت، بل تضعه مباشرة أمام قلبٍ يرتجف في مواجهة عالم مضطرب. ونص «عناق تحت ظل القلق» ينتمي إلى هذا النوع من الكتابة الوجدانية التي تنطلق من تجربة إنسانية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها أسئلة كبرى عن الخوف والحب والحرب ومعنى الأمان.

منذ الجملة الأولى تدخل الكاتبة إلى المشهد دون مقدمات طويلة:

"أجلس في زاوية الغرفة، والظلام يزحف ببطء نحو النوافذ، تماماً كما يزحف القلق إلى روحي."

هنا لا يصبح الظلام مجرد حالة زمنية مرتبطة بقدوم الليل، بل يتحول إلى كائن رمزي يوازي القلق الداخلي. إن الكاتبة لا تصف المكان بقدر ما تصف النفس، ولهذا جاء التوازي بين زحف الظلام وزحف القلق موفقًا في بناء الحالة الشعورية للنص.

وتزداد هذه الرؤية عمقًا حين تتحدث عن الماضي والمستقبل. فالماضي لا يظهر بوصفه ذكرى جميلة أو تجربة منتهية، بل كندوب ما تزال حية، بينما يبدو المستقبل ضبابًا كثيفًا تخفي خلفه الحرب وجهها الغامض. وهذه الثنائية بين الماضي الجريح والمستقبل المهدد تضع الشخصية في منطقة وسطى معلقة بين ألم ما كان وخوف ما سيكون.

ولعل أجمل ما في النص أن الكاتبة لا تجعل الحرب موضوعًا سياسيًا أو حدثًا عسكريًا، بل تحولها إلى تجربة إنسانية خالصة. فالحرب هنا لا تُرى من خلال الدبابات أو أصوات الانفجارات، وإنما من خلال أم تنظر إلى طفلها النائم وتتساءل بخوف:

"هل ستسمح لي الحياة بأن أستنشق هذا العطر غداً؟"

في هذه الجملة تختزل الكاتبة مأساة الإنسان في مناطق الصراع. إنها لا تخاف الموت بوصفه نهاية شخصية فقط، بل تخاف أن تُحرم من أبسط التفاصيل الإنسانية: رائحة طفل، قبلة على الجبين، يوم عادي بلا قلق.

ويبلغ النص ذروته الشعورية حين تتحول القبلات إلى صلوات صامتة. هنا يخرج النص من الوصف إلى التأمل الوجودي. فالأم لا تملك سلاحًا، ولا تملك قدرة على تغيير مسار الأحداث الكبرى، لكنها تملك الحب. والحب في هذا النص يصبح فعل مقاومة في وجه الخراب.

كما يلفت الانتباه ذلك السؤال العميق:

"ما لي وللخرائط السياسية؟"

وهو سؤال يتجاوز حدود الشخصية ليصبح سؤال الإنسان البسيط في كل مكان. فالذين يدفعون ثمن الحروب غالبًا ليسوا من يرسمون خرائطها أو يقررون مساراتها، بل أولئك الذين يحلمون فقط بحياة هادئة وآمنة.

أما من الناحية الفنية، فقد اعتمد النص على لغة شاعرية شفافة دون أن تسقط في المبالغة. جاءت الصور نابعة من التجربة نفسها، مثل عطر الشعر، والقدر المعلق على حافة قذيفة، والعناق الذي يتحول إلى ملاذ أخير. وهذه الصور لم تكن زينة لغوية، بل جزءًا من البناء النفسي للنص.

كما نجحت الكاتبة في توظيف التضاد بين عناصر عدة: الظلام والطفولة، الحرب والعناق، الخوف والحب، الموت والحياة. ومن خلال هذه الثنائيات تشكلت البنية العاطفية للنص، فبدت كل صورة وكأنها تحاور نقيضها.

وفي النهاية لا يقدم النص حلولًا، ولا يرفع شعارات، ولا يدعي امتلاك الإجابات. إنه يكتفي بإظهار الإنسان في لحظة ضعفه وصدقه الكامل. وهذه من أهم نقاط قوته؛ لأن الأدب الحقيقي لا يفرض المواقف بقدر ما يكشف هشاشة الإنسان وجماله في آن واحد.

إن «عناق تحت ظل القلق» ليس نصًا عن الحرب فحسب، بل عن الأمومة بوصفها آخر حصون الأمل، وعن الحب حين يصبح وسيلة للبقاء، وعن الإنسان الذي يتمسك بعناق صغير في مواجهة عالم كبير من الخوف. ولهذا يخرج القارئ من النص وهو لا يتذكر مشهد الحرب، بقدر ما يتذكر ذلك الطفل النائم، وذلك القلب الذي يحاول أن يحميه بالحب من قسوة العالم.

قراءة نقدية:الكاتبة هويدا حجاجي أحمد





_________________€€€€€________




عناق تحت ظلِّ القلق
أجلسُ في زاوية الغرفة، والظلامُ يزحفُ ببطءٍ نحو النوافذ، تماماً كما يزحفُ القلقُ إلى روحي. الماضي ليس مجرد ذكريات، بل ندوبٌ حيّة تشدُّني إلى الخلف كلما حاولتُ الخطو نحو الأمام، والمستقبل ضبابٌ كثيفٌ يخفي وراءه ملامح حربٍ كُتِبَت بلغةٍ لا نتقنها، حربٍ تجعلُ من الإنسان وقوداً لنيرانٍ لم يشعلها.

أنظرُ إلى طفلي النائم بهدوء، كأنه القطعة الوحيدة الناجية من هذا العالم المحترق. أضمّه إلى صدري بقوة، وأغرقُ في عطر شعره الصغير؛ أستنشقُه كأنني أخزن رائحته في رئتيّ للأبد... هل ستسمح لي الحياة بأن أستنشق هذا العطر غداً؟

تتحول قبلاتي على جبينه إلى صلواتٍ صامتة. يغدو الخروجُ من عتبة الدار مقامرةً كبرى، والقدرُ خيطاً واهناً معلقاً على حافة قذيفةٍ طائشة أو صراعٍ غريب. ما لي وللخرائط السياسية؟ ما لي ولانتصاراتٍ تُعمّد بالرماد؟ كل ما أطلبه هو حقي البسيط في أن أكبر مع طفلي، وأن أراه يمشي في شوارعٍ لا يغطيها غبار الحروب.

بين ذكريات الماضي المريرة وغموض المستقبل المخيف، يظلُّ ذلك العناق هو ملاذي، والحقيقة الصارخة في عالمٍ من الأوهام والدمار.

...........
بقلم :حنین (نارین حمید )
کوردستان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...