في كانون الأول من عام 1917، دخل الجنرال البريطاني إدموند ألنبي القدس.
كانت فلسطين تخرج من ظل الدولة العثمانية، لتدخل زمناً استعمارياً جديداً لم تكن تعرف كم سيطول.
وفي طولكرم، كان طفل في الثامنة من عمره يتعلم الحروف الأولى.
اسمه عبد الكريم الكرمي.
لم يكن يعرف أن الجندي الذي دخل القدس سيغيّر مصير بلاده، وأنه سيقضي حياته كلها محاولاً أن يعيد فلسطين إلى نفسها... بالكلمة.
لكن فلسطين، يومها، لم تكن مجرد أرض تتبدل فوقها الأعلام.
كانت مدناً وقرى تعرف طريقها إلى الحياة؛ مدارس ومعاهد، وصحفاً ومطابع، وأندية أدبية ومسارح، ومساجد وكنائس، وأسواقاً تعج بالتجار والحرفيين والطلاب.
كان شعباً يبني حياته ووعيه وثقافته، بينما كانت السياسة الاستعمارية تستعد لاقتلاع كل ذلك.
كان البيت الذي ولد فيه عبد الكريم الكرمي لا يشبه بقية البيوت.
كان الأب، الشيخ سعيد الكرمي، يوقظ الكلمات قبل أن يستيقظ الناس، ويعامل الحروف كما يعامل الفلاح زيتونته؛ يعرف أي كلمة تحتاج إلى ضوء، وأي جملة تحتاج إلى ماء.
كبر عبد الكريم وهو يرى والده يناقش النحو كما يناقش الآخرون شؤون السياسة، ويرى الشعر يدخل البيت دون استئذان، فيجلس إلى المائدة كفرد من العائلة.
ربما لهذا لم يختر الشعر. الشعر هو الذي اختاره.
وفي دمشق، حدثت الحكاية التي لا يعرفها كثيرون.
لم يكن له ابنة اسمها سلمى. ولم يكن أباً أصلاً.
كل ما في الأمر أن شاباً في الخامسة عشرة كتب قصيدة حب، نادى فيها فتاةً اسمها سلمى.
انتهت القصيدة... وبقي الاسم.
ضحك الأصدقاء، وأصبحوا ينادونه: أبو سلمى.
لم يكن أحد يعرف أن هذا الاسم سيغادر الغزل بعد سنوات، ليدخل تاريخ فلسطين.
لكن دمشق لم تمنحه اسمه الشعري وحده.
في نيسان من عام 1925، جاء اللورد بلفور إلى المدينة؛ الرجل الذي حمل اسمه الوعد الذي فتح أبواب فلسطين أمام المشروع الصهيوني.
خرج الطلاب إلى الشوارع احتجاجاً.
وكان عبد الكريم بينهم.
لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة، لكنه كان قد فهم باكراً أن السياسة ليست خبراً يُقرأ في الصحيفة، بل قوة تستطيع أن تدخل بيتك، وتغيّر اسم شارعك، وتقرر لمن تصبح أرضك.
شارك أيضاً في الإضرابات المناهضة للانتداب الفرنسي والمتضامنة مع الثورة السورية.
هناك، في شوارع دمشق، لم يولد أبو سلمى الشاعر فقط... ولد المواطن الذي سيعرف، منذ شبابه، أن الاستعمار يتبدل اسمه وزيه العسكري، لكنه لا يغيّر أطماعه.
ثم جاءت هبّات القدس عام 1929، وثورة البراق.
لم تكن مجرد اضطرابات في الشوارع. كانت لحظة نضج لجيل كامل. لحظة أدرك فيها الفلسطينيون أن الانتداب البريطاني ليس وصاية مؤقتة، بل احتلال طويل النفس.
في تلك الأيام، كان أبو سلمى شاباً في العشرين. لم يكن في قلب المعركة، لكن المعركة كانت تدخل قلبه، كلمةً كلمة.
في القدس، لم يكن أبو سلمى مجرد مدرس.
كان يرى في كل طالب مشروع مواطن، وفي كل درس فرصة لزرع سؤال.
كان يدرك أن الاحتلال لا يبدأ باحتلال الأرض... بل باحتلال اللغة.
ولهذا، كان يحرص أن تبقى العربية مرفوعة الرأس، كما تبقى الراية في ساحة المعركة.
وفي أواسط الثلاثينيات، فيما كانت فلسطين تتقدم نحو انفجارها الكبير، شرعت سلطات الانتداب في تشييد قصر المندوب السامي على جبل المكبر.
رأى أبو سلمى في المبنى الجديد حجراً يوضع فوق صدر فلسطين.
فكتب قصيدته "جبل المكبّر يا فلسطين":
جبلُ المكبّرِ طال نومُكَ فانتبهْ
قُمْ واسمعِ التكبيرَ والتهليلا
جبلُ المكبّرِ لن تلينَ قناتُنا
حتى نحطّمَ فوقكَ الباستيلا
لم يكن يخاطب جبلاً صامتاً، بل كان يحاول إيقاظ تاريخٍ كامل؛ مستدعياً اسم الجبل وذاكرته في مواجهة القصر الذي أقامه الانتداب فوقه، وشبّهه في قصيدته بسجن الباستيل.
خرجت الكلمات من قلبه كالطلقة، لكنها كانت أسرع من الرصاص. انتقلت إلى المقاهي والمدارس وأفواه الشباب، وصارت تُتلى كالخطب.
اكتشف البريطانيون حقيقة لم تكن في تقاريرهم: الشاعر قد يكون أخطر من المقاتل. المقاتل يصيب جندياً، أما الشاعر فيوقظ شعباً.
فصلوه من عمله سنة 1936.
ظنوا أن قطع راتبه سيقطع صوته.
لكنهم لم يعرفوا أن بعض الرجال، حين يخسرون وظائفهم، يكسبون رسالتهم.
ثم جاء دور إذاعة القدس.
كانت المرة الأولى التي يكتشف فيها أن القصيدة تستطيع أن تسافر أسرع من صاحبها.
دخل الإذاعة، وهناك التقى إبراهيم طوقان.
لم يجلس شاعران إلى طاولة واحدة، بل جلس صوتان يعرفان أن البلاد تمضي نحو عاصفة.
كانت الإذاعة تنقل الأخبار، أما هما فكانا ينقلان الأمل بين خبرين.
كانا يعرفان أن الناس لا يحتاجون إلى من يخبرهم بما يحدث فقط، بل إلى من يمنحهم سبباً لكي يصمدوا.
تخرّج في معهد الحقوق سنة 1941، ثم انتقل إلى حيفا، حيث فتح مكتبه وزاول المحاماة حتى النكبة عام 1948.
لم يبحث عن مكتب في شارع هادئ.
اختار حيفا. ليس لأنها أجمل مدن فلسطين، بل لأنها كانت تقف على خط النار.
في الصباح، كان محامياً أنيقاً يحمل ملفات القضايا. وما إن تغلق المحكمة أبوابها، حتى يعود شاعراً يحمل ملفات وطن كامل.
لم يكن موكلوه تجاراً، بل كان بينهم مناضلون فلسطينيون اتُهموا في قضايا متصلة بالثورة ومقاومة الانتداب.
كان يدخل المحكمة وهو يعرف أن الحكم قد كُتب قبل الجلسة، لكنه كان يدافع. ليس لينتصر، بل لأنه يؤمن أن الدفاع عن المظلوم واجب، حتى حين تعرف أن القاضي يقف في الجهة الأخرى من التاريخ.
وكانت حيفا، في تلك السنوات، أكثر من ميناء ومدينة جميلة.
كانت واحدة من عواصم الوعي الفلسطيني.
في صحافتها ومقاهيها وأنديتها الثقافية، كانت تنمو أصوات ستترك أثرها طويلاً؛ من بينها إميل توما، الذي سيذهب إلى التاريخ باحثاً ومؤرخاً، وإميل حبيبي، الذي سيجعل من الرواية والسخرية طريقة أخرى لمقاومة المحو.
كانوا أبناء مدينة واحدة ومرحلة واحدة. اختلفت أدواتهم، لكن فلسطين كانت النص الذي يكتبونه جميعاً.
ثم جاء ذلك الصباح.
لم تستيقظ حيفا كما كانت تستيقظ دائماً. البحر في مكانه، وأشجار الكرمل تعانق السماء، والموج يواصل ملامسة الصخور. كل شيء طبيعي... إلا البشر.
الخوف يسير في الشوارع قبل الناس. الأخبار تصل أسرع من السيارات. حي سقط، وحي يقاوم، وعائلة غادرت، وأخرى تنتظر.
دخل أبو سلمى مكتبه كعادته. لم يحمل حقائب سفر، ولم ينظر إلى المكان بعين الوداع. كان يظن، مثل آلاف الفلسطينيين، أن الأمر لن يطول. أيام، أسبوع، ربما أسبوعان... ثم يعود كل شيء.
توقف أمام مكتبته. مرر أصابعه على الكتب. كل كتاب حمل أثراً من حياته: ملف قضية، مخطوطة قصيدة، رسائل من أصدقاء، صور، أوراق كتب عليها أفكاراً لقصائد لم تولد بعد.
لم يحمل شيئاً منها.
من يحمل مكتبته إذا كان سيعود بعد أسبوعين؟
اقترب من النافذة. حيفا تمتد أمامه كما عرفها دائماً. مدينة لا تشبه المدن. كل شارع يقود إلى البحر، وكل نسمة تحمل رائحة البرتقال.
ظل ينظر طويلاً، يحفظ المدينة عن ظهر قلب: لون الحجر، ظل الشرفة، صوت الباعة. حتى الضوء كان مختلفاً في ذلك اليوم.
ثم أغلق النافذة. رتب الأوراق. وقف عند الباب. أدار المفتاح في القفل. التفت مرة أخيرة. ابتسم ابتسامة صغيرة، تشبه وعداً سرياً بينه وبين المكان.
وقال في نفسه: بعد أسبوعين سأعود.
وأغلق الباب.
لم يكن يعرف... أنه لن يفتحه مرة أخرى.
خرج إلى الشارع. لم يحمل من حيفا إلا ما استطاعت يداه حمله. أما قلبه فبقي هناك، بين الكتب والقصائد التي لم تكتمل.
في تلك اللحظة، صار مفتاح المكتب، سواء بقي في حيفا أو حمله في ذاكرته، مفتاحاً لحيفا كلها.
ومن حيفا إلى عكا... ومن عكا إلى دمشق...
كانت الرحلة قصيرة على الخريطة. لكنها كانت أطول رحلة في حياته.
لم يكن يعرف أنه أصبح لاجئاً. كان ما يزال يظن نفسه مسافراً ينتظر موعد العودة.
مرت الأعوام.
وكلما عاد إلى ذلك الصباح، لم يكن يتذكر قطعة حديد، بل كان يرى نافذة مكتبه، والبحر، والغبار الذي تركه فوق الأوراق، والمدينة كما تركها في آخر نظرة.
لم يعد المفتاح أداة تفتح باباً، بل صار يفتح الذاكرة.
وكان يقول ما تعجز عنه الخرائط:
هنا كان لنا باب... وما زلنا نعرف الطريق إليه.
في دمشق، في غرفته المتواضعة، جلس ذات مساء أمام ورقة بيضاء.
لم يكن يبحث عن قافية، بل عن وعد. فالشعوب التي تفقد الوعد تفقد الطريق.
في الخارج، كانت دمشق تغفو. وفي الداخل، كانت فلسطين مستيقظة. كل مدينة مرت أمامه: حيفا، يافا، عكا، القدس، غزة. لم تكن أسماء على خريطة، بل وجوه، وأبواب، وأصوات مؤذنين، وأجراس كنائس، وأشجار لوز، وأطفال تركوا ألعابهم على عجل.
ثم حدث ما لا يعرفه إلا الشعراء.
لم يعد هو الذي يكتب القصيدة. القصيدة هي التي بدأت تكتبه.
خرجت الكلمات واحدةً تلو الأخرى، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ النكبة:
فلسطينُ الحبيبةُ كيف أحيا
بعيداً عن سهولك والهضابِ
تناديني السفوحُ مخضّباتٍ
وفي الآفاق آثارُ الخِضابِ
غداً سنعودُ والأجيالُ تصغي
إلى وقعِ الخطا عند الإيابِ
لم يكن يكتب عن نفسه، بل عن ملايين الفلسطينيين الذين لم يعرف أسماءهم.
وحين انتهت... لم تعد قصيدته.
خرجت من الورقة وسكنت أفواه الناس. في المخيمات، ردّدتها الأمهات كالتهويدات. في المدارس، حفظها التلاميذ قبل أسماء العواصم. في الاجتماعات، قرئت قبل الخطب.
لقد تجاوزت القصيدة صاحبها، وأصبحت ملكاً لشعب كامل.
أدرك أبو سلمى أن الشعر يربح معركته الكبرى ليس عندما يعجب النقاد، بل عندما يحفظه الأطفال. فالكتاب يبقى على الرف، أما القصيدة التي تدخل قلب طفل فلا تموت.
وفي عام 1979، نال أبو سلمى جائزة اللوتس السنوية للآداب من اتحاد كتّاب آسيا وأفريقيا.
كانت الجائزة اعترافاً بأن قصيدته لم تعد صوتاً فلسطينياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من أدب التحرر في آسيا وإفريقيا.
وفي احتفال تكريمي أقيم له في بيروت، وقف محمود درويش يخاطبه.
لم يكن شاعراً شاباً يجامل واحداً من آبائه، بل كان جيلاً يعترف بالجيل الذي مهّد له الطريق.
قال:
"يا أبا سلمى، أنتم الجذع الذي نبتت عليه أغانينا."
قال: "أنتم"... لأنه لم يكن يرى أبا سلمى وحده، بل كان يرى إلى جانبه إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، والجيل الذي أخرج القصيدة الفلسطينية من الغزل الفردي إلى الوجدان الوطني.
لم تكن العبارة مديحاً. كانت تسليماً علنياً بأن الأغصان الجديدة، مهما ارتفعت، لا تنكر الجذع الذي حملها.
كان أبو سلمى يرى في درويش غصناً جديداً في الشجرة نفسها؛ يحمل النسغ القديم، لكنه يذهب به إلى سماء أخرى.
وفي العام التالي، 1980، انتُخب رئيساً للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
لم ينظر إلى الموقع بوصفه خاتمة لمسيرته، بل بوصفه مسؤولية جديدة. كان يؤمن أن الكلمة، مثل البندقية، تحتاج إلى من يحملها بأمانة، وألا يوجهها إلى صدر شعبه.
ثم، خلال مشاركته في أحد مؤتمرات التضامن في موسكو، داهمه المرض.
نُقل إلى الولايات المتحدة للعلاج، لكن الرحلة وصلت إلى نهايتها هناك، في الحادي عشر من تشرين الأول عام 1980، بعد عملية جراحية.
مات بعيداً عن حيفا.
لكن جثمانه عاد إلى دمشق، المدينة التي استقبلت منفاه واحتضنت سنواته الطويلة.
خرجت له جنازة رسمية وشعبية، ودُفن في مقبرة الشهداء.
وبعد رحيله، مُنح وسام درع الثورة الفلسطينية، ثم وسام القدس للثقافة والفنون والآداب سنة 1990.
لكن كل الجوائز والأوسمة، في حياته وبعد غيابه، لم تستطع أن تمنحه ما ظل ينتظره... طريقاً تبدأ من دمشق، وتنتهي أمام باب مكتبه في حيفا.
أما القصيدة...
فلم تدخل القبر.
خرجت مع المشيعين، وعبرت الحدود التي لم يستطع هو عبورها. دخلت المدارس، والمخيمات، والسجون، والبيوت التي لا تملك إلا مفتاحاً، وصورة، وقصيدة.
ربما لم يعد عبد الكريم الكرمي إلى حيفا كما وعد نفسه، يوم أغلق باب مكتبه ومضى وهو يظن أن الغياب لن يتجاوز أسبوعين.
لكن القصيدة عادت.
عادت إلى المدارس التي لم يدخلها.
إلى المخيمات التي لم تكن موجودة حين غادر.
إلى السجون التي حفظ فيها الأسرى كلماته.
وإلى أطفالٍ وُلدوا بعد رحيله بسنوات، فعرفوا فلسطين من صوته قبل أن يروها بأعينهم.
عاد أبو سلمى كلما نطق فلسطيني باسم مدينة حُرم منها.
وكلما رفعت أمٌّ مفتاح بيت لم يعد موجوداً على الخريطة.
وكلما وقف شاعر شاب أمام ورقة بيضاء، وشعر أن عليه أن يحمل وطناً كاملاً في جملة.
لهذا، لم يكن المفتاح هو الشيء الوحيد الذي تركه أبو سلمى خلفه.
ترك باباً مفتوحاً في الذاكرة.
وترك قصيدة تعرف الطريق، حتى حين تضيع الطرق.
أما الفيلم الذي حمل اسمه، «زيتونة فلسطين»، فقد استولى عليه الاحتلال في بيروت قبل أن يصل إلى الشاشة.
ظنوا أنهم حين أخذوا أشرطته، أخذوا أبا سلمى معه.
لكنهم لم يفهموا أن الأفلام قد تُسرق... أما الذاكرة فلا.
وأن الشاعر الذي عاش عمره كله يقول: سنعود، لا يمكن أن تنتهي حكايته عند قبر، ولا داخل علبة فيلم مفقودة.
ففي كل مرة تُقرأ فيها قصيدة لأبي سلمى، تفتح نافذة في حيفا.
وفي كل مرة يسأل طفل فلسطيني: من كان عبد الكريم الكرمي؟ يعود الرجل خطوة أخرى.
ربما لم يفتح أبو سلمى باب مكتبه من جديد.
لكن قصيدته ظلّت تطرق الباب نيابةً عنه.
وستظل تطرقه...
حتى يأتي يوم لا يعود فيه المفتاح رمزاً للغياب، بل صوتاً صغيراً في قفلٍ قديم...
ثم يُفتح الباب.
يحيى بركات
12/7/2026
Voir moins
كانت فلسطين تخرج من ظل الدولة العثمانية، لتدخل زمناً استعمارياً جديداً لم تكن تعرف كم سيطول.
وفي طولكرم، كان طفل في الثامنة من عمره يتعلم الحروف الأولى.
اسمه عبد الكريم الكرمي.
لم يكن يعرف أن الجندي الذي دخل القدس سيغيّر مصير بلاده، وأنه سيقضي حياته كلها محاولاً أن يعيد فلسطين إلى نفسها... بالكلمة.
لكن فلسطين، يومها، لم تكن مجرد أرض تتبدل فوقها الأعلام.
كانت مدناً وقرى تعرف طريقها إلى الحياة؛ مدارس ومعاهد، وصحفاً ومطابع، وأندية أدبية ومسارح، ومساجد وكنائس، وأسواقاً تعج بالتجار والحرفيين والطلاب.
كان شعباً يبني حياته ووعيه وثقافته، بينما كانت السياسة الاستعمارية تستعد لاقتلاع كل ذلك.
كان البيت الذي ولد فيه عبد الكريم الكرمي لا يشبه بقية البيوت.
كان الأب، الشيخ سعيد الكرمي، يوقظ الكلمات قبل أن يستيقظ الناس، ويعامل الحروف كما يعامل الفلاح زيتونته؛ يعرف أي كلمة تحتاج إلى ضوء، وأي جملة تحتاج إلى ماء.
كبر عبد الكريم وهو يرى والده يناقش النحو كما يناقش الآخرون شؤون السياسة، ويرى الشعر يدخل البيت دون استئذان، فيجلس إلى المائدة كفرد من العائلة.
ربما لهذا لم يختر الشعر. الشعر هو الذي اختاره.
وفي دمشق، حدثت الحكاية التي لا يعرفها كثيرون.
لم يكن له ابنة اسمها سلمى. ولم يكن أباً أصلاً.
كل ما في الأمر أن شاباً في الخامسة عشرة كتب قصيدة حب، نادى فيها فتاةً اسمها سلمى.
انتهت القصيدة... وبقي الاسم.
ضحك الأصدقاء، وأصبحوا ينادونه: أبو سلمى.
لم يكن أحد يعرف أن هذا الاسم سيغادر الغزل بعد سنوات، ليدخل تاريخ فلسطين.
لكن دمشق لم تمنحه اسمه الشعري وحده.
في نيسان من عام 1925، جاء اللورد بلفور إلى المدينة؛ الرجل الذي حمل اسمه الوعد الذي فتح أبواب فلسطين أمام المشروع الصهيوني.
خرج الطلاب إلى الشوارع احتجاجاً.
وكان عبد الكريم بينهم.
لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة، لكنه كان قد فهم باكراً أن السياسة ليست خبراً يُقرأ في الصحيفة، بل قوة تستطيع أن تدخل بيتك، وتغيّر اسم شارعك، وتقرر لمن تصبح أرضك.
شارك أيضاً في الإضرابات المناهضة للانتداب الفرنسي والمتضامنة مع الثورة السورية.
هناك، في شوارع دمشق، لم يولد أبو سلمى الشاعر فقط... ولد المواطن الذي سيعرف، منذ شبابه، أن الاستعمار يتبدل اسمه وزيه العسكري، لكنه لا يغيّر أطماعه.
ثم جاءت هبّات القدس عام 1929، وثورة البراق.
لم تكن مجرد اضطرابات في الشوارع. كانت لحظة نضج لجيل كامل. لحظة أدرك فيها الفلسطينيون أن الانتداب البريطاني ليس وصاية مؤقتة، بل احتلال طويل النفس.
في تلك الأيام، كان أبو سلمى شاباً في العشرين. لم يكن في قلب المعركة، لكن المعركة كانت تدخل قلبه، كلمةً كلمة.
في القدس، لم يكن أبو سلمى مجرد مدرس.
كان يرى في كل طالب مشروع مواطن، وفي كل درس فرصة لزرع سؤال.
كان يدرك أن الاحتلال لا يبدأ باحتلال الأرض... بل باحتلال اللغة.
ولهذا، كان يحرص أن تبقى العربية مرفوعة الرأس، كما تبقى الراية في ساحة المعركة.
وفي أواسط الثلاثينيات، فيما كانت فلسطين تتقدم نحو انفجارها الكبير، شرعت سلطات الانتداب في تشييد قصر المندوب السامي على جبل المكبر.
رأى أبو سلمى في المبنى الجديد حجراً يوضع فوق صدر فلسطين.
فكتب قصيدته "جبل المكبّر يا فلسطين":
جبلُ المكبّرِ طال نومُكَ فانتبهْ
قُمْ واسمعِ التكبيرَ والتهليلا
جبلُ المكبّرِ لن تلينَ قناتُنا
حتى نحطّمَ فوقكَ الباستيلا
لم يكن يخاطب جبلاً صامتاً، بل كان يحاول إيقاظ تاريخٍ كامل؛ مستدعياً اسم الجبل وذاكرته في مواجهة القصر الذي أقامه الانتداب فوقه، وشبّهه في قصيدته بسجن الباستيل.
خرجت الكلمات من قلبه كالطلقة، لكنها كانت أسرع من الرصاص. انتقلت إلى المقاهي والمدارس وأفواه الشباب، وصارت تُتلى كالخطب.
اكتشف البريطانيون حقيقة لم تكن في تقاريرهم: الشاعر قد يكون أخطر من المقاتل. المقاتل يصيب جندياً، أما الشاعر فيوقظ شعباً.
فصلوه من عمله سنة 1936.
ظنوا أن قطع راتبه سيقطع صوته.
لكنهم لم يعرفوا أن بعض الرجال، حين يخسرون وظائفهم، يكسبون رسالتهم.
ثم جاء دور إذاعة القدس.
كانت المرة الأولى التي يكتشف فيها أن القصيدة تستطيع أن تسافر أسرع من صاحبها.
دخل الإذاعة، وهناك التقى إبراهيم طوقان.
لم يجلس شاعران إلى طاولة واحدة، بل جلس صوتان يعرفان أن البلاد تمضي نحو عاصفة.
كانت الإذاعة تنقل الأخبار، أما هما فكانا ينقلان الأمل بين خبرين.
كانا يعرفان أن الناس لا يحتاجون إلى من يخبرهم بما يحدث فقط، بل إلى من يمنحهم سبباً لكي يصمدوا.
تخرّج في معهد الحقوق سنة 1941، ثم انتقل إلى حيفا، حيث فتح مكتبه وزاول المحاماة حتى النكبة عام 1948.
لم يبحث عن مكتب في شارع هادئ.
اختار حيفا. ليس لأنها أجمل مدن فلسطين، بل لأنها كانت تقف على خط النار.
في الصباح، كان محامياً أنيقاً يحمل ملفات القضايا. وما إن تغلق المحكمة أبوابها، حتى يعود شاعراً يحمل ملفات وطن كامل.
لم يكن موكلوه تجاراً، بل كان بينهم مناضلون فلسطينيون اتُهموا في قضايا متصلة بالثورة ومقاومة الانتداب.
كان يدخل المحكمة وهو يعرف أن الحكم قد كُتب قبل الجلسة، لكنه كان يدافع. ليس لينتصر، بل لأنه يؤمن أن الدفاع عن المظلوم واجب، حتى حين تعرف أن القاضي يقف في الجهة الأخرى من التاريخ.
وكانت حيفا، في تلك السنوات، أكثر من ميناء ومدينة جميلة.
كانت واحدة من عواصم الوعي الفلسطيني.
في صحافتها ومقاهيها وأنديتها الثقافية، كانت تنمو أصوات ستترك أثرها طويلاً؛ من بينها إميل توما، الذي سيذهب إلى التاريخ باحثاً ومؤرخاً، وإميل حبيبي، الذي سيجعل من الرواية والسخرية طريقة أخرى لمقاومة المحو.
كانوا أبناء مدينة واحدة ومرحلة واحدة. اختلفت أدواتهم، لكن فلسطين كانت النص الذي يكتبونه جميعاً.
ثم جاء ذلك الصباح.
لم تستيقظ حيفا كما كانت تستيقظ دائماً. البحر في مكانه، وأشجار الكرمل تعانق السماء، والموج يواصل ملامسة الصخور. كل شيء طبيعي... إلا البشر.
الخوف يسير في الشوارع قبل الناس. الأخبار تصل أسرع من السيارات. حي سقط، وحي يقاوم، وعائلة غادرت، وأخرى تنتظر.
دخل أبو سلمى مكتبه كعادته. لم يحمل حقائب سفر، ولم ينظر إلى المكان بعين الوداع. كان يظن، مثل آلاف الفلسطينيين، أن الأمر لن يطول. أيام، أسبوع، ربما أسبوعان... ثم يعود كل شيء.
توقف أمام مكتبته. مرر أصابعه على الكتب. كل كتاب حمل أثراً من حياته: ملف قضية، مخطوطة قصيدة، رسائل من أصدقاء، صور، أوراق كتب عليها أفكاراً لقصائد لم تولد بعد.
لم يحمل شيئاً منها.
من يحمل مكتبته إذا كان سيعود بعد أسبوعين؟
اقترب من النافذة. حيفا تمتد أمامه كما عرفها دائماً. مدينة لا تشبه المدن. كل شارع يقود إلى البحر، وكل نسمة تحمل رائحة البرتقال.
ظل ينظر طويلاً، يحفظ المدينة عن ظهر قلب: لون الحجر، ظل الشرفة، صوت الباعة. حتى الضوء كان مختلفاً في ذلك اليوم.
ثم أغلق النافذة. رتب الأوراق. وقف عند الباب. أدار المفتاح في القفل. التفت مرة أخيرة. ابتسم ابتسامة صغيرة، تشبه وعداً سرياً بينه وبين المكان.
وقال في نفسه: بعد أسبوعين سأعود.
وأغلق الباب.
لم يكن يعرف... أنه لن يفتحه مرة أخرى.
خرج إلى الشارع. لم يحمل من حيفا إلا ما استطاعت يداه حمله. أما قلبه فبقي هناك، بين الكتب والقصائد التي لم تكتمل.
في تلك اللحظة، صار مفتاح المكتب، سواء بقي في حيفا أو حمله في ذاكرته، مفتاحاً لحيفا كلها.
ومن حيفا إلى عكا... ومن عكا إلى دمشق...
كانت الرحلة قصيرة على الخريطة. لكنها كانت أطول رحلة في حياته.
لم يكن يعرف أنه أصبح لاجئاً. كان ما يزال يظن نفسه مسافراً ينتظر موعد العودة.
مرت الأعوام.
وكلما عاد إلى ذلك الصباح، لم يكن يتذكر قطعة حديد، بل كان يرى نافذة مكتبه، والبحر، والغبار الذي تركه فوق الأوراق، والمدينة كما تركها في آخر نظرة.
لم يعد المفتاح أداة تفتح باباً، بل صار يفتح الذاكرة.
وكان يقول ما تعجز عنه الخرائط:
هنا كان لنا باب... وما زلنا نعرف الطريق إليه.
في دمشق، في غرفته المتواضعة، جلس ذات مساء أمام ورقة بيضاء.
لم يكن يبحث عن قافية، بل عن وعد. فالشعوب التي تفقد الوعد تفقد الطريق.
في الخارج، كانت دمشق تغفو. وفي الداخل، كانت فلسطين مستيقظة. كل مدينة مرت أمامه: حيفا، يافا، عكا، القدس، غزة. لم تكن أسماء على خريطة، بل وجوه، وأبواب، وأصوات مؤذنين، وأجراس كنائس، وأشجار لوز، وأطفال تركوا ألعابهم على عجل.
ثم حدث ما لا يعرفه إلا الشعراء.
لم يعد هو الذي يكتب القصيدة. القصيدة هي التي بدأت تكتبه.
خرجت الكلمات واحدةً تلو الأخرى، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ النكبة:
فلسطينُ الحبيبةُ كيف أحيا
بعيداً عن سهولك والهضابِ
تناديني السفوحُ مخضّباتٍ
وفي الآفاق آثارُ الخِضابِ
غداً سنعودُ والأجيالُ تصغي
إلى وقعِ الخطا عند الإيابِ
لم يكن يكتب عن نفسه، بل عن ملايين الفلسطينيين الذين لم يعرف أسماءهم.
وحين انتهت... لم تعد قصيدته.
خرجت من الورقة وسكنت أفواه الناس. في المخيمات، ردّدتها الأمهات كالتهويدات. في المدارس، حفظها التلاميذ قبل أسماء العواصم. في الاجتماعات، قرئت قبل الخطب.
لقد تجاوزت القصيدة صاحبها، وأصبحت ملكاً لشعب كامل.
أدرك أبو سلمى أن الشعر يربح معركته الكبرى ليس عندما يعجب النقاد، بل عندما يحفظه الأطفال. فالكتاب يبقى على الرف، أما القصيدة التي تدخل قلب طفل فلا تموت.
وفي عام 1979، نال أبو سلمى جائزة اللوتس السنوية للآداب من اتحاد كتّاب آسيا وأفريقيا.
كانت الجائزة اعترافاً بأن قصيدته لم تعد صوتاً فلسطينياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من أدب التحرر في آسيا وإفريقيا.
وفي احتفال تكريمي أقيم له في بيروت، وقف محمود درويش يخاطبه.
لم يكن شاعراً شاباً يجامل واحداً من آبائه، بل كان جيلاً يعترف بالجيل الذي مهّد له الطريق.
قال:
"يا أبا سلمى، أنتم الجذع الذي نبتت عليه أغانينا."
قال: "أنتم"... لأنه لم يكن يرى أبا سلمى وحده، بل كان يرى إلى جانبه إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، والجيل الذي أخرج القصيدة الفلسطينية من الغزل الفردي إلى الوجدان الوطني.
لم تكن العبارة مديحاً. كانت تسليماً علنياً بأن الأغصان الجديدة، مهما ارتفعت، لا تنكر الجذع الذي حملها.
كان أبو سلمى يرى في درويش غصناً جديداً في الشجرة نفسها؛ يحمل النسغ القديم، لكنه يذهب به إلى سماء أخرى.
وفي العام التالي، 1980، انتُخب رئيساً للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
لم ينظر إلى الموقع بوصفه خاتمة لمسيرته، بل بوصفه مسؤولية جديدة. كان يؤمن أن الكلمة، مثل البندقية، تحتاج إلى من يحملها بأمانة، وألا يوجهها إلى صدر شعبه.
ثم، خلال مشاركته في أحد مؤتمرات التضامن في موسكو، داهمه المرض.
نُقل إلى الولايات المتحدة للعلاج، لكن الرحلة وصلت إلى نهايتها هناك، في الحادي عشر من تشرين الأول عام 1980، بعد عملية جراحية.
مات بعيداً عن حيفا.
لكن جثمانه عاد إلى دمشق، المدينة التي استقبلت منفاه واحتضنت سنواته الطويلة.
خرجت له جنازة رسمية وشعبية، ودُفن في مقبرة الشهداء.
وبعد رحيله، مُنح وسام درع الثورة الفلسطينية، ثم وسام القدس للثقافة والفنون والآداب سنة 1990.
لكن كل الجوائز والأوسمة، في حياته وبعد غيابه، لم تستطع أن تمنحه ما ظل ينتظره... طريقاً تبدأ من دمشق، وتنتهي أمام باب مكتبه في حيفا.
أما القصيدة...
فلم تدخل القبر.
خرجت مع المشيعين، وعبرت الحدود التي لم يستطع هو عبورها. دخلت المدارس، والمخيمات، والسجون، والبيوت التي لا تملك إلا مفتاحاً، وصورة، وقصيدة.
ربما لم يعد عبد الكريم الكرمي إلى حيفا كما وعد نفسه، يوم أغلق باب مكتبه ومضى وهو يظن أن الغياب لن يتجاوز أسبوعين.
لكن القصيدة عادت.
عادت إلى المدارس التي لم يدخلها.
إلى المخيمات التي لم تكن موجودة حين غادر.
إلى السجون التي حفظ فيها الأسرى كلماته.
وإلى أطفالٍ وُلدوا بعد رحيله بسنوات، فعرفوا فلسطين من صوته قبل أن يروها بأعينهم.
عاد أبو سلمى كلما نطق فلسطيني باسم مدينة حُرم منها.
وكلما رفعت أمٌّ مفتاح بيت لم يعد موجوداً على الخريطة.
وكلما وقف شاعر شاب أمام ورقة بيضاء، وشعر أن عليه أن يحمل وطناً كاملاً في جملة.
لهذا، لم يكن المفتاح هو الشيء الوحيد الذي تركه أبو سلمى خلفه.
ترك باباً مفتوحاً في الذاكرة.
وترك قصيدة تعرف الطريق، حتى حين تضيع الطرق.
أما الفيلم الذي حمل اسمه، «زيتونة فلسطين»، فقد استولى عليه الاحتلال في بيروت قبل أن يصل إلى الشاشة.
ظنوا أنهم حين أخذوا أشرطته، أخذوا أبا سلمى معه.
لكنهم لم يفهموا أن الأفلام قد تُسرق... أما الذاكرة فلا.
وأن الشاعر الذي عاش عمره كله يقول: سنعود، لا يمكن أن تنتهي حكايته عند قبر، ولا داخل علبة فيلم مفقودة.
ففي كل مرة تُقرأ فيها قصيدة لأبي سلمى، تفتح نافذة في حيفا.
وفي كل مرة يسأل طفل فلسطيني: من كان عبد الكريم الكرمي؟ يعود الرجل خطوة أخرى.
ربما لم يفتح أبو سلمى باب مكتبه من جديد.
لكن قصيدته ظلّت تطرق الباب نيابةً عنه.
وستظل تطرقه...
حتى يأتي يوم لا يعود فيه المفتاح رمزاً للغياب، بل صوتاً صغيراً في قفلٍ قديم...
ثم يُفتح الباب.
يحيى بركات
12/7/2026
Voir moins