ليلي حسين - كرم الصباغ و"مخاض

★★ المخاض عاصفة من الآلام و المعاناة و الضربات في كيان الأم كي ينطلق الجنين من ظلمة الرحم إلى فيوض النور ..
هو انبثاق البذرة من رحم الأرض إلى أوج الحياة ..
ها أنا أشرع أجنحتي لأنطلق نحو السماء فتتسع حدقتاي من هذا المسقط الرأسي لمتابعة أحوال الأرض و بانوراما الاستبداد و الجوع و الموت و الوجع ..
الراوي التائه في صحراء بلا زاد و لا ماء و قد فقد بوصلته والأمل لتحديد طريق العودة ..
★تتدفق اللغة الرصينة الراقية في نص إنساني سياسي ، يصف حالة الضياع و ما يعتريها من جوع و عطش و سخونة رمال الصحراء التي لا ترحم قدميه وشمس متوهجة تلفح وجهه بلا رحمة ، وقد رفع رايات الغوث ، عسى أن يلقى إليه طوق نجاة ، لم يكن الأمل في النجاة من العطش غير سراب ..
#"لم يهب قلبي سوى الحسرة والانقباض ، ألامس شفتيَّ المتيبّستين بطرف لساني المُتشقّق، وأضع يَديَّ العاريتين على رأسي؛ اتقاءً للأشعَّة الَّتي ترشقني بالسّهام الحارقة، كأنَّها طيرٌ أبابيل مُسلَّطة عليَّ وحدي."
الفقد و الصحراء و التيه و الظمأ مفردات تحمل الموت في طياتها ..




★ "و خلقنا من الماء كل شيء حي" ★
في رحلة البحث عن الماء و الحياة كل ما في الدنيا بلا قيمة ، الساقان تنغمسان ، تغوران في الكثبان الناعمة فتزداد الحركة صعوبة ، في محاولات النجاة ، يبزغ منحدر يلوح بالحياة ..
# "بعد طول كدٍّ ومسيرٍ أهبط وهدةً خفيضةً، أجوس خلال نباتاتها البريَّة، أمضغ أوراقها، وأستحلب عصارتها؛ تملأ المرارة حلقي، لكنّ عروقي تبتل قليلًا." فالماء يحمل كل معاني الحياة ..
★على رابية رملية يظهر رجلا هرما مشوه الوجه دمبم قبيح الطلة مغبر لا تفصح قوته عن عمره ، يلتقط الطيور الملونة من السماء ، و يحبسها في أقفاص من الجريد ، حين تكدسها وازدحامها يعد لها حفرا متقاربة ليدفنها حية في قبور تنبشها مخالبه الشيطانية ..
★★يتمادى الشيطاني بسحره الأسود في غوايته ..
هذا الساحر القميئ الذي يمارس طقوسه ليس إلا الطاغية السادية التي تتلذذ بإيذاء الآخرين في واقع فقد الأمان..
فالطيور الملونة هي الفكر و الحرية و الجمال و حياة يتم اغتيالها .. الأقفاص هي القمع ، سجن العقل والجسد والدفن والقبور هي طمس الروح و الهوية في متوالية إبادة جماعية للخير و البراءة ..
# " تصبح الأقفاصُ فارغةً تمامًا، والرَّجل الهُرِم يرفع ذراعيه عكس اتجاه الشّمس، ويلهج لسانه بألفاظٍ مبهمةٍ، ويصدر أصواتًا ممدودةً تشبه عواء الذئب، على إثرها تختفي الشَّمس، وتغشى السَّماء غبشةٌ وظلمةٌ، وتنجذب أسرابٌ جديدةٌ من الطُّيور الصَّغيرة الملوَّنة المُحلّقة إلى بعضها البعض؛ فتشكّل سحابةً من ألوان شتَّى."
★تتسع السحابات المشبعة بأسراب الطيور ، فيسقطها الهٓرِم بطقوس سحره الأسود ، لم تكن الأقفاص كافية لسجنها ، فيكبل أجنحة بعضها و يقيد أرجل البعض الآخر ، حتى ينتهي من حفر مقابر لها ..
خارت قوى الظالم و غشاه النوم لتبدأ محاولة هزيمة الشر وإنقاذ الطيور ليعم الخير و النور والأمان ..
#"ظلَّ الرَّجل الهرم يحفر، ويحفر إلى أن هدَّه التًَعب، فتمدَّد على الرَّمل؛ ليحصل على استراحةٍ، ألجأته إلى نومٍ عميقٍ، والطُّيور في أقفاصها وعلى الأديم بجواره تصيح، وتختلج."
حانت الفرصة لبستجمع الراوي قواه ، ويطلق سراح الطيور ، ويفك قيد أجنحتها و أرجلها ..
فجأة و في غفلة ينقض السادي الهرم بقبضة حديدية على الراوي ليسقط في حفرة ، بينما الطيور الجارحة تنشب مناقيرها ومخالبها في رأسه ،فيسري دمه في الرمال .
#"فتندفع الدّماء من جروحي، أصرخ من فرط الألم، أضرب الأديم بكفيَّ، ألمح بعينيَّ الزائغتين الرَّجل الهَرِم منتشيًا، يتلذّذ بما أكابده من آلامٍ؛ فلا ينتبه لمخاض الرَّمل، وعين الماء التي تفجَّرت تحت كفي المُضرَّجة بالدَّم."
★غريزة حب البقاء والمقاومة و محاولة التخلص من الظلم والألم تصرف إنساني نبيل ..
من رحم الألم ينبثق و يولد الأمل ف" عين الماء" هي الأمل، هي الحياة و بشائر النصر و الخير ، فقد روى الدم الأرض لتتفجر حياة ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...