حسين عبروس- قراءة نقدية في قصيدة «الفلاح» للأطفال.. للشاعر "حمدي هاشم حسانين"

حين يغيب الشعر: -- قراءة نقدية في قصيدة «الفلاح» للأطفال.. للشاعر "حمدي هاشم حسانين"
..........
- يُعد شعر الأطفال من أكثر الأجناس الأدبية دقة؛ إذ يقوم على توازنٍ بين سلامة اللغة، وجمال الصورة، والإيقاع الموسيقي، والرسالة التربوية. ومن هذا المنطلق تأتي قراءة نص "الفلاح" للشاعر "حمدي هاشم حسانين"، المنشور في باب "أنا أنشد" بمجلة أطفال 999 الإماراتية (عدد يوليو 2026)، للوقوف على مدى تحقق الخصائص الفنية التي ينبغي أن تتوافر في القصيدة الموجَّهة إلى الطفل، بعيدًا عن الاكتفاء بالقافية أو المباشرة في التعبير.
- النص الوارد في الصورة يثير قضية مهمة في أدب الطفل، وهي الخلط بين الشعروالنظم. فالنّص يحاول أن يقدم نفسه قصيدة للأطفال، لكنه في حقيقته يعتمد على رصّ جمل تنتهي بقوافٍ متقاربة دون أن يستند إلى وزن عروضي واضح أو إيقاع داخلي متماسك. ومن ثم فإن المشكلة ليست في القافية وحدها، وإنما في غياب البنية الشعرية التي تجعل الطفل يحفظ النص ويتذوقه قبل أن يفهمه.
يبدأ الخلل من اللغة نفسها؛ إذ نجد تراكيب لا تستقيم فصيحًا ولا تربويًا، مثل: "من أجل غذائي يتحمل"، وهي عبارة ثقيلة لا تؤدي معنى شعريًا ولا لغويًا سليمًا، وكان يمكن التعبير عنها بعبارة أكثر طبيعية مثل: *كي يوفر قوتي* أو *ليمنحنا الغذاء*. وكذلك قول: "يحرث كي يبذر بذرته"، إذ إن الفعل *يبذر* يتضمن معنى إلقاء البذور، فلا حاجة إلى إضافة *بذرته* بهذه الصورة التي تبدو حشوًا لغويًا. أما عبارة "الفأس يدق به أرضًا"فهي غير دقيقة؛ فالفأس لا يُدق به الأرض، وإنما تُحرث الأرض بالمحراث أو تُقلب بالمعول، ويُستعمل الفأس في قطع الخشب أو إزالة الجذور غالبًا. ويزداد الاضطراب في قول:"يزرع من أجل ما يؤكل"، وهي صياغة لا تستقيم عربيًا، إذ يقال: *يزرع لنأكل* أو *يزرع غذاءً للناس*.
ومن جهة الصورة الشعرية، لا يقدم النص للطفل أي مشهد حي. فالفلاح لا يظهر وهو يلامس التراب، ولا البذور وهي تنبت، ولا السنابل وهي تتمايل، وإنما يكتفي النص بإخبار مباشر: يعمل، يحرث، يبذر، يزرع. والشعر الموجه للطفل يقوم على الصورة والإيحاء والحركة، لا على التقرير المدرسي.
كما أن النّص يحمل نزعة محلية ضيقة حين يقول: "هذا فلاح عربي" ثم يختم بشكر "أجمل فلاح". فالطفل اليوم يعيش في عالم مفتوح، ويعلم أن القمح الذي يأكله، أو الأرز، أو الذرة، قد يأتي من دول كثيرة. ولذلك فإن ربط قيمة الفلاح بانتمائه القومي لا يخدم الرسالة التربوية، بل إن قيمة الفلاح تنبع من عمله الإنساني الذي يطعم الناس جميعًا، أيًّا كانت لغته أو وطنه. كان الأولى أن يرسخ النّص احترام كل يدٍ تعمل في الأرض، لأن الفلاح الصيني، والياباني، والإسباني، والجزائري، والمصري، وغيرهم جميعًا يسهمون في الأمن الغذائي للعالم.
أما من الناحية الإيقاعية، فإن النص يخلو من الوزن الخليلي أو الإيقاع الحر المنضبط، فتأتي الأسطر متفاوتة الطول والنبر، ولا يستطيع الطفل إنشادها بسلاسة. وشعر الأطفال يحتاج إلى موسيقى واضحة؛ لأن الموسيقى هي أول ما يجذب الطفل إلى القصيدة، وهي التي تعين على الحفظ والترديد، قبل أن يدرك المعنى.
إن الكتابة للطفل ليست تبسيطًا للغة فحسب، بل هي فن يجمع بين سلامة التعبير، وجمال الصورة، ودقة المعلومة، والإيقاع الموسيقي، والرسالة الإنسانية. وكل خلل في أحد هذه العناصر يفقد النص هويته الشعرية، ويجعله أقرب إلى قطعة نثرية مقفاة منه إلى قصيدة للأطفال. ولذلك فإن مثل هذا النص يحتاج إلى إعادة بناء كاملة، لا إلى تحسين بعض الألفاظ أو تغيير القافية، حتى يصبح نصًا يليق بذائقة الطفل ويحقق أهداف الأدب الموجه إليه.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...