تم توثيقه pdf في المكتبة
الرابط:
foulabook.com
ليست هذه القصص الثلاث حكايات تُروى، بل صمتٌ يتخذ هيئة لغة، ورموزٌ تتخفّى في هيئة وقائع.
يكتب المهدي نقوس نصوصه كما لو أنه ينقّب في الطبقات العميقة للإنسان، حيث يصبح الألم ذاكرة، والموت ولادةً أخرى، والخراب سؤالًا وجوديًا أكثر منه حدثًا تاريخيًا.
ثلاث قصص فقط... لكنها تكفي لتشييد كونٍ كامل من الأسئلة. فالكاتب لا يقدّم حكايات، بل يفتح شقوقًا في جدار الواقع، ويترك القارئ ينظر منها إلى الوجه الآخر للتاريخ؛ ذلك الوجه الذي لا تسجله الوقائع، وإنما تحفظه الندوب.
في هذه النصوص، لا تُقرأ الكلمات بمعانيها، بل بظلالها. ليست اللغة وسيلة للإخبار، وإنما حقل إشعاعي تتوالد فيه الرموز كما تتوالد النجوم من العتمة. وكل جملة تبدو وكأنها تخفي تحتها طبقة أخرى من المعنى، حتى يصبح البياض بين السطور أكثر بلاغةً من الحبر نفسه.
في "إعدام العاشق" لا يواجه الإنسان سلطةً سياسية فحسب، بل يواجه القدر حين يتحالف مع الاستبداد. العاشق هنا ليس فردًا، وإنما صورة الإنسان الذي أحب الحياة أكثر مما أحب نجاته. لذلك لا يبدأ إعدامه عند المقصلة، بل منذ اللحظة التي صار فيها يحمل أوجاع الآخرين. إن الفقر، والمرض، والخوف، والتعذيب ليست أحداثًا في النص، بل أدوات لتفكيك الكائن من داخله، حتى يغدو الجسد مجرد شاهد على موتٍ وقع في الروح منذ زمن.
لكن المفارقة الأكثر إدهاشًا أن القبر لا يؤدي وظيفته. فالموت، الذي أرادوه خاتمة، يتحول إلى بداية. النخلة التي تشق السقف هي استعارة للحقيقة حين تنمو في الأماكن التي خُصصت لدفنها. والغدير الذي يجرف الهراوات ليس ماءً، بل الزمن نفسه وهو يغسل الذاكرة من صدأ الجلادين.
أما الأطفال والحمام والعصافير فهم شهود البراءة التي لا تعترف بشرعية القوة، لأن الطبيعة لا تحفظ أسماء السجانين، لكنها تحفظ دائمًا أسماء الذين زرعوا فيها الحياة.
وفي "الكوابيس" يبلغ الرمز درجة من المكر الفلسفي؛ إذ يصبح الخوف أكثر حضورًا من الحرب ذاتها.
القمر، رمز النور، لا ينهزم أمام جيش، بل أمام صورة صنعها خياله. وهنا يهمس النص بأن الطغيان يبدأ من الداخل، من خوف الكائن على سلطته، لا من قوة خصومه. وما إن يغلق بابه حتى يعم الظلام الكون كله، وكأن الكاتب نقوس يقول: إن انطفاء ضمير واحد قادر على إغراق عالمٍ بأسره في العتمة.
الكوابيس إذن ليست أحلام الأطفال، وإنما أحلام السلطة نفسها، حين ترى في كل ضوء مؤامرة، وفي كل أفق تهديدًا. ولهذا يبكي الأطفال؛ لأنهم يدفعون دائمًا ثمن الأحلام المريضة للكبار.
أما البدر الذي يعود محمرَّ العينين خجلًا، فهو اعتراف متأخر بأن النور، إذا تأخر، يصبح شريكًا للصمت، وأن الحقيقة حين تصمت، تمنح الظلام عمرًا إضافيًا.
أما "بغداد" فهي ليست مدينة في النص، وإنما استعارة للذاكرة العربية وهي تعبر حقول النار. يقول الكاتب: "حين خُلق الرصاص والديناميت خُلقت بغداد." إنها جملة تهدم الزمن، وتجعل الحرب وكأنها لعنة خُلقت مع المدينة، لا بعدها. لكنه لا يعيد كتابة تاريخ بغداد، بل يعيد كتابة مأساة الإنسان حين يصبح الخراب قدرًا يتوارثه الأبناء.
وسط هذا الركام، لا يبحث الكاتب عن الجنرالات ولا عن الساسة، بل يطلق الحمائم لتفتش عن حلم، وكأن السلام في النص ليس واقعًا، بل كائنًا مفقودًا ينبغي البحث عنه. ثم يمنح الأطفال مهمة دفع الأخطبوط الذي التفت حول شرايين البلاد. والأخطبوط هنا ليس عدوًا بعينه، بل صورة لكل منظومة تتغذى على دم الأوطان؛ الاحتلال، والطائفية، والاستبداد، والفساد، وكل يد تمتد لتخنق الحياة من أكثر من جهة في الوقت نفسه.
اللافت في هذه الثلاثية أن الكاتب لا يكتب التاريخ بوصفه سجلًا للأحداث، بل بوصفه صراعًا دائمًا بين صورتين: صورة القوة التي تظن أنها تملك الزمن، وصورة الإنسان الذي يكتشف أن البقاء ليس للأقوى، بل للأكثر قدرة على التحول إلى معنى. ولذلك تتحول النخلة، والقمر، والحمامة، والطفل، والماء، إلى منظومة رمزية متكاملة، تقف في مواجهة الرصاص والسياط والظلام والأخطبوط. إنها معركة بين الحياة وأشكال الموت، لا بين أشخاص.
إن المهدي نقوس لا يراهن على الإدهاش اللغوي بقدر ما يراهن على الإدهاش التأويلي. فهو يكتب نصًا صغيرًا، لكنه يترك خلفه فراغًا هائلًا، لأن ما لا يُقال في قصصه يفوق ما يُقال. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للقصة القصيرة جدًا؛ إذ تصبح الكلمة شرارة، والجملة هاوية، والنهاية بدايةً لتأويل جديد.
هذه النصوص لا تطلب من قارئها أن يوافقها، بل أن يشاركها القلق. إنها لا تمنح أجوبة، وإنما توقظ أسئلة كانت نائمة في أعماق الوعي. وربما لهذا السبب تبقى القصص الثلاث، بعد الانتهاء من قراءتها، معلقة في الذاكرة كأنها لم تُكتب بالحبر، بل بما يتركه الألم من أثرٍ على روح الإنسان. ففي أدب المهدي نقوس، لا يكون الرمز بديلًا عن الواقع، بل يصبح الواقع نفسه، بعد أن يفقد الواقع قدرته على قول الحقيقة.
عائشة أبوليل
الاستاذ المهدى نقوس تقدم بثلاث قصص فقط:
1 - إعدام العاشق...
حين قتله العبيد كانت هموم الشعب وأمراضه وفقره قد قتلته قبل ذلك مرارًا.. وكانت سياط المعذِّب قد لوَّنت جلده كالسجادة، وكهرباء المحقِّق قد غزت جسده قبل أن تجد طريقها للدواوير والدروب المعتمة، وخلقت بأعضائه ارتعاشة جعلت فصل الصيف أشد الفصول برودة... بالليل حفر بأظافره قبرًا.. ووارى عليه الثرى، فطلعت نخلة شقت سقف الغرفة طولًا.. وانساب غديرٌ شق مبنى الزنزانة عرضًا، جرف في مجراه الهراوات والحثالة... لكن وحدهم الأطفال والعصافير والحمام ظلوا يؤمُّون المكان ليغنوا الماء والخضرة والذكر الحسن..
2- الكوابيس...
أطل القمر من أعلى شرفة في السماء السابعة.. فبهره بريق المياه المنسابة كالفضة، وأطربه نقيق الضفادع، وخُيِّل إليه أن آلاف المدى مشرعة في وجهه.. وأن جيشًا جرارًا بكامل عدته يود اكتساحه.. فولَّى الأدبار وأحكم إغلاق أبواب غرفته.. ساعتها توشحت السماء والجبال والسهول والبحار والحدائق بملاءة سوداء.. وأضحى الظلام القاتم يسيطر بوقاحة على كل الجبهات... فبكى الأطفال خوفًا من الكوابيس التي كانت تحدق بهم.. واستنجدوا بالبدر الذي طلع وقتها وجِلًا محمرَّ العينين من فرط الحياء...
3- بغداد
حين خُلق الرصاص والديناميت خُلقت بغداد... وخُلقت على إثرها الحروب والبنادق واليتم والجوع والدمار.. فاختنقت بغداد بروائح الرماد وفرقعة البارود... وكانت الحمائم تجوس خلال الفضاء تتفقد الحلم المشتهى وهامات النخيل التي داعبتها طائرات السلام... فسارع الأطفال لدفع الأخطبوط الذي تفرَّق بكل شرايين البلاد..
الرابط:
انشر معنا - فولة بوك
فولة بوك هي مكتبة رقمية للكتب والروايات الإلكترونية العربية والعالمية تحتوي آلاف الكتب والروايات في جميع المجالات بصيغة بي دي اف. وتتيح للمؤلفين نشر الكتب على الإنترنت و تعتبر دار نشر إلكترونية.
ليست هذه القصص الثلاث حكايات تُروى، بل صمتٌ يتخذ هيئة لغة، ورموزٌ تتخفّى في هيئة وقائع.
يكتب المهدي نقوس نصوصه كما لو أنه ينقّب في الطبقات العميقة للإنسان، حيث يصبح الألم ذاكرة، والموت ولادةً أخرى، والخراب سؤالًا وجوديًا أكثر منه حدثًا تاريخيًا.
ثلاث قصص فقط... لكنها تكفي لتشييد كونٍ كامل من الأسئلة. فالكاتب لا يقدّم حكايات، بل يفتح شقوقًا في جدار الواقع، ويترك القارئ ينظر منها إلى الوجه الآخر للتاريخ؛ ذلك الوجه الذي لا تسجله الوقائع، وإنما تحفظه الندوب.
في هذه النصوص، لا تُقرأ الكلمات بمعانيها، بل بظلالها. ليست اللغة وسيلة للإخبار، وإنما حقل إشعاعي تتوالد فيه الرموز كما تتوالد النجوم من العتمة. وكل جملة تبدو وكأنها تخفي تحتها طبقة أخرى من المعنى، حتى يصبح البياض بين السطور أكثر بلاغةً من الحبر نفسه.
في "إعدام العاشق" لا يواجه الإنسان سلطةً سياسية فحسب، بل يواجه القدر حين يتحالف مع الاستبداد. العاشق هنا ليس فردًا، وإنما صورة الإنسان الذي أحب الحياة أكثر مما أحب نجاته. لذلك لا يبدأ إعدامه عند المقصلة، بل منذ اللحظة التي صار فيها يحمل أوجاع الآخرين. إن الفقر، والمرض، والخوف، والتعذيب ليست أحداثًا في النص، بل أدوات لتفكيك الكائن من داخله، حتى يغدو الجسد مجرد شاهد على موتٍ وقع في الروح منذ زمن.
لكن المفارقة الأكثر إدهاشًا أن القبر لا يؤدي وظيفته. فالموت، الذي أرادوه خاتمة، يتحول إلى بداية. النخلة التي تشق السقف هي استعارة للحقيقة حين تنمو في الأماكن التي خُصصت لدفنها. والغدير الذي يجرف الهراوات ليس ماءً، بل الزمن نفسه وهو يغسل الذاكرة من صدأ الجلادين.
أما الأطفال والحمام والعصافير فهم شهود البراءة التي لا تعترف بشرعية القوة، لأن الطبيعة لا تحفظ أسماء السجانين، لكنها تحفظ دائمًا أسماء الذين زرعوا فيها الحياة.
وفي "الكوابيس" يبلغ الرمز درجة من المكر الفلسفي؛ إذ يصبح الخوف أكثر حضورًا من الحرب ذاتها.
القمر، رمز النور، لا ينهزم أمام جيش، بل أمام صورة صنعها خياله. وهنا يهمس النص بأن الطغيان يبدأ من الداخل، من خوف الكائن على سلطته، لا من قوة خصومه. وما إن يغلق بابه حتى يعم الظلام الكون كله، وكأن الكاتب نقوس يقول: إن انطفاء ضمير واحد قادر على إغراق عالمٍ بأسره في العتمة.
الكوابيس إذن ليست أحلام الأطفال، وإنما أحلام السلطة نفسها، حين ترى في كل ضوء مؤامرة، وفي كل أفق تهديدًا. ولهذا يبكي الأطفال؛ لأنهم يدفعون دائمًا ثمن الأحلام المريضة للكبار.
أما البدر الذي يعود محمرَّ العينين خجلًا، فهو اعتراف متأخر بأن النور، إذا تأخر، يصبح شريكًا للصمت، وأن الحقيقة حين تصمت، تمنح الظلام عمرًا إضافيًا.
أما "بغداد" فهي ليست مدينة في النص، وإنما استعارة للذاكرة العربية وهي تعبر حقول النار. يقول الكاتب: "حين خُلق الرصاص والديناميت خُلقت بغداد." إنها جملة تهدم الزمن، وتجعل الحرب وكأنها لعنة خُلقت مع المدينة، لا بعدها. لكنه لا يعيد كتابة تاريخ بغداد، بل يعيد كتابة مأساة الإنسان حين يصبح الخراب قدرًا يتوارثه الأبناء.
وسط هذا الركام، لا يبحث الكاتب عن الجنرالات ولا عن الساسة، بل يطلق الحمائم لتفتش عن حلم، وكأن السلام في النص ليس واقعًا، بل كائنًا مفقودًا ينبغي البحث عنه. ثم يمنح الأطفال مهمة دفع الأخطبوط الذي التفت حول شرايين البلاد. والأخطبوط هنا ليس عدوًا بعينه، بل صورة لكل منظومة تتغذى على دم الأوطان؛ الاحتلال، والطائفية، والاستبداد، والفساد، وكل يد تمتد لتخنق الحياة من أكثر من جهة في الوقت نفسه.
اللافت في هذه الثلاثية أن الكاتب لا يكتب التاريخ بوصفه سجلًا للأحداث، بل بوصفه صراعًا دائمًا بين صورتين: صورة القوة التي تظن أنها تملك الزمن، وصورة الإنسان الذي يكتشف أن البقاء ليس للأقوى، بل للأكثر قدرة على التحول إلى معنى. ولذلك تتحول النخلة، والقمر، والحمامة، والطفل، والماء، إلى منظومة رمزية متكاملة، تقف في مواجهة الرصاص والسياط والظلام والأخطبوط. إنها معركة بين الحياة وأشكال الموت، لا بين أشخاص.
إن المهدي نقوس لا يراهن على الإدهاش اللغوي بقدر ما يراهن على الإدهاش التأويلي. فهو يكتب نصًا صغيرًا، لكنه يترك خلفه فراغًا هائلًا، لأن ما لا يُقال في قصصه يفوق ما يُقال. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للقصة القصيرة جدًا؛ إذ تصبح الكلمة شرارة، والجملة هاوية، والنهاية بدايةً لتأويل جديد.
هذه النصوص لا تطلب من قارئها أن يوافقها، بل أن يشاركها القلق. إنها لا تمنح أجوبة، وإنما توقظ أسئلة كانت نائمة في أعماق الوعي. وربما لهذا السبب تبقى القصص الثلاث، بعد الانتهاء من قراءتها، معلقة في الذاكرة كأنها لم تُكتب بالحبر، بل بما يتركه الألم من أثرٍ على روح الإنسان. ففي أدب المهدي نقوس، لا يكون الرمز بديلًا عن الواقع، بل يصبح الواقع نفسه، بعد أن يفقد الواقع قدرته على قول الحقيقة.
عائشة أبوليل
الاستاذ المهدى نقوس تقدم بثلاث قصص فقط:
1 - إعدام العاشق...
حين قتله العبيد كانت هموم الشعب وأمراضه وفقره قد قتلته قبل ذلك مرارًا.. وكانت سياط المعذِّب قد لوَّنت جلده كالسجادة، وكهرباء المحقِّق قد غزت جسده قبل أن تجد طريقها للدواوير والدروب المعتمة، وخلقت بأعضائه ارتعاشة جعلت فصل الصيف أشد الفصول برودة... بالليل حفر بأظافره قبرًا.. ووارى عليه الثرى، فطلعت نخلة شقت سقف الغرفة طولًا.. وانساب غديرٌ شق مبنى الزنزانة عرضًا، جرف في مجراه الهراوات والحثالة... لكن وحدهم الأطفال والعصافير والحمام ظلوا يؤمُّون المكان ليغنوا الماء والخضرة والذكر الحسن..
2- الكوابيس...
أطل القمر من أعلى شرفة في السماء السابعة.. فبهره بريق المياه المنسابة كالفضة، وأطربه نقيق الضفادع، وخُيِّل إليه أن آلاف المدى مشرعة في وجهه.. وأن جيشًا جرارًا بكامل عدته يود اكتساحه.. فولَّى الأدبار وأحكم إغلاق أبواب غرفته.. ساعتها توشحت السماء والجبال والسهول والبحار والحدائق بملاءة سوداء.. وأضحى الظلام القاتم يسيطر بوقاحة على كل الجبهات... فبكى الأطفال خوفًا من الكوابيس التي كانت تحدق بهم.. واستنجدوا بالبدر الذي طلع وقتها وجِلًا محمرَّ العينين من فرط الحياء...
3- بغداد
حين خُلق الرصاص والديناميت خُلقت بغداد... وخُلقت على إثرها الحروب والبنادق واليتم والجوع والدمار.. فاختنقت بغداد بروائح الرماد وفرقعة البارود... وكانت الحمائم تجوس خلال الفضاء تتفقد الحلم المشتهى وهامات النخيل التي داعبتها طائرات السلام... فسارع الأطفال لدفع الأخطبوط الذي تفرَّق بكل شرايين البلاد..