أحمد رجب شلتوت - حينما تصبح كرة القدم امبراطورية

كلما أثيرت شبهات حول التحكيم، أو تدخلت السياسة في كرة القدم، أو عاد الحديث عن نفوذ الفيفا، يتجدد السؤال القديم: هل ما تشهده الملاعب مجرد أخطاء متفرقة، أم أنه نتيجة طبيعية لتحول كرة القدم إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية؟
هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «سقوط الفيفا: الفساد.. المال.. السلطة»." للكاتب البريطاني "ديفيد كون" وهو صحفي استقصائي معروف بمتابعاته الطويلة لملفات الفساد الرياضي، الكتاب الصادر في طبعته الإنجليزية عام 2017، نقله إلى العربية "محمد عثمان خليفة"، وصدر عن دار العربي بالقاهرة في 2021.
تبدو الفيفا _ بحسب الكتاب _ نموذجًا لمؤسسة تضخمت سلطتها إلى حد أضعف آليات الرقابة. فمنذ تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بهدف تنظيم اللعبة وضمان المنافسة العادلة، لكن كرة القدم أصبحت الصناعة الترفيهية الأكبر في العالم وبالتالي تغيرت طبيعة المؤسسة نفسها. فأي بطولة عالمية تدر مليارات الدولارات، وكل صوت انتخابي داخل الفيفا يمتلك قيمة سياسية واقتصادية هائلة، لذلك لم يعد السؤال المهم: من يفوز بالمباراة؟ وإنما من يدير هذه الصناعة العملاقة؟ ومن يربح منها؟
من هنا اكتسب كتاب "سقوط الفيفا" أهميته، فمؤلفه يقتحم هذه المنطقة المظلمة، ويقدم الفيفا كنموذج للعلاقة المعقدة بين السلطة والمال والإعلام والسياسة. فالكتاب، في جوهره، ليس عن كرة القدم وحدها، بل عن طبيعة المؤسسات حين تتضخم إلى الحد الذي تصبح فيه أقوى من آليات الرقابة المفترض أن تضبطها.
يبدأ المؤلف من لحظة تأسيس الفيفا عام 1904، يومها لم يكن أحد يتصور أن تتحول هذه المؤسسة الصغيرة إلى واحدة من أغنى المنظمات في العالم، وأن يصبح رئيسها من أكثر الشخصيات نفوذًا على الساحتين الرياضية والسياسية. والفساد، كما يصوره ديفيد كون، نتيجة طبيعية لتضخم غير مسبوق في حجم السلطة والثروة. فكلما ازدادت الأموال التي تديرها الفيفا، ازدادت قيمة القرار الذي تتخذه، وأصبح منصب المسئول فيها هدفًا تتنافس عليه شبكات من المصالح الاقتصادية والسياسية، أي أن بنية المؤسسة نفسها أصبحت تسمح بإنتاج الفساد.
أما عن النظام الانتخابي داخل الفيفا فمن الناحية الشكلية يبدو ديمقراطيًا؛ إذ تمتلك كل دولة عضو صوتًا واحدًا، لكن هذه المساواة أتاحت نوعا آخر من النفوذ، إذ أصبح الصوت هدفًا للمساومات والهبات والوعود، خصوصًا في انتخابات الرئاسة أو التصويت على استضافة كأس العالم، وهنا يبين الكتاب كيف تحولت شبكة العلاقات داخل الفيفا إلى سوق سياسية حقيقية، تُبنى فيها التحالفات، وتُوزع فيها الامتيازات.
أما النقلة الحقيقية، فبحسب الكتاب حدثت خارج الملاعب، فحقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية، والإعلانات، والتسويق، حولت كأس العالم إلى منتج اقتصادي هائل. ومع كل دورة جديدة، ترتفع الإيرادات بصورة غير مسبوقة، حتى أصبحت البطولة أشبه بشركة عالمية عملاقة أكثر منها منافسة رياضية، فهل تستطيع أي مؤسسة تدير مليارات الدولارات أن تظل مجرد هيئة رياضية؟، يرى المؤلف أن المال يغير طبيعة المؤسسة نفسها، فمع تضخم مواردها، تتغير أولوياتها، وتصبح المحافظة على النفوذ أهم من المحافظة على المبادئ التي تأسست عليها الفيفا، لدرجة أن استضافة كأس العالم أصبحت جائزة اقتصادية وسياسية ضخمة، فتحولت عملية الاختيار إلى ساحة صراع عالمي تتداخل فيها مصالح الحكومات والشركات واللوبيات الرياضية.
فهل الفساد استثناء أم نظام؟ يرى "ديفيد كون" أن تكرار الفضائح مع اختلاف الإدارات يثبت أن الفساد أصبح نظامًا، وهنا ينتقل الكتاب من الرياضة إلى دراسة آليات السلطة ذاتها. فالأسئلة التي يثيرها الكتاب يمكن طرحها على المؤسسات الاقتصادية الكبرى، والاتحادات الدولية، والمنظمات العابرة للحدود، تتعلق الأسئلة بكيفية إدارة السلطة وآليات الرقابة ومدى كفاية اللوائح لمكافحة الفساد وأيضا مدى قدرة المؤسسة على إصلاح فسها من الداخل.
تم تنظيم كأس العالم منذ صدور الكتاب لثلاث دورات، لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن القضايا التي يناقشها لا تزال حية، فالرياضة اليوم أصبحت جزءًا من التنافس الجيوسياسي بين الدول، وأداة للقوة الناعمة، وسوقًا استثمارية هائلة. ولم يعد ممكناً الفصل بين نتائج المباريات وبين الاقتصاد والسياسة والإعلام، ولذلك يبدو الكتاب وكأنه يتحدث عن الدورة الحالية لكأس العالم. فالفيفا تحولت إلى مركز قوة عالمي، بينما لم تتطور آليات الرقابة بالقدر نفسه.
وهكذا نشأت الفجوة الكبرى بين اتساع النفوذ وضعف الرقابة. فاللعب النظيف لا يبدأ من صافرة الحكم، بل من قرار تعيينه، ومن اللوائح التي تحكمه، ومن اختيار من يستضيف البطولة ومن يحصد عائداتها. هناك، خارج المستطيل الأخضر، تبدأ المباراة الأصعب.
عرض أقل























[HEADING=1][/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...