يحيى بركات - من قتل ليندسي غراهام؟ الرجل الذي عاد من أوكرانيا… ولم يمهله قلبه كي يروي ما حمله معه

هناك موتٌ يصل متأخرًا، بعد مرض طويل، وبعد أن يكون الجسد قد أرسل إنذاراته كلها.
وهناك موت لا يطرق الباب.
يدخل.
يجلس إلى جوارك.
ويطفئ الضوء.
مات ليندسي غراهام فجأة.
عاد من أوكرانيا، حمل معه كلامًا كثيرًا عن روسيا، وعن العقوبات، وعن الحرب، وعن ضرورة أن تظل واشنطن ممسكة بعنق موسكو، ثم وصل إلى بيته، وتعب قليلًا، ومات كثيرًا.
قالوا: وعكة صحية لم تمهله.
لكن بعض الجمل تُكتب كي تغلق الملف، لا كي تفسره.
فعبارة «لم تمهله» لا تقول لنا شيئًا.
لم تمهله ماذا؟
قلبه؟
شريانه؟
عدوه؟
أم أن الموت نفسه كان ينتظره عند باب البيت، بعد أن سمح له بالعودة حيًا من كييف؟
في عالم السياسة، لا تكون الوفاة المفاجئة مجرد وفاة، خصوصًا حين يكون الميت رجلًا أمضى حياته وهو يطلب الموت لآخرين، ويقترح الحروب كما يقترح الناس مواعيد الغداء، ويستدعي هيروشيما وناغازاكي كي يبرر ما يجري في غزة.
كان غراهام يعرف أن الكلمات قد تقتل.
لكنه ربما لم يفكر يومًا أن الكلمة قد تعود إلى صاحبها.
فالقاتل يُقتل ولو بعد حين.
وقد لا يكون القاتل شخصًا يحمل مسدسًا.
قد يكون قرارًا.
وقد يكون خطابًا.
وقد يكون توقيعًا على شحنة سلاح.
وقد تكون دعوة أمّ في غزة، جلست إلى جوار جسد طفلها، ورفعت عينيها إلى السماء وقالت ما لا تلتقطه الأقمار الصناعية، ولا تسجله أجهزة الاستخبارات.
قالوا لنا دائمًا إن السياسة لا تعرف العدالة.
لكن الحياة أحيانًا تعرف طريقًا لا تعرفه المحاكم.
ولا أحد يستطيع أن يثبت أن دعوات أمهات الأطفال وصلت إلى واشنطن.
لكن لا أحد يستطيع أن يثبت أنها ضاعت.
كان ليندسي غراهام واحدًا من أكثر الرجال اقترابًا من النار.
أشعلها في العراق.
وطالب بها في إيران.
وأصر على استمرارها في أوكرانيا.
وبررها في غزة.
ثم عاد ذات ليلة ليجد النار داخل جسده.
هذه ليست إدانة.
إنها مفارقة.
وفي السياسة، المفارقات أكثر صدقًا من البيانات.
غراهام لم يكن مجرد سيناتور جمهوري.
كان واحدًا من أولئك الرجال الذين يقفون خلف الصورة الرسمية، قريبين بما يكفي من الرئيس، ومن الجنرالات، ومن غرف القرار، ومن اللوبيات، ومن أجهزة الاستخبارات، لكنهم يتركون لغيرهم مهمة الظهور في الصورة.
كان صديقًا لترامب بعد أن كان عدوًا له.
هاجمه.
احتقره.
حذّر منه.
ثم اقترب منه.
لعب معه الغولف.
ودافع عنه.
وتحول من أحد أكثر خصومه قسوة إلى أحد أكثر رجاله وفاء.
في واشنطن، لا يُسمى هذا تناقضًا.
يُسمى معرفة اتجاه الريح.
لكن غراهام لم يكن تابعًا بسيطًا لترامب.
كان الجسر الذي يعبر فوقه ترامب من فوضى الخطاب إلى مؤسسات الدولة.
هو الذي كان يأخذ غضب الرئيس ويترجمه إلى مشروع قانون.
ويأخذ رغبة إسرائيل ويضعها في لغة أمريكية.
ويأخذ خوف نتنياهو من المحكمة الدولية، ويحوله إلى تهديد للمدعين والقضاة والدول.
كان نتنياهو يرى فيه أكثر من صديق.
كان يراه مكتبًا مفتوحًا داخل الكونغرس.
وخطًا مباشرًا بين تل أبيب والبيت الأبيض.
وصوتًا أمريكيًا يستطيع أن يقول ما لا يستطيع بعض الإسرائيليين قوله.
ولهذا بدا غراهام، في لحظات كثيرة، صهيونيًا أكثر من نتنياهو.
ليس لأنه وُلد في إسرائيل.
بل لأنه لم يكن مضطرًا لدفع ثمن الحروب التي يطالب بها.
نتنياهو يحسب أحيانًا خسائره داخل إسرائيل.
أما غراهام فكان يستطيع أن يطلب المزيد من القنابل، ثم يعود إلى مكتبه آمنًا، بعيدًا عن رائحة اللحم المحترق.
حين استدعى هيروشيما وناغازاكي وهو يتحدث عن غزة، لم يكن يستدعي التاريخ.
كان يستدعي الإبادة بوصفها حجة.
وكان يقول، دون أن ينطقها حرفيًا، إن النصر يمكن أن يبرر كل شيء.
لكن التاريخ لا ينسى من يستخدمه لتبرير القتل.
وربما لهذا بدا موته وكأنه فتح أبوابًا كثيرة دفعة واحدة.
روسيا دخلت من الباب الأول.
فالرجل عاد من أوكرانيا، بعدما تحدث عن عقوبات جديدة، وعن خنق الاقتصاد الروسي، وعن استمرار الحرب، وعن تحويل الضغط على موسكو إلى سياسة أمريكية طويلة المدى.
كان خصمًا معلنًا للكرملين.
ودعا الروس يومًا إلى التخلص من بوتين.
وقال ما يكفي كي يصبح اسمه في موسكو اسم عدو، لا اسم سياسي.
ثم مات.
هنا تبدأ الرواية التي لا تحتاج إلى دليل كي تنتشر.
مادة لا طعم لها.
قطرة في مشروب.
يد صافحته طويلًا.
هدية وُضعت في حقيبته.
دواء استُبدل.
أو سم لا يقتله في كييف، بل ينتظر حتى يصل إلى واشنطن، كي لا يموت في مسرح الجريمة، بل في غرفة نومه.
عملية ذكية لا تترك جثة عليها توقيع بوتين.
بل شهادة وفاة عليها توقيع الشريان الأبهر.
هذا احتمال.
لكنه احتمال يعرفه الخيال السياسي جيدًا.
فروسيا ليست جديدة على السموم.
وتاريخ الأجهزة لا يُكتب دائمًا بالرصاص.
أحيانًا يُكتب بمادة لا يراها الطبيب إلا إذا عرف اسمها.
لكن لماذا تقتله روسيا؟
كي تتخلص من أحد أكبر داعمي أوكرانيا؟
كي ترسل رسالة إلى كل سياسي أمريكي يزور كييف؟
كي تقول لترامب إن العقوبات ليست ورقًا بلا ثمن؟
أم أن قتله سيمنح أوكرانيا شهيدًا أمريكيًا، ويستفز ترامب، ويجعل العقوبات أشد؟
في العمليات الكبرى، لا يكفي أن تسأل: من يكره القتيل؟
يجب أن تسأل: من يستطيع أن يتحمل نتائج قتله؟
ثم تدخل إيران من الباب الثاني.
غراهام لم يخفِ يومًا رغبته في ضربها.
طالب بتدمير منشآتها.
وضرب مصافيها.
وإسقاط قوتها.
وتحدث عنها كما لو أنها هدف ينتظر الإحداثيات.
دافع عن إسرائيل في حربها عليها.
وحول العداء لإيران إلى جزء من هويته السياسية.
فلماذا لا تكون طهران قد قررت أن الرجل الذي يطلب قصفها يجب أن يسمع القنبلة داخل جسده؟
إيران تعرف الصبر.
وتعرف أن الانتقام لا يحتاج إلى إعلان.
وتعرف أن القاتل لا يكتب اسمه عادة على السكين.
لكن المشكلة أن غراهام لم يكن عائدًا من طهران.
كان عائدًا من كييف.
ومع ذلك، فالأجهزة لا تحتاج إلى حدودها كي تعمل.
تحتاج إلى يد.
وقد تكون اليد أوكرانية.
أو أوروبية.
أو أمريكية.
أو مجرد موظف لا يعرف لمن يعمل.
ثم تدخل أوكرانيا.
وهنا تصبح الرواية أكثر تعقيدًا.
لماذا تقتل أوكرانيا الرجل الذي يدعمها؟
الجواب السهل: لا مصلحة لها.
لكن أجهزة الاستخبارات لا تعمل دائمًا بالمصلحة السهلة.
قد يكون غراهام حيًا حليفًا قويًا.
لكن غراهام ميتًا، بعد عودته من كييف، يمكن أن يتحول إلى راية ضد روسيا.
يمكن لوفاته أن تجعل كل معارض للعقوبات يبدو متواطئًا مع قاتله.
يمكن أن تضع ترامب أمام جثة صديقه وتقول له:
هذا ما يفعله بوتين برجالك.
هل تجرؤ أوكرانيا على ذلك؟
لا أحد يعرف.
لكن التاريخ يعرف عمليات قُتل فيها الحليف كي يُتهم العدو.
والسياسة تعرف أن الشهيد أحيانًا أنفع من الصديق.
ثم تدخل إسرائيل.
وهنا يبدو الباب مغلقًا.
لماذا تقتل إسرائيل أفضل أصدقائها في مجلس الشيوخ؟
لماذا تقتل الرجل الذي دافع عن حرب غزة، وعن نتنياهو، وعن المحكمة الجنائية الدولية، وعن شحنات السلاح، وعن حق إسرائيل في فعل كل شيء؟
منطق الربح المباشر يقول إن إسرائيل خسرت بموته.
لكن منطق العمليات القذرة يسأل سؤالًا آخر:
ماذا لو كان موته قادرًا على دفع ترامب إلى حرب أوسع ضد إيران؟
ماذا لو كانت جثته تصلح لتوجيه الغضب الأمريكي حيث تريد إسرائيل؟
ماذا لو كان الرجل قد أصبح، بعد أن أدى دوره، أكثر قيمة ميتًا منه حيًا؟
هذه فرضية قاسية.
وربما بعيدة.
لأن خسارة غراهام مخاطرة كبرى على إسرائيل، واكتشاف أي دور لها سيكون زلزالًا في علاقتها بترامب والحزب الجمهوري.
لكن في الملفات الاستخبارية، لا نغلق بابًا لأن ما خلفه مرعب.
نغلقه فقط حين نعرف أن لا أحد مرّ منه.
ثم يدخل الجناح الديني اليميني في البيت الأبيض.
ذلك الجناح الذي يرى العالم بوصفه نبوءة.
ويرى إسرائيل بوصفها مفتاحًا لنهاية الزمان.
ويرى الحروب خطوات على طريق الخلاص.
في هذا العالم، لا تكون السياسة مجرد مصالح.
تكون عقيدة.
وقد يتحول رجل مثل غراهام، بكل ما يمثله، إلى عبء، أو إلى قربان، أو إلى فرصة لإعادة ترتيب النفوذ حول ترامب.
لم يكن غراهام رجلًا دينيًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان مفيدًا للجناح الإنجيلي، لأنه يترجم نبوءاته إلى سلاح.
وموته يفتح صراعًا على من يرث هذا الدور.
من سيصبح الصوت الأقرب إلى نتنياهو؟
من سيحمل مشروع الحرب مع إيران؟
ومن سيجلس إلى جوار ترامب ليقنعه بأن إرادة الرب تحتاج أحيانًا إلى قاذفة أمريكية؟
ثم يدخل الحزب الديمقراطي، لا بصفته قاتلًا بالضرورة، بل بصفته مستفيدًا محتملًا من غياب أحد أكثر وجوه الجمهوريين قدرة على بناء التحالفات.
كان غراهام يعرف كيف يقاتل الديمقراطيين، ويعرف أيضًا كيف يتفاهم معهم حين يحتاج الأمر.
لم يكن مجرد صوت صاخب.
كان صاحب شبكة.
وموته لا يزيل مقعدًا جمهوريًا فقط.
يقطع خيطًا بين المؤسسات.
هل يمكن أن يفكر أحد داخل الدولة العميقة بهذه الطريقة؟
أن الرجل أصبح أقرب إلى ترامب أكثر مما ينبغي؟
أو أقرب إلى نتنياهو أكثر مما ينبغي؟
أو يعرف أكثر مما ينبغي؟
لا توجد إجابة.
لكن الموت السياسي المفاجئ يفتح دائمًا الأدراج التي كانت مغلقة.
وقد لا يكون في أحدها اسم القاتل.
لكن قد نجد فيها أسماء الخائفين من بقاء الرجل حيًا.
غير أن موته لن يبقى محصورًا في جسده، ولا في مقعده الشاغر في مجلس الشيوخ.
فقد وصل إلى ترامب، قبل ذلك، عبر الاستخبارات الإسرائيلية، أن إيران لا تنظر إلى الحرب باعتبارها انتهت، وأنها قد تلاحق من شاركوا في قتل قادتها، أو أمروا، أو خططوا، أو موّلوا، أو صفقوا.
وتحدثت المعلومات المتداولة عن مخطط إيراني جديد لاستهداف ترامب نفسه.
لهذا، حين يموت غراهام فجأة، لن يسمع رجال البيت الأبيض تقرير الطبيب وحده.
سيسمعون وقع أقدام في الممر.
سيتذكر كل واحد منهم أين كان حين اتُّخذ القرار.
ماذا قال.
وعلى أي ورقة وضع توقيعه.
لن يسألوا فقط: هل مات غراهام طبيعيًا؟
بل سيسأل كل واحد منهم في سرّه:
هل كان هو الأول؟
وهل اسمي موجود في القائمة؟
هنا يصبح الموت رسالة، حتى لو لم يكتبها أحد.
ويتحول التعب المفاجئ الذي أصاب سيناتورًا في بيته إلى حالة رعب تمتد من غرفة نوم ترامب إلى مكاتب مستشاريه ووزرائه وقادة أجهزته.
سيصبح كأس الماء موضع شبهة.
والدواء موضع شبهة.
والطاهي.
والسائق.
والحارس.
والرجل الذي يقترب أكثر مما ينبغي لالتقاط صورة.
قد تكون إيران بريئة من موت غراهام.
لكن مجرد الاعتقاد بأنها قادرة على الوصول إليه يكفي كي تقتله مرة ثانية داخل خيال إدارة كاملة.
فالأجهزة لا تحتاج دائمًا إلى تنفيذ التهديد.
أحيانًا يكفي أن تجعل خصومها يصدقون أنها نفذته.
كل هؤلاء يدخلون الغرفة:
روسيا.
إيران.
أوكرانيا.
إسرائيل.
الموساد.
الجناح الديني.
خصوم ترامب.
حلفاؤه.
الديمقراطيون.
وأجهزة لا تظهر أسماؤها إلا بعد ثلاثين عامًا، حين تُرفع السرية عن وثائق لا يعاقب أصحابها لأنهم ماتوا.
لكن قد يكون القاتل أكثر بساطة.
قد يكون العمر.
قد يكون المرض.
قد يكون شريانًا ضعيفًا عاش صاحبه سنوات وهو لا يعرف أنه يحمل موته داخله.
وقد يكون كل ما سبق مجرد خيال صنعه توقيت لا يحتمل البراءة.
فالرجل عاد من الحرب، ثم مات.
والإنسان لا يحب الصدف التي تأتي في اللحظة المناسبة.
لذلك يبحث عن يد.
عن كوب.
عن سم.
عن كاميرا تعطلت.
عن رجل ظهر في الممر ثم اختفى.
عن شيء يجعل الموت مفهومًا.
لكن بعض الموت لا يريد أن يكون مفهومًا.
يريد أن يظل سؤالًا.
غراهام مات.
لكن موته لن يوقف السلاح المتجه إلى إسرائيل.
ولن يغير الحزب الجمهوري وحده.
ولن يسقط نتنياهو من واشنطن.
فالعلاقة بين أمريكا وإسرائيل أعمق من رجل، وأقوى من جثة.
لكن نتنياهو خسر صوتًا ليس سهل التعويض.
وخسر ترامب رجلًا يعرف كيف يحمل كلامه من ملعب الغولف إلى قاعة مجلس الشيوخ.
وخسرت أوكرانيا حليفًا صاخبًا.
وربما ربحت روسيا فراغًا.
وربما ربحت إيران لحظة شماتة.
وربما ربحت الحياة وحدها.
فالرجل الذي برر القنابل، مات من دون قنبلة.
والرجل الذي أراد أن يرى مدنًا تحترق، انطفأ في بيته.
والرجل الذي استدعى هيروشيما كي يبرر قتل أطفال غزة، لم يجد في لحظته الأخيرة جيشًا، ولا طائرة، ولا منصة خطابة.
وجد جسده فقط.
وهناك مقولة تقول إن القاتل يُقتل ولو بعد حين.
لكنها لا تقول دائمًا من الذي يقتله.
قد يقتله قاتل آخر.
وقد تقتله خيانته.
وقد يقتله خوفه.
وقد يقتله قلبه.
وقد تقتله الحياة، حين تقرر أن تضع أمامه الحساب كاملًا دفعة واحدة.
لن نعرف الآن من قتل ليندسي غراهام.
وربما لن نعرف أبدًا.
قد يُغلق الملف باسم مرض.
وقد يُفتح بعد سنوات باسم عملية.
وقد تبقى الحقيقة في خزانة جهاز استخبارات، تحت رقم لا يعرفه أحد.
لكن شيئًا واحدًا سيبقى خارج الخزانة:
أن دعوات الأمهات لا تحتاج إلى تأشيرة كي تعبر الحدود.
وأن دم الأطفال لا يضيع لأنه لم يجد محكمة.
وأن الرجل الذي ظن أن غزة بعيدة، ربما اكتشف في اللحظة الأخيرة أن المسافة بين طفل تحت الركام، وسيناتور في واشنطن، ليست بعيدة كما كان يظن.
بعض الجرائم لا تعود إلى أصحابها في سيارة شرطة.
تعود في سيارة إسعاف.
وبعض الأحكام لا يقرأها قاضٍ.
يقرأها الجسد.
أما الحقيقة، فربما لم تمت مع غراهام.
ربما خرجت من بيته بعد وفاته، ومشت بهدوء في شوارع واشنطن، تبحث عن كاميرا شجاعة بما يكفي كي تراها.
يحيى بركاتمخرج وكاتب سينمائي13/7/2026








تعليقات

غانية ملحيس


يحيى العزيز


ما يميّز كتابتك هو قدرتك الآسرة على الجمع بين الأدب والفن والسياسة في نسيج واحد، فلا يستطيع القارئ أن يتوقف عن القراءة، بل يجد نفسه منخرطا معك في تتبع الخيط السردي حتى آخر كلمة، ليبدأ بعدها رحلة أخرى من التأمل والتفكير.

أكثر ما شدّني في مقالك ليس سؤال: من قتل ليندسي غراهام؟ بقدر ما شدّني السؤال الذي يختبئ خلفه: من صنع ليندسي غراهام؟
أحسب أن أجمل ما في المقال أنه يرفض التعامل مع الرجل بوصفه مجرد خبر وفاة، ويقدمه باعتباره عقدة تتقاطع فيها الحرب، والسياسة، والأيديولوجيا الاستعمارية العنصرية، والمصالح. لكن الأهم، في تقديري، أن ليندسي غراهام لم يكن استثناءً، ولا “نبتًا شيطانيًا” خرج من فراغ، بل كان أحد أكثر التعبيرات اكتمالًا عن بنية أعمق: بنية النظام الغربي النيوليبرالي الإمبريالي، الذي جمع بين منطق السوق ومنطق القوة، وبين ادعاء العالمية وممارسة التفوق، وبين خطاب حقوق الإنسان واستباحة حقوق شعوب بأكملها حين تتعارض مع عقيدته العنصرية ومصالحه الاستراتيجية.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال ليس: من قتل غراهام؟ بل: كيف يستطيع هذا النظام أن يُنتج شخصيات مثل ليندسي غراهام باستمرار؟
ولماذا لا يؤدي غياب أحدها إلى تغيّر جوهري في السياسات؟

لقد رحل الرجل، لكن البنية التي صنعته ما تزال قائمة: المؤسسات، وشبكات النفوذ، والمجمع الصناعي العسكري، واللوبيات، والرؤية التي تجعل حياة بعض البشر أقل قيمة من غيرها.
ولذلك فإن المشكلة ليست في الفرد، بل في المنظومة التي تستطيع، كلما غاب وجه، أن تُخرج وجها آخر يؤدي الوظيفة نفسها.
وهنا، في رأيي، تكمن المأساة الحقيقية: أن مواجهة الأشخاص، مهما بلغت أهميتهم، لا تكفي إذا لم تُفكَّك البنية الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تنتجهم وتعيد إنتاجهم.

شكرا على مقال يثير الأسئلة، ولعل قيمته الكبرى أنه يدفعنا إلى الانتقال من البحث عن الفاعل إلى فهم البنية التي تجعل وجود أمثال ليندسي غراهام ممكنا ومتكررا.
وأظن أن هذا هو السؤال الأكثر إلحاحا في زمننا: ليس من يرحل، بل ما الذي يبقى بعد رحيله، وما الذي يواصل إنتاج الوجوه ذاتها وإن تبدلت الأسماء.
غانية ملحيس
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...