إبراهيم محمود - تجربة الكتابة وكتابة التجربة عن د. زهير الخويلدي المقيم بين التجربةوالكتابة فلسفياً


د. زهير الخويلدي


" لقد بقيت الثقافة مدرسانية وفكرية وسقطت في الجانب التقنوي ولم تضع نفسها في متناول عامة الناس ولم تراعي الانسجام بين التجربة المعاشة والوجود المكتوب وأهملت تمارين التغير الذاتي وحركة التطور الشخصي وسقط من حسابها اكتشاف التمارين الفكرية وتطبيق القواعد المنطقية على الأقوال والتحليلات "
د. زهير الخويلدي: في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: ثقافة الالتزام وعمومية التنوير. موقع" الحوار المتمدن "19-9/ 2016



بين الحضور والغياب
أكتب عنه غياباً لا حضوراً، وهذا يسعدني في الكتابة نفسها وبالكتابة نفسها أيضاً، بما أنها تحافظ على ديمومة المسافة الفاصلة بينه وبيني، وأنا أسمّيه بعيداً لقُربه، ليتاح لي النظر المعرفي في الذي يعنيه باسمه، باسمه كباحث أكاديمي ومعرفيّ طبعاً، بعد أن تيسّرت لي قراءة كمّ وافر من المقالات والأبحاث ذات التنوع التي تنسّبه إلى الفضاء الرحب للفلسفة، رغم صعوبة المهمة الذاتية تناسباً مع التنوع اللافت لكتاباته وتشعّبها.
هل علي أن أضيف هنا في الحال إلى ما سطّرتُ حتى اللحظة طيّ عبارة" من واقع التجربة "؟ حينها هل تسمح لي عبارة كهذه، وبمأثورها الدلالي، في أن أنظر إلى مسطوره المعايَن بحدود معيَّنة، دون أن أخلَّ بالمفهوم عينه " التجربة ؟؟ إذ وفق أي تصور يمكن تفعيل الكلمة، وبناء عليها مباشرة الكتابة في سياقها، مع ضمان الحفاظ على سوية المشار إليه: تجربة كتابة، أضف للتحديد: تجربة كتابة في الفلسفة ؟
إذا كان ذلك يجيز لي سلوك هذا الطريق البحثي، ومنحدراته الوعرة، فعليَّ أن آخذ في الحسبان متوخَّى أو معطى التجربة من تجربة قائمة، حية، منفتحة، تهيّء لنوع من الحوار الجدير بالاسم، بالمعنى الذي يضفي على المسافة الفاصلة شرعية الظهور الفعلي بالعلامة الفارقة لهذا الذي انشغلتُ به، وهأنذا أنثره كتابة!
ومَن أردت للكتابة في تجربة الكتابة لديه هو د. " زهير الخويلدي" وهو أستاذ مبرز وكاتب فلسفي وباحث أكاديمي في الجامعة التونسية، المعروف بتنوع أنشطته في هذا المضمار، إلى جانب لائحة لافتة بالمؤلفات المنتمية في الصميم إلى الفلسفة ، وله حضور واسع في العديد من المواقع الالكترونية من خلال رفْدها بموضوعات على غاية من التوع والتباعد أحياناً، ولكن قاسمها البحثي المشترك فلسفي. وهنا تكون المغامرة الدالة على المفقود والمنشود اعتباراً. والذي لا يخفي توجهه الفكري عبْر ركيزة فينومينولوجية منهجياً، حيث يقيّمها بقوله ( منهج وجود في العالم وعودة إلى الأشياء ذاتها من أجل وصفها الخبرات الحية والتجارب المعيشة والتعبير عنها من خلال اللغة الخاصة بها دون أحكام مسبقة ودون الوقوع في شراك المثالية العقلانية ومستنقع التشتت التجريبي. ) " 1 "
هذا التحديد يقرّبنا منه، كباحث طبعاً، بقدّر ما يبقينا على مبعدة عنه، بغية اقتفاء أثر الدال على مدلوله في الذي يُسمّيه ويمنحه معنىَ، ويبقي الحوار مفتوحاً .
وما أسعى إليه هو النظر في هذا الفاصل الفضائي بين الحالتين، دون الإساءة إليهما قدر المستطاع، فهما تتفاعلان معاً في تفكيره كتابة، ولا بد أن هناك ما يحفّز إرادة تحرّي الفاعل الفكري والمنهجي في مثل هذا الخيار القاعدي والمدروس طبعاً، لتكون للكتابة قابلية التجلّي بحقيقة كونها حاملة بصمة ذاته!

عن الكتابة كتجربة
الحديث عن الكتابة يلفت نظرنا إلى الكتابة بوصفها تجربة، ورأسمالَ معرفة يشهد على مدى نفاذ فعلها وتمثيلها لما هو حياتي! إنما ماذا تعني التجربة؟
يا لها من تعاريف كثيرة كثرةَ الآراء والمواقف الفلسفية والفكرية المتباينة!
أستعين بما أعتبره الأقرب إلى ما يعنينا في البحث هذا:
( التجربةL'expérience، بمعناها العام، تشمل جميع الإدراكات الحسية. وهي نشاط عملي وفكري في آنٍ واحد، يُمكّننا من جمع معلومات عن البيئة وعن أنفسنا.
عند العقلانيين" جون لوك، مثلاً": مجموع التفاعلات التي تُجريها الكائنات الحية العاقلة مع بيئاتها الطبيعية والاجتماعية.
عند جان بياجيه، تأكيد أهمية الفعل في التجربة.
كما أن مصطلح "التجربة" لا يشير إلى عملية الاكتساب بحد ذاتها، بل إلى نتيجتها: المعرفة المتراكمة عبر الزمن من خلال الممارسة في مختلف المجالات (من البستنة إلى الطب التجريبي والسياسة).
تُعدّ التجربة المعيشة محورًا أساسيًا في الفينومينولوجيا التي أسسها إدموند هوسرل في مطلع القرن العشرين. تُركّز الفينومينولوجيا على الدراسة المُفصّلة والمنهجية للظواهر كما تظهر في التجربة. قدّم هوسرل مفهوم "الإيبوخيه"، أو تعليق الحكم، الذي ينطوي على تجاوز المعتقدات المُسبقة حول وجود العالم الخارجي للتركيز على الوصف المُجرد للتجارب كما تُعاش.) " 2"
لأورد ما يشدد على ربْط أواصر القربى بين الحواس التي تصلني بالعالَم الخارجي واللغة :
( تجربة العالم، التي نصفها مبدئيًا كتجربة فردية، تتشكل أيضًا بالجماعة. بشكل أوسع، البشرية هي التي تتفاعل مع العالم. وكل فرد، في تجاربه الفردية، يتشكل من خلال المفاهيم المنقولة عبر اللغة.) " 3 "
وما يزيد الفكرة إيضاحاً لحظة التذكير بالتجربة الفكرية التي تعزز معرفتي بالعالَم المحيط بها في انتظام علاقاتي بها وفهمي الذاتي ، أو الفردي لها، حيث ترتقي الفكرة المتشكلة إلى أعلى مستوى لها من التمثيل الرمزي والاستقصائي للعالَم، إذ:
( على مدى العقود الثلاثة الماضية، رسّخ المصطلح الفلسفي استخدام تعبير جديد: "التجربة الفكريةexpérience de pensée". وقد ساهم عاملان رئيسيان في هذا الاستقرار المصطلحي: أولهما، وفرة التجارب الفكرية في الأدبيات، لا سيما في العديد من المجالات الفلسفية، كالأخلاق ونظرية المعرفة وفلسفة اللغة؛ وثانيهما، تجدد الاهتمام بالتجارب الفكرية بعد نشر مقال توماس س. كون عام 1964 بعنوان "وظيفة التجارب الفكرية A Function for Thought Experiments ".
إن أبرز ما يميز التجارب الفكرية هو أنها تُجرى في "مختبر العقل laboratoire de l’esprit " (براون، 1991 أ و ب). ...فكما أشار ماخ، "أفكارنا متاحة لنا بسهولة وسرعة أكبر من الحقائق المادية. ... ومع ذلك، فإن كون التجارب الفكرية لا ترتبط مباشرة بالظواهر الطبيعية، وأنها مجرد نتاج لخيالنا، له عيوبه sesinconvénients..) " 4 "
...إلخ
ولعل الباحث في أمر الفلسفة وتفرعاتها تاريخاً وتوضعات ٍ جغرافية، مكانية طبعاً، لا بد أن يُلاحظ في شخص بول ريكور" 1913-2005 " هذا المركَّب الفلسفي ذا التنوع المؤثر، والجامع بين ما هو نقدي أدبي، سيميائي، وفلسفي محض، ويقترب من الفكر الذي يبقي الفلسفي الذي يرتبط اسماً بمشاكل الوجود، في ركابه تعبيراً عن سعة الرؤية الذهنية والنظر إلى البعيد استشرافياً، أي ما يُسمّي المشكل قبل وقوعه، ليكتسب صفة له منه، باقتدار، في ضوء جملة المشاكل التي تضمنتها موضوعاته شديدة التنوع، وفيها ما يجعل السردي استجابة لفكرة فلسفية وفكرية من خلال مخر عباب تاريخ العالَم، بمآزقه المختلفة، ويهبُ الفكرُ نفسه طابعاً من المأساوية الملحمية اللامتناهية تشغل العالَم قبل ظهور التاريخ فيه إلى الآن، كما هو شأن السرد في المسيرة الفلسفية- الفكرية لدى ريكور، وانهمام الخويلدي بهذا النوع من التفاعل المثمر.
ويتلمس في الرهان المحوري للخويلدي على ريكور ما يغذّي السؤال الفلسفي-الفكري أكثر من جوابه.
ومن تابع ويتابعه في كتاباته عنه، يعايِن عن قرب مثل هذا التوقير والتدبير، كما في كتابه ( فلسفة بول ريكور بين الوساطات والمنعطفات )" 5 "، وذلك التنوع في مقالات ، عدا عن ترجمات له عنه وعن همومه البحثية، كما في :
المنعطف الهرمينوطيقي لفلسفة الدين عند بول ريكور
الأثر الفني عند بول ريكور بين قابلية التبليغ والتعددية الدلالية
الحدث التاريخي بين القصص الأدبي والسرد الفلسفي
"الهرمينوطيقا ومبادئ التأويل." الأنطولوجيا
البوصلة السياسية والفكر المضياف بحسب بول ريكور
. الكلام والرمز: منطق الابتكار الدلالي عند بول ريكور
فينومينولوجيا التخيل ويوتوبيا التحرر عند بول ريكور
مقاربة العنف من منظور فلسفة بول ريكور
بول ريكور بين التاريخ والذاكرة
فلسفة بول ريكور بين واقعية الحرب وغائية السلم، مقاربة سياسية ايتيقية
الخيال الشعري والذاكرة السردية بين غاستون باشلار وبول ريكور، مقاربة لغوية فلسفية
...إلخ
( أشير إلى أنني أوردت هذه اللائحة من العناوين دون مراعاة تسلسلها الزمني، فهي للتذكير فقط).
ولا عجب أن أهدى كتابه " المنعطفاتي " ذاك، بما يمثّله محتواه، جهة محوره البحثي: ريكور، من صعوبة أو تجلّي عسر الهضم لجماع أفكاره ذات التباين، إلى طلبته، وحاجته إلى جهود مضاعفة لسبر قاعه فكرياً، وتالياً، وكما كتب: وكل مريدي الحكمة في زمن اللاحكمة، ومأساة هذا التعبير، والنفي الجارح والصادم بالمقابل، إلى درجة العدمية موقفاً من سريان فعل واقع يشد كائنه إلى صحراء مهلكة، كما يبدو.
وأن الذي جاء تقديماً للكتاب على الغلاف الخارجي يفصح عن هذه المكانة المفخّمة لريكور:
( لقد أجرى بول ريكور جملة من الحوارات التي لم تنقطع بين الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانون والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتحليل النفسي والبيولوجيا وجسَّد أحسن ما يكون الكتابة الفلسفية العابرة للمناهج وبين الحقول والدول واللغات والأديان عندما وقع نصوصه بأكثر من لغتين الفرنسية والإنجليزية ودراية بالألمانية والإغريقية واللاتينية ...إلخ.. لقد وجَّه بحوثه لمعالجة أزمة الذات وإقصاء الغير ومرض الهويات وتصادم الحضارات وعنف السياسي وحدود العادل واستعصاء الترجمة...
ذلك ما نقرأه منذ البداية في مقدمة الكتاب( يمكن أن نعتبر بول ريكور ( 1913-2005 ) فيلسوف المنعطفات المعرفية بامتياز،بما أنه قد حرص على الانخراط باكراً في التغيرات التاريخية العاصفة التي حدثت في أوروبا والعالم ، ودشَّن منذ الأربعينيات مساراَ حافلاً من التحولات الحاسمة...إلخ . ص 9) .
الآخر المقروء هنا، هو الآخر المضاء بشخصه وموقعه، هو الآخر المنشود جهة الحمولة المعرفية التي يمثّلها وهو يظهر لقارئه" الخويلدي " أكثر من كونه الصوت المتعدّي لحدوده الضيقة، وقابليته لأن يتكلم بلسانه، إنما وقد جرى إيداعه ما يجعله متكيفاً مع بيئته وفاعلاً فيها من ناحية، وما يستجيب لهذا الواحد والمختلف والمتنوع، لما فيه من الإيحاءات وإمكانات التحويل والتحميل بلسانه هو هذه المرة من ناحية أخرى.
ليكون هذا التعبير " المنعطفات " تضاريسياً، بكل ما للمفردة هذه من معان جغرافية، تضعنا في موجهة أنفسنا والعالم المحيط بنا، بمجتمعنا الذي لم يعد مأخوذاً بحدوده المعلومة ببوابات الدخول والخروج، إنما ما يجعله مكشوفاً ومرصوداً، وما يكونه الإنسان النفيَ المنطقي لحقيقته الكائنية المشدودة إلى مكان يُستدلّ فيه عليه، على وقع مستجدات العولمة ومباغتاتها، حيث المنعطف توجه إلى الأمام، وعدم النظر إلى الوراء لحصول قطيعات على مستوى التفكير والعلم ومستولدات التقنية عينها وتأثيرها فينا هنا وهناك، ووجوب مضاعفة اليقظة والتنبه إلى الجاري في الخضم العاصف لما يجري، بوصفنا عائمين فوق أمواجه ومخاطر ذلك.
أليس هذا ما نتبيَّنه في مقال يعرّف فيه به وما يعنيه في علاقته الفكرية العابرة لحدود اللغة الواحدة مع ريكور:
( حصل الخويلدي على الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة بأطروحة بعنوان "تقاطع السردي والإيتيقي من خلال أعمال بول ريكور". إسهاماته تتمحور حول تفكيك وإعادة صياغة مفاهيم ريكور التأويلية، مع التركيز على تطبيقاتها في سياقات فلسفية وعربية إسلامية.
يركز الخويلدي على الهرمينوطيقا الفينومينولوجية عند ريكور كمشروع أنطولوجي يسعى إلى فهم الذات في علاقتها بالعالم. يرى أن التأويل عند ريكور ليس مجرد تفسير نصوص، بل عملية وجودية تكشف عن كينونة الإنسان.
يوسع هذا المنظور ليطبقه على السياق العربي الإسلامي، مشيراً إلى إمكانية استخدام الهرمينوطيقا الريكورية لتفسير النصوص الدينية بطريقة تتجاوز الحرفية وتركز على الأبعاد الكونية والإنسانية....إلخ ).
لا يعود الآخر عين ذاته، إنما عين الناظر إليه بالمقابل، كما لو يحرّر الفكر من بوتقته بوضعه هذا، وكيفية النظر في محيطه المختلف، ومكاشفة أوجه التشابه والاختلاف، وتجنب مآزق القولبة في قراءة الآخر هنا.
إن الدخول في علاقة مركَّبة، ومن خلال اللغة لم تكن فاعلة إلا بفاعل حي محرك لها، لا تتموقع ثباتاً في جهة معينة، حيث التغيرات العاصفة تُعلِم المتابع، مع ريكور، يغذّي إرادة ذاتية تنفتح على داخلها بقدْر ما تنفتح على خارجها، فثمة نوع من الصوفية الأرضية- الكوكبية، تشغل العالَم أجمع، لحظة مكاشفة التحديات المصيرية التي لا تستتثني أحداً، فيما يُسمّى بـ" كتابة الكارثة " بتعبير موريس بلانشو، كما أنه يضيء هذا الممتلىء بحماس المعرفة التي ترفع عن نفسها كل وصاية جانبية أو توكيل خارجي، إعلاءً للذات التي شبَّت عن طوق الآخر، بمعانيه السلبية، لحظة رؤية تلاقي الجهات المختلفة فيه، دون تجاهل حساب الجهود والمخاطر في المعايشة والتفاعل والحوار الندّي، وجعّل المعنى توأمياً فيه من الأنا ما للآخر من اختلاف.
إن تسليط الضوء عليه" ريكور " من قبل أحد المعنيين بفلسفته وفكره، يفيدنا في هذا السياق:
( في هذه المحاضرة الموجزة، أودّ طرح فرضية حول المنهج الفلسفي لبول ريكور. يتميز عمله بثراء تحليلي استثنائي، كما أنه يُقدّم نفسه كبناء مفاهيمي رائع يتفاعل مع فلسفات عصرنا. قد يُربكنا الكم الهائل من كتابات ريكور بالتساؤلات حول ما يربط كل شيء ببعضه.
أودّ أن أشير إلى أنني أعتقد أن فلسفة ريكور لا تزال متأثرة بنزعة نحو المنهجية، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار لفهم عمله فهمًا كاملًا. يجب الاعتراف بأن هذا الميل غالباً ما يكون خفياً، ويبدو أنه يتناقض مع ثلاثة أمور: أولاً، من خلال الرغبة في التركيز على مسائل محددة، ثانياً، من خلال قناعة بأن الخطاب الفلسفي له حدود خاصة، وأخيراً، من خلال تصور للمكانة الأساسية للذات في العالم.
ثم: لا سبيل لفهم الذات comprendre le Soiفهمًا مباشرًا. فسعيها للوجود، ورغبتها في الوجود، لا بد أن يتجلى من خلال عملية تأويل تتناول الطرق المتنوعة التي يتخذها المعنى حين يترسخ في الثقافة والتاريخ. فالأنا المفكرة ليست سيدة المعنى ولا مصدره، بل هي فاعلة في عملية إبداعية للدلالة تتجاوزها، وعليها أن تسعى لفهمها إن أرادت اكتشاف ذاتها. ومهمة الفلسفة هي شرح شروط فهم هذه العملية الإبداعية التي تُشكل الذات في العالم، وفي الوقت نفسه، إثبات إمكانية المعرفة الحقيقية بالذات. هذا الجهد الدؤوب والمنهجي للغوص أعمق في تجربة الذات، في غموضها وأسرارها، هو ما يسري في فلسفة ريكور، ويمنح فكره قوة شخصية فريدةune force personnelle unique.) " 6 "
لدى الخويلدي شعور متدفق مرفق بعامل اليقظة الفكرية في مستجدات محيطه، وكيفية سبرها وقراءة محرّكها مستفيداً من قراءته المعلومة بأدواتها المنهجية، حيث التركيز على الإنسان اليوم يتم أكثر من ذي قبل على خلفية من استفحال الأخطار المحدقة بما هو كوني، كما لو أن الخويلدي اليوم ريكور أربعينيات القرن الماضي وفيما بعد، والتقاط تلك المؤشرات المشتركة، وكيفية تفعيلها بحثياً ورؤيوياً بالمقابل.
أحيل هنا على تعريف به، في حوار معه، لتعزيز النقطة المحورية للبحث هذا:
( زهير الخويلدي، فيلسوف تونسي وأستاذ مساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، رقّادة، القيروان، وكاتب فلسفي وباحث أكاديمي في الجامعة التونسية مختص في الفنومينولوجيا والهرمينوطيقا والايطيقا وفلسفة السرد والنظرية السياسية والاجتماعية، وهو يكتب بشكل مستمر في العديد من الصحف والجرائد والمواقع الإخبارية والثقافية والمجلات الفكرية العربية وشارك في العديد من الكتب الفلسفية الجماعية مع أكاديميين عرب ضمن أعمال تأليفية مشتركة، وينشط في العديد من المؤسسات التابعة للمجتمع المدني ويؤثث دوريا عدة منتديات ثقافية وملتقيات فكرية في عدة جمعيات.).
كما في جواب له على سؤال عن الإنسان راهناً:
( في الفلسفة المعاصرة انتقلنا من سؤال ما الإنسان إلى سؤال من هو الإنسان ومن البحث في ماهية الإنسان إلى تشريح الوضع البشري بما الإنسان ليس له طبيعة ثابتة وجوهر واحد وإنما له تاريخ ويشهد العديد من التحولات وخاضع للصيرورة وكائن متعدد الابعاد ولامتناهي التعقيد ويتداخل في الرمزي مع المادي والفسيولوجي مع الكيميائي وكذلك النفسي مع الجسدي وكذلك الفردي مع الاجتماعي والذاتي مع الموضوعي. لقد صرنا نتحدث عما بعد الإنسانية وصارت فكرة «الإنسان المعزز» على مقربة من تجسيم فرضية نيتشه حول «الإنسان الأرقى» أو «الإنسان المتفوق على نفسه»، الذي يمكن أن يخضع للاستنساخ والتعديل الجيني لكي يقاوم الأمراض والتهرم ويتضاعف أمله في الحياة والبقاء. لقد أطلقت عليه تسمية «الإنسان القادر» في كتابي الأخير عن الانثربولوجيا الفلسفية الصادر سنة 2023 في الجزائر.) " 7 "
ثمة مجاراة لمَا يجري النظر فيه خارجاً، رغم أن مفردة " خارجاً " قد لا تكون مقبولة في المجال الذي يتفكره الخويلدي، بما أن الذي ينشغل به قوله هو الإنسان اللاحدودي، أي الكوني، إنما إلى أي مدى يمكن أخذ مثل هذه المفردة في حسبان الرؤية الفلسفية والفكرية للعالم موحَّداً وهو ليس كذلك، والإنسان في عمومه، وهو في وضعية المنقسم على نفسه، لحظة ممارسة مسح ميداني قيمياً، لحقيقة الاسم ومسمّاه عالمياً، وأين تقف حدود العالمية، وأين تتجزأ أو تتصدع عملياً. ذلك إشكال يطال صميم المفكّر فيه فلسفياً، فكيف هو شأن الفكر الذي يستحيل طرحه دون مراعاة الأرضية التي ينبني عليها مفهوماً ومعايشة قيمة، ومجاورة علاقة كذلك؟
في مثل هذه المتاخمة لما هو مستجد، ويشكّل تحدياً للإنسان في بصورة عامة، وهذا صحيح، إنما دون تجاهل التقسيمات الاجتما-سية التي في ضوئها جرى ويجري تلوين العالم من منظور القوى المتصارعة!
الخويلدي الذي يعرَف بكمّ كبير من الكتابات وتنوع أنشطته ومشاركاته الاجتماعية والبحثية والفلسفية عربياً، من المستحيل بمكان غضّ الطرف عن جملة الجهود الشاهدة على نوعية المكابدة في مخاض هذا التنوع.
حيث يبرز التاريخ بوقائعه ومتغيراته بخاصية السرد الذي لا ينقطع، والفكر المأخوذ بكل ذلك، استرسالاً وانتقالاً من مشهد لآخر، وانشغالاً بمشهد دون آخر، والبون القائم بين هذا وهذا، وما يستجد في ضوء هذه المتابعة قراءة وتحليلاً ونقداً كذلك، كما تعلِمنا موضوعاته التي تستشرف بنا الجاري ومآلاته ، ذلك يسمح لنا بالتعرف على طبيعة " أناه " الفكرية في مضمار تجربة الكتابة، وما تعنيه الكتابة من معنىً عام وخاص!
أقول ذلك، وأنا أشير إلى ما أفصح عنه بخصوص التجربة كمفهوم، كعلاقة، كمعبَر رؤية إلى الذات والعالم، بقوله( لا تكون التجربة ممكنة إلا إذا كان من الممكن، أولاً، ملاحظة نتيجتها (قراءة التجربة)، وقبل كل شيء، تفسيرها ثانيًا؛ وكل من هذه القراءة وهذا التفسير يفترضان دائمًا نظامًا استنتاجيًا قادرًا على ضمان الاستيعاب الفكري للتجربة نفسها.)
وما انتهى إليه تكثيف دلالة، وإيفاء معنى كذلك في الختام:
(التجربة هي أساس كل معارفنا ومن هنا تستمد أصلها الأول. إن الملاحظات التي نقوم بها على الأشياء الخارجية والمحسوسة أو على العمليات الداخلية لروحنا التي ندركها والتي نتأمل فيها بأنفسنا توفر المواد اللازمة لجميع أفكارنا.)"8 "
كما سنرى لاحقاً، ثمة قائمة كبيرة من العناوين التي تسمّي موضوعاته من موقع التجربة الفلسفية عينها، وتلمّس خاصية المجاهدة النفسية والذهنية في كل منها، وما في كل ذلك من شغف استثنائي، وما يضمره كل مقول قول في هذا الجانب من شذرة من شذرات الحقيقة الفلسفية، والقيمة المستحقة لها نظرياً وعملياً .
ربما بهذاالذي توقفنا عنده، نستطيع اقتفاء أثر هذه العلاقة، وجس نبضها الحيوي، لصديق الفلسفة، لشهادة كتاباته، والمعرَّف به بلغة كتاباته هذه تجاربياً !

مصادر وإشارات
1-حوار مع الفيلسوف الدكتور زهير الخويلدي، موقع " الحوار المتمدن " 13-8-2014
-2Expérience: Définition, origine et enjeuxphilosophiques.
الخبرة: تعريفها، أصلها، وآثارها الفلسفية
-3Olivier Marty: L’expérienceenphilosophie : suites deweyiennes
أوليفييه مارتي: الخبرة في الفلسفة: متواليات ديوي
-4Margherita Arcangeli: Expérience de pensée, approchephilosophique
مارغريتا أركانجلي: تجربة فكرية، مقاربة فلسفية
5-صدر الكتابعن جامعة القيروان،كلية الآداب والعلوم الإنسانية، رقادة، تونس 2020.
-6PállSkúlason: Ricoeur, penseursystématique, 9-9-2013
بال سكولاسون: ريكور، مفكر منهجي
7-د. زهير الخويلدي.. حول دور ومفهوم الإنسان في الفلسفة المعاصرة،موقع القبس، 1-11/ 2023
8-د. زهير الخويلدي: التجربة بين المعرفي والتطبيقي، موقع " الحوار المتمدن " 30-11/ 2023
" يتبع"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...