إبراهيم محمود - تجربة الكتابة وكتابة التجربة عن د. زهير الخويلدي المقيم بين التجربة والكتابة فلسفياً " 2 "


د. زهير الخويلدي


تجربة الكتابة بين ريكور والخويلدي

إضاءة الهاوية

لا بأس أن أتوقف عند مفهوم التجربة، في خاصيتها الإنسانية، وموقعها في التاريخ، وموقع التاريخ في نفوس الأفراد أو الذاكرة الجماعية وعتبة الرؤية القصوى والصادمة فيها، وذلك بالإشارة بداية إلى بول ريكور، صاحب " المنعطفات " كما سمّاها الخويلدي، ومغزى المنعطفات في كل من التاريخ والذاكرة، والتجربة " الإسفنجة " التي تطرح ما بداخلها من أجسام سائلة والمتبقّي فيها وهو اللافت بسطوته. ريكور هذا رحّالة الموضوعات وما بينها من تباينات ومفارقات ومغزاها، من واقع التجربة العائدة إليه، في كتابه الشهير " الذاكرة، التاريخ، النسيان " والمنشور قبل وفاته بسنوات خمس، ربما يلخص الكثير مما انشغل به وأقلقه بمضمونه، ومما يشكل أكثر من نقطة استناد لنا في هذا المبحث الفرعي" في مهب تجربة الكتابة بين ريكور والخويلدي" كما استوقفت باحثنا الخويلدي، وصلة الوصل فيما بينها، وأي نوع نسَبي معرفي ، فلسفيّ المقام، يتشكل من خلالها ويعرضها للمساءلة في آن.
هناك مقولة يوردها ريكور، استهلالاً، للكتاب ، وهي لفلاديمير يانكلفتش، وفي منتصف الصفحة" 23 "، بالخط الناعم، وهو( ما كان، لا يمكن بعد اليوم ألّا يكون قد كان: بعد اليوم هذا الواقع السرّي والغامض بعمق بأنه كان، وهو زاده إلى الأبد ). قول ترتقي فيه المأساة، مأساة التاريخ إلى أعلى مستوى لها،قول افتراسيّ، مرهوب الجانب، إن جاز التعبير، فيه من الأدب ما لا يمكن اعتباره فلسفة، جرّاء متخيله ، وفيه من الفلسفة جهة التصوير في تسلسل كلماته، ما يبقيه في عهدة الفلسفة، ونصْب أعين المعنيين بها. إذ لا بد أن هناك تجربة ما وراء إطلاقه، ولكنها تجربة معترَف فيها بنقص المعلومة في الكشف، بإبقاء سر وغموض عميقين لا يمكن البت فيهما، إنه تحدي السرد الممكن تصوره في صميم القول وزمنه وقد استغرق تاريخاً بكامله.
ليكون هناك، وفي سياق ديمومة التجربة المؤلمة، توقفٌ عند مشهد" الملاك الجديدAngelus Novus، الذي ألهم فالتربنيامين بالكثير مما يعنيه بصدد شقاء التاريخ في" أطروحات حول فلسفة التاريخ "، حيث الملاك ذاك، وهو عبارة عن لوحة للفنان الألماني " بول كلي Klee، فيه ما يشير إلى الماضي برعبه، وما يهدد المستقبل بحصاده: مآله، ليقول ريكور معلقاً، دون أن يخفي نبرة كَورسية إغريقية في التشديد المسرحي" التراجيدي" على عنف الآلهة، أو المغيَّب سعياً إلى تطهير ما، دفعاً لعقاب ما ومحتسَب، أو على وشك الوقوع( أوَليس هذا هو التاريخ الذي يفعله الناس وقد اتخذ اليوم صورة التقدم المندد به وقد سقط على التاريخ الذي يكتبه المؤرخون؟....)، تالياً، وبلغة اللاأدرية المفصحة عن هذا الغموض المهدد( هل نتكلم عندها عن تاريخ شقي؟ لست أدري. لكني لا أقول يا لشقاء التارريخ. بالفعل هناك امتياز لا يمكن رفضه للتاريخ) " 1"..
أليس الذي يتقدم به العنوان نفسه، في التفاصل بين مكوناته: الذاكرة، التاريخ، النسيان، مسنوداً بهذا الاعتراف الخطي بخاصية البلبلة المستمرة في عالمنا بالذات وإلى مأزقها؟ إنما دون تشخيص مباشر لفاعلي الشر فيه؟
بناء عليه، لا تعود التجربة معمَّمة ومبشّرة بالختام السعيد، لأنها في مجملها تجربة مأساة مستدامة، رغم وجود فواصل تمثّل التاريخ، ومجتمعات في أتون تجارب الحياة والعنف المدمر من خلاله، ولهذا، يُعطى السرد الذي يظهر أنه مستعار من حقل الأدب، لبوسَه الفلسفي، تعبيراً عن متغيرات الأحوال، وحاجة ما هو فلسفي وفكري بالمقابل إلى المزيد من الرفد، ليس إشهاراً لزخم قوة مضطرد، وإنما تشهيراً في عجز لا يمكن تجاهله، وهو ما يمكن النظر فيه، في ضوء انشغالات ريكور، من واقع تجربته عينها.
لهذا، فإن الذي يتحراه الخويلدي فلسفياً، في مسعاه البحثي بارتكازاته التجاربية، متاخمة لهذا الشاغل الريكوري، أي كيفية استثمار مفرداته التي استحالت مفاهيم خاصة به، كالتاريخ، الأدب، السرد، القص، المجتمع، الاستعارة، اليوتوبيا، العدالة، الزمن، الذاكرة، التأويل، الحياة، الشر والأخلاق...إلخ، في مقالاته.

الفلسفة كفعل
الخويلدي معنيّ بريكور في عموم ما عرِف من موضوعات، ومن مدخل فلسفي، حتى في الترجمة، كما في ترجمته لكتابه" جدوى الفلسفة اليوم -2024 " والذي تتصدر غلافه الخارجي الكلمات التالية:
( يبدو أن الفلسفة - كما يقول برتراند راسل- قد دخلت في أزمة أساسية، وهي الأخطر في تاريخها. لقد تم" تمت" مهاجمتها من جميع الجوانب من مختلف التخصصات العلمية، وكانت قد رفضت المجالات التقليدية التي تم منحها لها من الإغريقيين. وهي بدورها تتحول إلى حقول بحثية جديدة: الأساس المتين للقدرة الكلية العلمية، دلالة التاريخ، والتفكير في السيميولوجيا والألسنية، والاستيطيقا ... لقد استجوبنا البروفيسور بول ريكور لكي نسأله عما إذا كان انحطاط الفلسفة من حيث هي مؤسسة سوف يتطابق مع انحطاط في العمق.).
ماذا يعني هذا التصدير عملياً؟
لعل من أهم الإشارات المرسلة من خلاله، هو ذلك الحرص ليس على الفلسفة في حد ذاتها فحسب، وإنما على الدور الذي يمكن أن تلعبه، لا بل وتقوم به في حياتنا، إن إردناها فهماً ووعياً وارتقاء بها أيضاً.
هذا من الجانب الذي يخص ريكور في مجتمعه المأخوذ بالفلسفة والمبتهج بها، مجتمع الفلسفة، كما هو مجتمع أي علْم آخر، بينما في الجانب الذي يخص مترجم الكتاب، أي باحثنا، فثمة وضع آخر، حيث لا يجري الحديث عن وقوع أزمة، أو حدوث مشكل هو صدع في الجدار الفلسفي في مجتمعه، والمجتمعات المناظرة له، بقدْر ما يكون التأكيد على أن في الفلسفة، من خلال الأسئلة التي تطرحها، والوعي الذي تمثّله،مدخلاً قويماً إلى الحياة التي لطالما جرى التنويه إليها، في ضوء ما يجري النظر فيه في الطرف الآخر من المتوسط!
يُلاحَظ أننا هنا نتحدث عن الفلسفة كأسلوب حياة، أي حيث لا يمكن أن تكون للحياة قائمة دون اعتبار الفلسفة عنصراً مؤثراً من عناصر التفكير فيها والتعامل معها، حيث إنه ( على الرغم من أن الفلسفة كأسلوب حياة لا تُقدّم نفسها صراحةً كنشاط تدخلي، إلا أنها مع ذلك نهجٌ يتوافق تمامًا مع النشاط، وذلك بحسب القضية التي تتناولها. ويُوضّح استعراض الدوافع والممارسات التي تُبرّر البساطة الطوعية وعلم البيئة العميق هذا الأمر، لا سيما عندما يتطلّب الدفاع عن الطبيعة اللجوء إلى العمل المباشر. ولكن في كلتا الحالتين، كما رأينا، يبقى الأمر دائمًا مسألة مقاومة من خلال أسلوب الحياة. وفي هذا الصدد، تُقدّم الفلسفة كأسلوب حياة نفسها كشكل بديل من أشكال النشاط.) " 2 "
من بيير هادو، إلى دانيال ديروش، يجري التركيز على الفلسفة، فهل هناك صوت يُصغى إليه في مجتمعاتنا التي لا يعرَف تاريخها بالكثير من العداء لها، لا بل وتسفيهها، وإن وجدت مواقع لها، لكنها استثنائية ؟
ثمة بحث عبارة عن محاضرة لريكور يرجع تاريخها إلى ( 22 تشرين الأول 1965 ) يتحدث فيها عما تكونه الفلسفة ، وتقوم عليه من قيمة، ومن مغذّ عقلي وروحي، وعما تشكله من دعامة حيوية تنويرية للحياة.
كيف يمكن أن ترى في الحياة ما تستحق شرفَ تسميتها في مجتمع سوي فعلاً؟( أودّ أن أضع مسألة الفلسفة والحياة اليومية هذه في صميم مجتمعنا، الذي لم يعد بالتأكيد ساحة أثينا، أو في صميم مجتمعٍ حديثٍ يتّسم بعددٍ من السمات التي تعرفونها جيدًا، والتي ربما تدخلونها بدهشةٍ أقل من أسلافكم لأنكم وُلدتم فيها. إنه مجتمعٌ يُعرَّف في المقام الأول بتقنياته، تقنيات الإنتاج، وتقنيات الاستهلاك، وتقنيات الترفيه؛ وبالتالي، هو مجتمعٌ وضع لنفسه هدف الاستهلاك المتزايد، وهدف تحقيق رفاهيةٍ أكبر. وهو أيضاً مجتمعٌ غير متأكدٍ تماماً من أهدافه والقيم التي تنطوي عليها تلك الأهداف.
ثم ما يعمّق القيمة المجتمعية لفكرة الفلسفة، ومكانة الفلسفة في بنية هذه القيمة( صحيحٌ أننا نعيش في مجتمعٍ، من جهة، يزداد عقلانيةً في وسائله وتقنياته وتنظيمه، ومن جهةٍ أخرى، يزداد عدم يقينه بأهدافه، ليكتشف بذلك هاويةً من العبثية في صميم مساعيه العقلانية؛ وأعتقد أن هذا هو الصدام الجوهري في المجتمع الحديث بين عقلانية التقنيات المتنامية وعبثية أهداف هذا المجتمع المتزايدة. عند هذا المنعطف، تكمن المسئولية الأساسية للفلسفة، على مستوى ملموس ويومي تمامًا، ألا وهي التساؤل، في زمن سقراط، عن الوسائل التي يوفرها مجتمع الوفرة. ولهذا السبب، تسعى الفلسفة إلى تبديد الشك الكامن في صميم ما يبدو لي جليًا: السعي الدؤوب نحو مزيد من القوة، ومزيد من الرفاهية، ومزيد من امتلاك الأشياء.) "3"
الأسئلة ذاتها، تلك المتعلقة بالمستجدات والتحديات يجري طرحها، والغاية واحدة: حماية الحياة مما يعكّر صفوها في عيون كائناتها، حيث تلتقي البيئة مع المجتمع والعكس، وفي عالم اليوم خصوصاً. بهذا يكون ريكور قد أكمل عدته بمفهومها الفلسفي الجامع المانع، كما يقال فيه وعنه، عبر متوسط حسابي، ربما هو جانب في الاعتدال، أو التوفيق، أو المواءمة بين المواقف، ليكون له حضوره من واقع التجربة إذ( يمارس ريكور الفلسفة لأنه يرى أنها ذات أهمية قصوى للفعل الإنساني، وللسلوك البشري بجميع جوانبه، بل وللذات التي تقوم بهذا الفعل وهذا السلوك. ثانيًا، يُجري ريكور أبحاثه من خلال الحوار ليس فقط مع الفلاسفة، بل أيضًا مع تخصصات أخرى،لا سيما العلوم الاجتماعية والتحليل النفسي والقانون واللغويات والأدب واللاهوت. أخيرًا، يدرك بول ريكور أن ممارسة الفلسفة بالتأمل في معنى الفعل الإنساني والانخراط في حوار مع مواقف مختلفة، بل ومتعارضة، لا يمكن أن تتم دون صراع. فبدلًا من التوفيق السطحي بين الأطروحات وفقًا لإطار جدلي جاهز، يبدأ بجعلها جذرية حتى تبدو متناقضة. فالمفارقة هي التي تُولّد الفكر.) "4"
إنها دعوة إلى كيفية تجسير الفجوات بين المواقف والآراء، مع استفحال المشاكل، وعدم الرهان على وجهة نظر معينة بوصفها استثناء الاستثناءات، وفي ذلك يكون سهم ريكور المعرفي المعتمَد عليه كثيراً، إذ ( في هذا العصر الرقمي،حيث تُهدد النماذج السلوكية بتشكيل أفعالنا عبر حثّنا على الطاعة،دون تمييز، للخوارزميات التي تتحكم بأدوات الحاسوب، يبدو تفعيل ملكتنا الإبداعية أمرًا بالغ الأهمية. فهو يُتيح لنا إعادة اكتشاف علاقة غير نفعية مع العالم، واستعادة الروابط الإنسانية الحقيقية من خلال تفاعلنا مع "الآلة الرقمية". كما يُشجعنا على تنمية إبداعنا، وتفكيرنا النقدي، وعلاقة مثمرة مع الطبيعة وجميع الكائنات الحية. يدعونا عمل بول ريكور، في مواجهة إغراء الانعزال القائم على الهوية والعنف الاجتماعي، إلى توجيه حياتنا نحو الصالح العام والسعي نحو نظام عادل، يهدف إلى تحقيق السعادة المشتركة، ويشمل "الرعاية بالنفس، والرعاية بالآخرين، والرعاية بالمؤسسات العادلة".) " 5 "
وهذا من شأنه أن يدفع بنا إلى تتبّع آثار له،تثرينا معرفتنا بكتابته من واقع التجربة الخاصة به . أي حيث ينتظرنا باحثنا الخويلدي، بنفحة من عناوين تسد فراغاً من هذا النوع، وفي الوقت نفسه، يجري تتبّع لما سطّره هو نفسه في ضوء هذه التجربة مع آخر، ليس أي آخر، بالنسبة إليه، أي ريكور تأليفاً وترجمة معاً، كما لو أنه في مسلكه البحثي لا يكتفي بالاستهداء، وإنما بتوسيع دائرة القراءة والكتابة، تجربة تتعمق مع الزمن.

الكاتب الفلسفي وكتابة التجربة
أشير إلى أن الخويلدي محترف الفلسفة، لحظة تحرّي القائمة الطويلة والمتنوعة لموضوعاته. لا شك أن في ذلك جهداً نفسياً وفكرياً لا يجب التقليل من أهميته ، حتى لو أن ذلك في سبيل بناء الذات .
من منطلق التفاعل بين كل من التجربة والكتابة، يمكن طرح السؤال التالي: كيف يقيّم الخويلدي علاقته مع الآخر الذي هو ريكور، حين يترجم حواراً معه، ويجسّد مشاهد حية صادمة ومؤلمة عن حياته أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي المعتقل النازي، بما أنه منهمّ به فينومينولوجياً، أي حيث إن ريكور سعى انطلاقاً من نوعية المعاناة التي عاشها هو وأفراد عائلته، والمشاكل التي واجهها والتحديات المختلفة التي تصدى لها، وفي ضوئها يمكن تسمية الكثير ممن كتب من موضوعات، وعاشها في منعطفات السيرة الفكرية له؟
أشير مثلاُ إلى نص المقابلة الذي ترجمه ونشره بتاريخ 21 كانون2/كانون الثاني 2023 " موقع أنفاس "، حيث نقرأ في التقديم:
( نظرة إلى الوراء على فكر وحياة شخص رائع، بعد أن أثرى علم النفس الذي نحبه. قبل مائة عام، ولد بول ريكور. كان شخصية عظيمة في الفكر الفرنسي في القرن الماضي، وقد ساهم بمفهوم الهوية السردية في إعادة التفكير في الذات باعتبارها القصة التي يرويها الجميع لأنفسهم. كتقدير، ننشر مقابلة أجريت في عام 1997 ولم تُنشر في فرنسا، حيث قدم تلميذ الأمة هذا، بإخلاص مذهل، قصته الخاصة. اعتبر بول ريكور ، الذي كان سيبلغ من العمر 100 عام في 27 شباط 2013 ، فرصته الرئيسية ليكون كمحاور له أعظم الشخصيات في فلسفة القرن العشرين ووجد نفسه متورطًا في جميع الأسئلة الأساسية التي أثارتها الفينومينولوجيا. التحليل النفسي، البنيوية ..).
وأنا أورد جواباً له حول سؤال يخص المشكلات وكيفية مواجهتها:
( أعتقد أننا سنواجه عبورًا صعبًا للغاية للصحراء في أوروبا الغربية. لأننا لم نعد قادرين على دفع الثمن الذي يدفعه لنا الفقراء. إن صعود الاقتصادات الآسيوية الفتية، أي اقتصاد الصين نفسها، يتطلب عملاً شاقًا لن نكون قادرين على تحمله. ليس فقط لا نريدها، لكن لا يجب علينا! لن نعود إلى أيام عمالة الأطفال ... ولهذا أنا مؤيد بشدة لأوروبا. فقط اقتصاد كبير يمكن أن يمكّن أوروبا من النجاح. ايهما أفضل؟ في الولايات المتحدة، حيث يتم فرض ضرائب على إنجازاتنا بـ "الجمود"، يعمل ملايين الأشخاص بأجور منخفضة للغاية لكنهم يظلون في النظام ... هل سيكون من الأفضل لنا العمل مقابل أقل؟ ثقافيا نجيب: لا! هل يجب أن نقاتل من أجل هذا الموقف أم التراجع؟ هذه في الحقيقة قضايا تتعلق بالتشكيك في اختياراتنا الثقافية الأساسية وصورتنا الذاتية.)
وما يخص سؤال التأويل واهتمامه به ومغزاه:
( نعم. حقيقة أنني لا أشك في ذلك، لكن ما أنا عليه الآن مشكوك فيه بشكل أساسي. وبالتالي، فأنا لست قريبًا من نفسي، لكنني دائمًا في علاقة تأويلية. لذلك عليّ أن أجعل المنعطف الكبير للأعمال الثقافية للعودة إلى الوطن: هذه الدائرة العظيمة للتأويل هي أقصر طريق مني بالنسبة لي.").
ينفتح التأويل على مساحة واسعة وغير منضبطة من العلاقات مع العالَم، حيث تكون الذاكرة منجرحة، وما يكون عليه الماضي من فاعل إيلامي ولو في اللاوعي. لتكون خاصية المنعطفان خاصية منفعلة بأمكنتها وأزمنتها، وفاعلة على وقْع المنبهات الساخنة مما كان وديمومة أثره.
أليست قراءة التأويل في مجالاته النصية مشدودة إلى جملة تجارب مؤثرة معاً في سيرورة فلسفته؟ ومن ناحية أخرى، هل يمكن الجزم بأن التأويل مرحَّب به في ثقافتنا السائدة ، وما في ذلك لقولبة المشاعر والأفكار؟

حسبي أن أورد عناوين مقالات بهذا الصدد ، وبتواريخها:
عن أي حداثة خاصة يتحدث بول ريكور؟25تشرين الثاني 2015 " موقع النبأ "
هناك ما يحرره من التهمة المطاردة له هنا وهناك، كما يرى الخويلدي:
لقد اتفق غالبية الشُرَّاح على منح بول ريكور لقب "الفيلسوف المسيحي" وهي تسمية كثيراً ما كان يرفضها في محاوراته ويعتذر لكل من يطلقها على فلسفته وذلك لكونه يعتبر نفسه من طينة المفكرين الذين لا يعيرون أي اهتمام وثوقي في قراءاته الدينية بل يحاول قدر الإمكان التمييز بين سجل التفكير التأملي ومجال الإيمان الشخصي ويعرف تفكيره بوصفه فلسفة دون مطلق بل نراه يعول بشدة على هذا التمييز الصارم قصد التخلص من النزعة الألوهية واحترام مفاهيم البنية والاختلاف والغيرية والعلمنة. ليقول تالياً ما يبقيه بيتاً كبيراً متعددة أبوابه وشرفاته لمن يريد استشراف آفاق تترى من خلاله، بقوله( جملة القول أنه إذا ما أردنا التفكير بشكل أفضل بما قد بقي غير مفكر فيه عند بول ريكور فإنه حري بنا أن نعرج على عزمه ذات يوم كتابة جزء ثالث من مشروع "فلسفة الإرادة" كان يود تخصيصه للحديث عن مبدأ الخيرية والطيبة والبراءة والشاعرية ويبين فيه طرق الانتصار على الشر والعنف والكذب والتناهي وسبل مواجهة استعصاءات الإثم والذنب ومآسي التاريخ. لكن أليس كل ما كتبه هو صفحة جديدة غير مصرح بها لهذا الكتاب الذي لم يكتب؟) .
لكن ماذا لو أننا أمعنا النظر في تاريخه غير الصراطي، أي الخاضع لتلك المنعطفات، وتناول مفهوم الشر لديه، وربطه بالعدالة والغفران، وأخذ الإيمان المسيحي، وهو في معناه الواسع بعين الاعتبار، ومن خلال الشبكة المعقدة لمجتمعه تاريخاً وأفكاراً، وأي إيمان يتكلم باسمه، في ضوء الضغوط التي استشعرها؟
هل من ضير إذا أصغينا إلى قول أحدهم في هذا الجانب وهو:
( كان بول ريكور فيلسوفًا بروتستانتيًا. وقد اندمج إيمانه المعقد والدقيق والحواري في البحث الفلسفي من خلال رفض قاطع للإيمان المطلق. ولعدة قرون في فرنسا، ربطت النخب بين البروتستانتية والعقلانية العلمانية. لهذا الواقع وجهٌ آخر: كراهية الجمهورية المتأصلة للكاثوليكية، التي تعتبرها متخلفة بطبيعتها. في هذا الصدد، ينتمي بول ريكور إلى شريحة مطمئنة من النخبة الدينية: أولئك الذين، رغم كونهم مسيحيين، لا ينتمون إلى المعسكر الكاثوليكي.
لا يُعيق الإيمان الذكاء، بل يُنمّي حسًّا أعمق بالعقل. ويُغيّر الدين المسيحي مفهوم الأخلاق السائد:
"يمكننا تحديد نوعين من الأخلاق: أخلاق التكافؤ، وهي أخلاق العدالة التي تُوازن فيها حقوق الجميع. وأخلاق الوفرة، التي يُجسّدها الدين المسيحي، وهي أخلاق المحبة"
"أنا مقتنع، بل أنا على يقين تام، بأن الإسلام سيسلك، بطريقته الخاصة، مسارًا مشابهًا لمسارنا. فبسبب هذا التاريخ المؤسف من الاستعمار، وكل أنواع القمع، وبسبب الوضع الجغرافي - فالإسلام يقع في معظمه في العالم الثالث - فقد كانوا هم أنفسهم ضحايا للكثير من العنف..." مما حال دون سلوكهم هذا المسار. هذا هو اعتقادي الديني العميق حقاً: أن جميع الأديان قادرة على اتخاذ هذا المسار ضد نفسها وضد أصوليتها. لدي ثقة كبيرة بالإسلام، الذي يدين العنف المرتكب باسمه" (مقتبس من بول ريكور، مقابلة مع قناة آرتي، 5 أبريل 1996) " 6 ".
إنما إلى أي مدى يمكن الخلود إلى المطبّق قيمياً في سلوكاتنا الاجتماعية والثقافية وعلى صعيد الإبداع؟

تاريخ الفلسفة مجرد تأريخ لميلاد المفاهيم وهجرتها، 12 أيلول 2017 " موقع أنفاس "
( يطرح وضع الفلسفة في التاريخ تحديا كبيرا، فالفلسفة تقدم نفسها على أنها معرفة بالأبدي بينما فن التاريخ يسرد ما وقع في حقبة معينة وبهذا التمشي يتعذر علي الفكر العثور على واحد منهما على أرضية المغاير.
يمكن أن يختلف الفلاسفة حول الماهوي ويجوز لهم أن يتنازعوا على الكلي والإبحار في عالم المعرفة والقيم والوجود أينما أرادوا ولكن غير مسموح لهم بتاتا الهروب من تحمل مسؤولية تغيير الواقع وإلا قد يخرجوا من دائرة الفلسفة ويكفوا عن اقتحام مغامرة التفلسف لتلتصق بهم تهمة السفسطة والدجل والإثم.).
( بطبيعة الحال لا تكمن أزمة الفلسفة في التباس دلالتها وعطالة أدوارها وقلة المشتغلين بها والمتحمسين لها بل في ضعف جدواها على الصعيد الإبداعي وانخفاض منسوب الفاعلية وارتباطها بالماضي بدل الحاضر والمستقبل وخروجها من التاريخ ودخولها في سياق لغوي غزاه البعد الشكلاني وهجره البعد التداولي.)

بول ريكور بين التاريخ والذاكرة، 8-3/ 2021" موقع الحوار المتمدن "
حيث يثمّن هذا الكتاب عبر الإحالة إلى قول أحد الباحثين وهو( هذه التحفة الفنية الجديدة التي كتبها بول ريكور مدهشة من عدة نواحٍ: كتبها بول ريكور بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا من تقاعده من الجامعة الفرنسية وبعد أحد عشر عامًا من آخر فصل له في جامعة شيكاغو. بالإضافة إلى ذلك، يعد هذا الكتاب المؤلف من 660 صفحة بمثابة جولة فلسفية هائلة. يقتبس ويناقش أفكار 213 مؤلفًا.) محاولاً تقديم فكرة موجزة عن كتابه عالي الجودة، كما هو مسطور باسمه، متطرقاً إلى إشكالات كل من التاريخ، النسيان والذاكرة، وواقع الممارسة ، جهة العدالة، المقاضاة، التحقيق في الإفادة، والأرشيف والتأكد منه،وما يكون للتساؤل من قيمة استئنافية للحوار أو النقاش في النتيجة(يتساءل ريكور، مثل أفلاطون، عما إذا كانت الكتابة وسيلة مساعدة للذاكرة أو تهديد للذاكرة. ما هي الجدلية بين الذاكرة والنسيان وأين القصة في هذا الديالكتيك؟ هل يمكن للتاريخ أن يلعب دور الوسيط السعيد بين الكثير من الذاكرة والذاكرة غير الكافية، بين كثرة النسيان وعدم كفاية؟ أخيرًا، فإن الجدلية بين الذاكرة والنسيان هي الأكثر حدة في حالة التسامح والتناظر السياسي للعفو. مثل معظم أعماله، يترك هذا الكتاب من قبل ريكور العديد من الأسئلة مفتوحة كما يتم" تتم " الإجابة عليها... ).
يمكنني هنا رفْع سقف المعطى لكل ما ذُكِر: التاريخ، النسيان والذاكرة، إلى أعلى مستوى له، تعبيراً عن المساحة الواسعة والتي تتجاوز نطاق المرئي تحديداً، مساحة المنغصات على وجه التحديد، بالنسبة للتاريخ عينه، جهة متغيراته، ونوعيتها، وفعل الزمن في الحالات الثلاث، وجدوى السرد في مثل هذا التمثيل الثلاثي، لما هو محمول" جماعة وفرداً" ولما هو مسطور" تاريخاً " ولما واقع في الوسط جهة النسيان، وما يكون للسرد من قيمة إغاثية في رصد المعرَّض للكارثي أو الفاجعي، داخلاً وخارجاً، وسريان فعل المأساة في كل منهما، واستدعاء الماضي بالسرد، ليس حباً به وإنما سعياً إلى إبقاء ما كان في " الحفظ والصون " وإبقاء التاريخ معروضاً للنظر والمساءلة كذلك.
في مقاله : الحدث التاريخي بين القصص الأدبي والسرد الفلسفي، 20 نيسان 2020 "موقع النبأ "
يوسّع من منظور حدثي نطاق العلاقة المركَّبة بين كل من القصص الأدبي والسرد القصصي.
لا يخفي نباهة الإشارة إلى شبكية العلاقة البينية هذه بقوله( لقد طرح اللقاء بين السرد والحدث عدة تحديات وإحراجات تتعلق بالنزاع بين الذاكرة والنسيان وبين الماضي التاريخي الشمولي والراهن الثوري وأعاد على بدء التفكير في مسألة الهوية والخصوصية ومقارنتها بالكونية والعالمية. غير أن التوجه نحو إعادة تكوين الهويات على أساس سردي أحدث بدوره قطيعة بين المرجعيات وأربك التفسيرات الإيديولوجية للتاريخ وأمط اللثام عن قيمة القصص وأدى إلى إعادة تنزيل لمقولة الحدث ضمن الحقل الإيتيقي بحثا عن المعنى بالتأويل وإعادة قراءة التاريخ الثقافي للإنسانية إنقاذا لحقوق الشعوب والحريات الفردية وتمتينا للتوافق المستحيل وإبراما للمصالحة الممتنعة مع الواقع العبثي.).
من منظور فلسفي وتاريخي يقتفي ريكور أثر كل منهما، ليقيّمه الخويلدي هكذا( إن المجهود التأصيلي الذي قام بهر يكور في الزمن والسرد يتنزل ضمن محاولات الفلسفة المعاصرة التقاط الحدث ضمن رؤية هرمينوطيقية فنومينولوجية تدخل السرد في عمل المؤرخ وتقحم التاريخ في السرد الخيالي وتسعى الى ترميم الذاكرة وانتشالها من هيمنة التراث السلطوي وإجراءات النبذ والمعاقبة وتستثمر النسيان في وظيفته الايجابية قصد تخطي الذاكرة المجروحة والمهانة من طرف سياسات الهوية.) وفي المحصلة تأتي أسئلته استقصائية واسكتشافية للعلاقات القائمة بين الحدث والسرد ومقام التاريخ ، مثل( كيف يمكن للتاريخ أن يبقى سرديا يبني الحبكات ويفهمها بينما يكف عن التعلق بالوقائع والأحداث؟ هل تنتقل حركة التساؤل التاريخي رجوعا خلف السرد في اتجاه الممارسة الفعلية للتأمل النقدي للذات؟ والى مدى يجوز للتاريخ استعمال قوانين بالرغم من أنه لم يساهم في صناعتها ولم يؤسسها؟ ماهي قدرات الفرد وقراراته وأفعاله ضمن مستوى حكمه على الأحداث التاريخية ذات النطاق الواسع؟...).
إنما ما حكم التجربة، تجربة الكتابة، كتابة معينة في ذلك، لحظة التمييز بين قول وقول؟ أنا أتحدث هنا عن الدور المتحول للزمن وتلونه بتجربة الكاتب ورؤيته للحدث في تاريخه، ومهمة السرد المفعَّلة في نسجه.
أتحدث عن انكسارات الزمن، وانقطاعاته من خلال طبيعة أحداث التاريخ ودقتها في مجتمعنا، وتلك النظرة المعتمدة للسرد، وكيفية إجازتها لحظة تسمية الأحداث الكبرى على مستوى الأمة في وضع سياسي غير آمن ومعايَن من هذه النقطة الرجراجة التي تجعل الكاتب نفسه ضحية سرد يشكل مغامرة قاتلة له في ذلك؟ إنه حديث عن هشاشة الزمن، اغترابه في تواريخنا، ونفحة القدرية، والمأثرة الإيمانية النفاثة بالمقابل، والذي يتعلق بالمفهوم الدوني للبشر وفنائهم المحتوم، ما يخصالجماعة المحكومة بعصا الراعي، حيث يصعب أو يكاد يكون مستحيلاً على السارد نفسه، أن يسمّي ويسلسل ما يراه، وليس ما يُطلَب منه، أو ما يجري تجنبه لأن ثمة عواقب رحالة في التاريخ هنا وترصد ضحاياها باستمرار..
بناء عليه ( إذا كان صحيحًا أن السرد يُحوّل زمنيتنا، فهل يفعل ذلك دائمًا من خلال تثبيتها في تماسك، كمرشد إيجابي؟ ألا يمكن أن تكون هناك أيضًا أشكال أخرى لإضفاء الطابع الزمني لا يتحقق بالضرورة من خلال السرد، ولكن مع ذلك من خلال وساطات موضوعية؟ هل من الممكن إذن أن تنقلب هذه الوساطات الموضوعية ضد الذات، مُقوّضةً تجربة زمنية إيجابية في الأصل؟ في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان"، يستكشف ريكور تحولات جديدة يمكن أن تُحدثها السردية، بعيدًا عن كونها مجرد سرد لتناقض محتمل تم تجاوزه، على تجربتنا. ومن هنا يبرز خطر إساءة استخدام السرد، والذي يتجلى تبعًا لما إذا كانت الذاكرة والنسيان مُعاقة، أو مُتلاعب بها، أو مُجبرة. يُعزى هذا الخطر أولًا إلى الطبيعة الانتقائية للسرد. فالسرد لا يمكن أن يكون شاملًا، وإذا ما روى بعض الأمور، فذلك لأنه يُغفل أمورًا أخرى، وبالتالي من الممكن دائمًا سرد القصة بطريقة مختلفة. وينبع هذا الخطر أيضًا من انغلاق النص، مما يُسهم في إهمال بُعده الخارجي. فبينما تكشف سهولة قراءة السرد عما لم يعد موجودًا أو ما لم يعد موجودًا، فإن هذه الرؤية مكتفية بذاتها أيضًا - إذ يكشف النص عن عالم كامل - ويمكن أن تنفصل عن الواقع الذي كان من المفترض أن تصفه.).
وما يقود مسار متابعة لما يجري إشكالياً ووجوب أخذه في الاعتبار، إذ إن ( بعض التجارب الزمنية ستكون أسعد وأكثر أخلاقية من غيرها. في الواقع، بما أن الإنسان، وفقًا لريكور، لا يكون قادرًا إلا إذا كانت الطبيعة المثالية لماضيه لا تزال مفتوحة لمشروع مستقبلي، فإن ليس كل تجربة زمنية مناسبة للإنسان القادر.
ولهذا: لا ينفتح الإنسان على إمكانية التصرف أخلاقياً أو لإلا إذا ترسخت لديه تجربة زمنية معينة. فإذا طغت الذاكرة، انحصرت البشرية في أفعالها الماضية وعجزت عن الفعل؛ وإذا طغى النسيان، عجزت عن الاستناد إلى تجارب الماضي الناجحة للتصرف مجدداً. فبينما نستطيع تغيير بعض جوانب الزمن، فإن إمكانياتنا تتأثر بدورها بالزمن الذي نخلقه.) "
ذلك ما يبقي السرد مفتوحاً، دون انغلاقه على نفسه، أو عند نقطة معينة، أي ما تكون للتجربة إمضاءتها في الإحالة إلى كاتبها، من خلال حضوره النوعي في الزمن، وما يمكن أن يُقرَأ في ضوء ذلك، وحالة اللاتطابق المستمرة والقائمة بين الكتابة كتجربة، والسرد الذي يقصر أو يطول في التعبير عن حدث ما. أي ما يخرج الزمن من لامفهومه إلى مفهوم يُعنى به في ضوء السرد وبنيان عمقه ودلالته، ومتى وأين يحصل اختلاف أو تباين بين حلقة منه وأخرى، كما هو الممكن قراءته في تجربة ريكور، ولماذا منح الزمن والسرد اهتماماً كبيراً، إن لم يكن للتجارب المريرة التي عاشها ومر بها، وقابلية الإفصاح عنها في مجتمع مشهود له بالصراحة أو الاعتراف، أو الدخول في متاهة ذات جرّاء كثافة المعنى ( الذات عينها كآخر، كتابه الصعب والضخم مثال حي دال على ذلك، وليس من نسج الخيال بداية ونهاية )، إلى درجة تبيّن الفراغ بين حلقة وأخرى، أو شبهة التعبير من خلال هذا العود المستمر إلى مساءلة الذات بالذات وإشكاليتها، وكيفية طرح مفهوم الهوية خارجاً، دون أن ينالها أذى يقلل من فرديتها، دون إيذاء الآخر بالمقابل، لهذا فإن ( ما يُميّز كتابات ريكور هو طبيعتها المُتطورة، التي تُشبه تأمّلاً عميقاً، وعملية فكرية مُستعدة دائماً لاتخاذ منعطفات غير متوقعة. في هذا الصدد، يبدو ظهور مفهوم الهوية السردية في وقت متأخر، في نهاية المجلد الثالث من كتاب "الزمن والسرد"، دليلاً على الطبيعة المُتنقلة، والمُتقلبة أحياناً، والمُرتجلة غالباً، لهذا النمط من التفكير في السرد. فبدلاً من أن يُعلن عنه في مُقدمة المجلد الأول، يُقدّم ريكور مفهوم الهوية السردية كحلٍّ طُوّر في اللحظة الأخيرة لإنقاذ تأمّله العميق من الوقوع في فخّ التكرار المُملّ، الذي كان يُهدّده منذ البداية. إذا كانت التجربة الإنسانية تُروى للوصول إلى الوجود، فذلك لأنها في جوهرها سردية بطبيعتها، فلماذا تبحث هذه الحياة "السردية الداخلية" عن قصة جديدة؟
يُجيب ريكور في نهاية المطاف بأن السرد المتجدد باستمرار لتجاربنا يسمح للهوية، هذا "النسل الهش rejeton fragile"، بالحفاظ على نفسها وسط التغيير. ستكون الهوية محكوم عليها، مثل سيزيف، بإعادة بناء نفسها باستمرار لضمان ديمومتها عبر الزمن. وهكذا، يبدو إرث ريكور كمسار غير مؤكد، مستعد دائمًا للتناقض مع نفسه، ولكنه بلا شك يظل علامة فارقة أساسية في مجال البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بعد التحول السردي، كحلقة وصل بين الماضي والحاضر.) "8 "
ولا بد أن معايشة الخويلدي لهذا المنحى الصعب والمعقد جدا، أي كيفية تناول الهوية عبر سرد لا يمكن التحكم في سرعته، والزمن الذي يعرَف بسريان فعله في الجسم، تتأتى من هذا الوعي المعذَّب بالذات والآخر، من هذا القلق الذي لا يُخفى في تجربة لافتة بعناوينها المجتمعية، ومكانة الفرد فيها، كخاصية مواطنة، ومكانة المجتمع في العالم، ومدى حضوره النوعي وأي تمايز يُعرف به، كما في مقاله:
الهوية السردية بين الخصوصية والكونية، 18 آب، 2014، " موقع سومريننت "
حيث يتوقف عند جملة نقاط لها مسار متفلسف، وترجمان مكابد في وسطه المجتمعي، كأن يقول:
( والحق أن الذات تعرف نفسها أكثر حينما تمارس وتتعذب وتتعلم أكثر من تجاربها عبر قص حياتها الممتحنة بالمعاناة وتجعل من الحكاية وسيلة للتطهر وفرصة لصقل النفس والدفاع عن الذات وتطهيرها.).
وما يتلمسه من نقاط مضيئة هي عبارة عن نقاط استناد وعيوية لما ينشغل بها في وسطه الأكاديمي، والمجتمعي المحلي، والعربي والشعور بالعالمية وكيفية بلوغها ( لقد تناول بول ريكور مفهوم الهوية بمختلف أبعاده الإشكالية وبيّن أزمة الهوية وخطابها الاقصائي ورفضها لحق الاختلاف ووقوعها في نزعة «فردوسية الأنا وشيطانية الآخر» وإضافة إلى ذلك فرق بين التعريف بالهوية كهوية عينية والاشتغال عليها كهوية ذاتية وربطها بالهوية السردية وصولا إلى العلاقة التفاهمية مع العرق والملّة التي ينتمي إليها الفرد دون إقصاء للآخر أو الشعور بالتفوق على الآخر.).
ليختتم المقال بما يضع قارئه في مواجهة ذاته والآخر، ويجرده من يقينه المتعالي" الغيبي":
( جملة القول أن ثبت الهوية هو مسار طويل تتبعه الذات من الرغبة في الاعتراف ومحاولة انتزاعه من الآخر والظفر به بالتوافق مع القيم الكونية ومنح الغيرية حق الضيافة والإقامة الوجودية في قلب الهوية. لكن ماهي الآليات الضرورية من أجل بناء هوية سردية عربية؟ وكيف تدمج الغيرية وتحقق البعد الكوني؟).
وأنا أقرأ ريكور في تناوله للسرد، للزمن، للهوية، للتاريخ، للذاكرة، للنسيان والمنعطفات، وأنا أقرأ بالمقابل ما يعنى به الخويلدي في السياق نفسه، أحاول التدقيق في التباين الاعتباري بينهما، محاولاً استنطاق الزمن الصامت الذي تسغرقه كتابة كل منهما من منطلق تجربة مختلفة، وأي زمن يشفع لكل منهما أكثر من الآخر في ضوء الثقافة السائدة، في مضمار جملة العلاقات المجتمعية المحكومة بتقاليد وأعراف وقيم معينة.
كيف أننا نتوسل السرد الذي يستجيب لرغباتنا الذاتية، مهما رقيّها في اقتصاد الكلام وجلاء المعنى، لأن هناك قاعاً يستحيل سبره بدقة، وانتقالات ريكور شاهدة في هذا الجانب، حيث ( نجد تأييدًا لفكرة وجود بُعد زمني تُرسّخه بعض ممارساتنا، كما يقول بول ريكور. فمع ريكور، يُشكك في أولوية الطبيعة التتابعية للزمن. لم يعد مفهوم الزمن مجرد لحظة عابرة تفسح المجال باستمرار للحظات جديدة، لأن نشوات الحاضر والماضي والمستقبل الثلاث تُعاد صياغتها في علاقات معقدة تتشكل وتُدار من خلال وساطات موضوعية. هذا ما كان يهدف إليه تأمله في السرد، حيث اختتم كتابه "الزمن والسرد" على وجه الخصوص بمساهمات السرد في إعادة تشكيل التجربة الزمنية.) " 9 "

التجربة ذات الوجه
كما نوهتُ، إلى أن الخويلدي مميَّز بتجربة كتابة من خلال تنقّله بين حقول معرفية مختلفة، وتلك حالة نادرة في دائرة لغة تتطلب الحد الأقصى من ضبط النفس، والمرونة والتروي، هي لغة الفلسفة .
وإذا كنت قد توقفتُ عند بعض العناوين المرفقة بما يماثلها ريكورياً، فثمة إمكانية للنظر في عناوين أخرى يكون الحاضر فيها هو الخويلدي نفسه، وفيها يسهل النظر في شخصيته المعرفية وتنوير الذات.
عناوين كثيرة تطرح نفسها في هذا المضمار، ولأن الباحث معني بالفلسفة ومسكون بهمها، أجدني مركزاً على أمثلة في هذا الشان:

التزام الفلسفة في عيدها العالمي، 21 تشرين الثاني 2016
لا شك أن الحديث عن الفلسفة حديث عن أرقى درجات المعرفة في مجابهة العالم ومشاكله، وما في ذلك من حافز تنويري، متوّج بحرية الفرد وقدرته على بناء ذاته ضمن جماعته. هل ذلك وارد في مجتمعاتنا؟
الخويلدي، وأنا أقدّر كل عبارة يسطّرها في هذا السياق، يتحدث عن الفلسفة وكأنها تبيأت في بيته، شارعه، محله، أو حيه، ومدينته، وفي الجامعة نفسها التي يدرّس فيها، كما لو أن هناك فلاسفة من نوع: كانط، هيغل، برغسون، ديوي، سارتر، سيمون دي بوفوار، إيمانويل لِفيناس، غادامير...إلخ.
حين أقرأ له:
( يحتفل العالم بيوم الفلسفة وتنظم الندوات من قبل الهيئات ويستدعى المؤرخين والنقاد والكتاب والأساتذة والعارفين في هذا الشأن الفكري وتلقى المحاضرات ويدور النقاش بين الحاضرين وتثار الاشكاليات وتطرح القضايا ويشتد التنافس ويتصاعد الجدل وتكتب البيانات وترسل بعض النصوص الى الاعلام وتعرض بعض الحلقات الحوارية في بعض المرئيات بشكل مباشر ومتقطع أو بصورة مسجلة ومتأخرة.).
أجدني على صعيد معايشة الفكرة في مدينة اليوتوبيا، لكن الواقع الذي ينطلق منه بأكثر من معنى ديستوبي. فكيف يجاز للفلسفة أن تتجذر في تربة رملية لا تصلح لاستنبات أي بذرة يُستفاد منها.
ربما بالطريقة هذه يستوقفني عنوان مقال آخر:

الفلسفة تنتصر لأنوار العلم ضد ظلام الجهل، 28 شباط 2018"موقع الأنطولوجيا "
فأزداد قهراً وانكفاء قهرياً على الذات، لأن هناك تعميماً في القول، وخطاطة قائمة في فراغ، بقوله التقريري
( الفلسفة تجربة ذاتية تتأثر بالبيئة الثقافية والهوية الحضارية للفيلسوف الذي يبدعها وهي كذلك شأن خصوصي بامتياز من جهة المصدر والمنبت والمولد والمنطلق والتكوين والانبثاق ولكنها حق كوني وقيمة مطلقة وعملة عالمية ومطلب أممي ومقصد نبيل لكل العقول ومنارة يهتدي بها كل كائن.).
وما يلفت النظر، كما لو أننا عشنا عهداً فلسفياً بكامل المعنى، ثم جرت انتكاسة( تعاني الفلسفة اليوم بشكل لافت من التضييق وتتعرض للتبخيس سواء في الأنظمة التعليمية والمؤسسات التربوية أو في الأطر الثقافية والبرامج الإعلامية ويلاقي المشتغلين بها الكثير من الازدراء والتهميش.) .
وما يضع القارىء في مواجهة محتوى العنوان التالي:

متاهات مابعد الفلسفة، 21 تشرين الثاني، 2018
كما قلت، لا أتحدث عن إرادة الفلسفة لدى الخويلدي وإنما أسأل عن الفلسفة كمكان إقامة معترف به، وهو يقول فيما يشبه التوصيف مع التنظير:
( لكي يفهم المرء التحولات التي تجري في الفلسفة المعاصرة أثناء متابعتها للمشهد الراهن الحري به أن يدرس نقاط الافتراق بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية ومواطن الالتقاء والاستفادة المتبادلة بينهما.
وما ينزيد القول وضوحاً:
( تُعَدُّ الفلسفة التحليلية صورة متقدمة عن الفلسفة القارية وشكل من أشكال الانتشار الجغرافي والتناسل الطبيعي لها وتعتبر الفلسفة القارية بمثابة المصدر الذي انحدرت منه الفلسفة القارية وتفتحت في الخارج.
إذا كانت الفلسفة القارية تنطلق من أولوية الرؤى والتصورات وتشتغل على مشكلات تاريخية ومنحرفة وتذهب في اتجاه النظر الواسع والمتعمق والشامل وتستخدم الرمز والاستعارة وتبذل جهودا أسلوبية دقيقة وتمارس التأويل فإن الفلسفة التحليلية تمنح الأولوية إلى الحجاج وتعود إلى الإشكاليات في طابعها المباشر وتبحث عن التوضيح والدقة والصرامة والإحكام وتؤثر الصياغة الأدبية وتفتش عن المقاصد الإيتيقية للكلام وتعلن عن أطروحات فلسفية بكاملها في جمل قصيرة وعن نظريات منطقية عبر عبارات مقتضبة.).
ومن هذا المنطلق أتسأءل وأسأل بناء على أي منطق أو مسوّغ زمكاني يُطرح سؤال كهذا:

أين هو الجمهور الفلسفي؟18 آذار 2019
وليجري الحديث في الجمهور الفلسفي، وأنا في وسط لا تُحتمَل الفلسفة كفلسفة، فكيف الحديث عن جمهورها؟ حيث يكتب :
( لا يتكون الجمهور الفلسفي من محبي الحكمة فقط ومن المشتغلين بالتعليم والتدريس والتربية على المواطنة والتمدن ولا يجب على الفيلسوف أن يتنزع الإقناع من جمهور الدين والرياضة والفن والسياسة والمال وإنما يلزم عليه أن يجلب إليها الآخرين وأن يصرف نظر كل هؤلاء عن الموقف الطبيعي وعن النظرة البديهية للأمور ويجعلهم في حيرة من أمرهم ويفكروا في ما يعجبون به ويراجعوا ما يهتمون به.)
ومن المؤكد أن الخويلدي لا يخفي تقديره العملي للفلسفة وجدواها، إنما أين؟ في البعيد البعيد:
( ولا يمكن للفلسفة أن تحظى بالتأييد في المدينة عندما تتحالف مع السلطة المستبدة وتهادن كهنة الدين وتسكت عن شعوذات الجمهور بل عندما تتصل بالناس وتطرح قضاياهم وتنقد المعارف المبتسرة والعلم والتقنية وتعالج مشاكل الواقع وتستشرف المستقبل وتغادر المألوف وتسافر إلى عوالم ممكنة غير معهودة وتبحر في ممكلة الخيال الرحبة وتجد لنفسها مسطح محايثة وتنقذ الناس من المهالك وتقيهم من المخاطر. أليس من المفروض أن تضاعف الفلسفة الاهتمام بالإنسان والمجتمع والتاريخ لكي تلتحم بالجمهور؟).
وهكذا الحال مع العنوان الآخر ذي القيمة الإشعارية الآلمة والمؤلمة معاً:
الحاجة في الفلسفة إلى الاستراتيجية، 2 آب 2023
أي حيث يكون المستقبل المضاء بأنوار العقل ، بالمعرفقة، بحضور المواطن الفعلي:
( استنادًا إلى عدد قليل من المبادئ العقلانية الدائمة كتركيبات للعقل البشري ، تم تنقيحها من خلال تقنيات معقدة ومتقنة بشكل متزايد ، تسعى الإستراتيجية إلى التوافق الواقعي بين الوسائل والغايات ، ووضع اللمسات الأخيرة على السلوك البشري. وتتمثل مهمتها في إدخال الحدس الاستراتيجي في السياق المادي والنظام الاجتماعي العام ، أي توسيعه إلى علم ممارسات اجتماعي ليس عقلانيًا تمامًا ، ولكنه ليس نفيًا لعقلانيته الخاصة.)
وما يأتي ختاماً:
( من خلال الإصرار على العلاقة بين الفاعلية والغائية ، يكشف النقد الفلسفي التشوهات بين التطلعات ومستقبلها ، والتشوهات التي تنتج ليس فقط عن تشوهاتها المتبادلة أثناء سير العمل ، ولكن من التناقض الذي يصيب أي استراتيجية: كما لو كانت الرهانات. لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الإجراءات التي تتسم بالشكوك. لكن بدون عدم اليقين ، لا توجد استراتيجية.).
إنني تلمس رأسي دائماً مع كلمة دارجة من هذا النوع، في زمان مختزل بسرد يسوسه هنا وهناك. لهذا فإن
كلمة الاستراتيجية تفزعني، بقدر ما تهددني في مجتمعاتنا التي لم تشهد في حياتها، كما يمكن القول ، حضوراً للفلسفة، من باب الاعتراف بأنها غير قادرة على النهوض والاستنهاض دونها، أي في مجتمع، يكاد يخلو كلياً من هذه الكلمة" الاستراتيجية "، ربما من تحديد نوعي رهيب وهو " استراتيجية الراعي في قيادة القطيع".
يمكن تتبع مقالات أخرى وهي كثيرة في سياق ما يشبه المراجعات والنقل دون أي إشارة مرجعية، حيث يحضر فيها فلاسفة متعددو المشارب الفكرية ، كما في ، موقع الأنطولوجيا، مثلاً:
أهمية تدريس الفلسفة للأطفال، 3 تشرين الأول 2019 .
معنى حضور الإنسان في العالَم، 22 كانون الأول 2019.
فن طرح السؤال بما هو المقام اللائق بالفيلسوف، 30 كانون الأول 2019.
الظاهرة الدينية من حيث هي ظاهرة هرمينوطيقية، 20 نيسان 2020.
الدولة: كيان سياسي سيادي، 27 تشرين الثاني 2020.
أصوات الشارع العربي، 6 تشرين الأول 2021 .
ربما كان الذي أفصح عنه باحثنا المتفلسف، يضيء جملة الصفحات الخاصة بمقالاته ودراساته، على صعيد الواقع في بعديه: السياسي والاجتماعي العربي، أي حيث يكون الشارع، بمفهومه العربي غيره في الغرب، تأكيداً على مكانة الفرد، وظهور الشارع مفتوحاً، وليس مراقباً ومرصوداً سلطوياً عربياً، حين نقرأ( من لا يحسن الإنصات لأصوات الشارع العربي لا يفهم ما يحدث داخل العالم العربي ولا يحسن التعامل معه ولا يمكن التعاطي معه والتفاعل مع الرسائل الموجهة الى السلطات ولا يؤثر في مجرى التاريخ المجتمعي.)، بمعنى آخر، يكفي أن تنظر إلى الشارع هنا وهناك والإشارات والعلامات التي تجلوه حتى تعرف كيفية تصريفه كرأسمال رمزي، مكاني- زماني، أي ما يخرج الشارع عن ماديته وما ينبني ويتحرك على طرفيه، وحيث إن ( الجماهير العربية ليست محددة بقدر ما هي الطريقة التي يتم فهمها بها. فمتى يقوم الشارع العربي ويمتلك المبادرة وينتزع السلطة من خصومه ويقلب الطاولة عليهم؟).
تساؤلات حول المقهى، 7 أيار 2023 .
لا شك أن الكتابة حول المقهى محفزة على النظر في الأرضية التي يقوم عليها، والباحث يسطّر عبارات لها رونقها في مكاشفة حركية المقهى مشرقاً ومغرباً، وثمة ما يضعنا في مواجهة مفارقاته( تستعمل السلطة المقهى لتركيز آليات النظام التي تريد إرسائه في المجتمع وتوظفه أيضا في نشر قيمها وثقافتها الرسمية ولكن في المقابل يلجئ المعارضون لها إلى نفس الوسيلة من أجل تعريف الناس بأفكارهم ومن أجل بناء الوعي النقدي وتكوين رؤية نظرية شاملة للواقع الموضوعي الذين يعيشون فيه.).
إن قراءة المقال تمنح القارىء لذة على تماس مباشر بمناخ المقهي وحفرياته، إنما هناك البعد الكابوسي له في عالمنا، وليس في الغرب، شأنه شأنه أي مكان، سكن، محل، حانوت، مطعم، نادي، مركز معين وغيرها، وما الأسئلة التي يطرحها في مختتم المقال إلا التعبير الدال عن هذا العنف الكامن والقائم ( كيف يتحول المقهى إلى مكان للمطالعة وحوار الأجيال والتثاقف بين المجموعات والتواصل بين الأنماط؟ وماهو التعديل الذي ينبغي أن نجريه على مقاهينا حتى لا يكون تكاثرها أمرا سلبيا؟ متى يكون المقهى المكان الذي يطرد فيه المرء الحيرة والاضطراب ويستجلب الراحة ويوقظ فيه ملكة السؤال؟ أليس المقهى مهبط الإلهام الآدمي؟ وألا ينبغي أن يتحرر المقهى من منظومات التعبئة والديماغوجيا التي تمارس عليه؟) .
أسئلة أو تساؤلات تشكل في جوهرها العملي إجابات تنويرية تعرّي واقعاً لا يُسلّم به متحرّراً من وطأة الأعلى.
وهي إلى جانب محتويات المقالات المذكورة آنفاً تحيلنا على أكثر من صعيد إلى أصوات آخرين، تتكلم لغات أخرى" غر بية " إجمالاً، ولها بعض صدى، لها بعض التصريف الخجول المتعلق بـ" النسل الهش " غالباً رغم حضور إشراقات فكرية، من صميم الفلسفة، ولكنها تردد صوت الآخر والمؤثر في منطلقها كثيراً.
الخويلدي يبني رهانه على الفلسفة، ومكانتها المعتبَرة. تُرى كيف لفلسفة أن تنشأ في مجتمع يذرَّر فيه أفراده، أعني به في مجتمع يحلم بالانفتاح؟

مصادر وإشارات
1-بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق: د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 2009، ص 721.
-2Daniel Desroches: La philosophiecomme mode de vie est-elleuneformed’activisme?
دانيال ديروش: هل الفلسفة كأسلوب حياة هي شكل من أشكال النشاط؟
-3Paul RICOEUR: Pourquoi la philosophie ?“Interrogation philosophique et engagement.”

بول ريكور: لماذا الفلسفة؟ "البحث الفلسفي والالتزام".
وينظَر ما يقوله في حوار معه حول " الفلسفة اليوم "، والتشديد على وجوب التحرر من الذات الضيقة، وعدم البقاء أسرى المؤسسات التعليمية:
فـ( في الواقع، إن الوجود المؤسسيللفلسفة مُهددٌ بشدة بسبب ما يُنظر إليه على أنه عدم جدوى لها في علاقتها بالعلوم، ولأن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد تتطلب منها شيئًا. وهنا أقول على الفلاسفة، بدلًا من لوْم الآخرين، أن يلوموا هم أنفسهم حيث انحصر حديثهم في ذواتهم بدلًا من الإصغاء إلى العلوم.
أما بالنسبة لمصير الفلسفة خارج المؤسسات – إذ يمكنها أن توجد خارجها – فأنا أرفض أي نوع من التنبؤات النيتشوية أو الهايدغرية أو غيرها. إن مجرد ظهور فيلسوف عظيم كافٍ لدحض جميع توقعاتنا. هل كان بإمكاننا التنبؤ بهيغل في القرن الثامن عشر؟
هناك إبداع فكري هنا لا يمكن برمجته. هناك الكثير ممن يمارسون الفلسفة، ولكن قليلون هم الفلاسفة العظماء. ما علينا القيام به، في الفترة الفاصلة بين فيلسوفين عظيمين، هو الحفاظ على الذاكرة والعمل، كما أقول، بصدق وجدّية، بما أسماه نيتشه "النزاهة الفكرية".).
المصدر:الفلسفة اليوم، مقابلة مع بول ريكور( 1976 )
أشير هنا إلى أن باحثنا الخويلدي ترجم نص المقابلة، في موقع" النبأ " في 1 كانون الأول 2019، منوّهاً إلى أهميته بقوله في التقديم له:على الرغم من أن هذه المقابلة مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور قد أجريت منذ سنة 1976 إلا أنها مازالت راهنة وتطرح قضايا تعاني منها الفلسفة الى اليوم وتقترح مقاربات ومخارج ممكنة للانتقال من الوضع المتأزم والاستفادة من الاكتشافات الكبيرة التي تقترحها العلوم الإنسانية.
ذلك صحيح، حيث إن كل قول فلسفي، يمكن الاستفادة منه في وضع معين، وزمان معين، شريطة وجود الأرضية التي تتقبله طبعاً،وتقديم الباحث يعني الفلسفة حيث تتنفس، وبلسان ريكور تتكلم، أما في مجتمعاتنا، فأي أذن يمكنها الإصغاء إلى صوتها شبه المكتوم، وأي عين يمكن متابعة متكلم الفلسفة، والمعني المباشر بها، في مجتمع متصحر فلسفياً؟

LA PHILOSOPHIE AUJOURD’HUI,ENTRETIEN AVEC PAUL RICOEUR (1976)

-4Jean-Paul Resweber: Ricœur : philosophe du milieu
جان بول ريسويبر: ريكور: فيلسوف الوسط
-5Dominique Gour: Paul Ricœur, 20 ans après
دومينيك غور: بول ريكور، بعد 20 عاماً
-6Pierre-André Bizien: La philosophie de Paul Ricoeurexpliquée–christianisme, islam, religion
بيير أندريه بيزيان: شرح فلسفة بول ريكور – المسيحية، الإسلام، الدين
-7Marie-Hélène Desmeules: Les refigurations de notre xperience du temps
ماري هيلين ديسمول: إعادة تشكيل تجربتنا للزمن
-8Raphaël Baroni et Adrien Paschoud : Introduction. L’héritage de Ricœur : du récit à l’expérience
رافائيل باروني وأدريان باشود: مقدمة. إرث ريكور: من السرد إلى التجربة
-9Marie-Hélène Desmeules: Les refigurations de notreexpérience du temps
ماري هيلين ديسمول: إعادة تشكيل تجربتنا للزمن

" يتبع "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...