يحيى بركات - إلى وزراء الثقافة المجتمعين في مدريد لا تجعلوا خيالكم أصغر من الجريمة

في مدريد، لا يُفتتح اليوم مؤتمر ثقافي عادي.
لا تلتقي عشرات الوفود الوزارية من أجل افتتاح معرض، أو الاحتفاء بكتاب، أو منح جائزة لفنان فلسطيني.

إنها تلتقي من أجل ثقافة شعب يتعرض، منذ سنوات طويلة، لمحاولة محو منظمة، بلغت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر ذروتها الأكثر دموية ووحشية ووضوحًا.

تلتقي من أجل ثقافة شعب لا تُهدم مسارحه ومتاحفه ومكتباته وجامعاته فقط، بل يُقتل الفنانون والكتاب والصحفيون والمصورون والموسيقيون والممثلون والمخرجون، ويُهجّر حراس الذاكرة، وتُدفن المخطوطات واللوحات والأرشيفات تحت الأنقاض.

ولهذا، لا يجوز أن نقرأ المؤتمر الوزاري الدولي من أجل الثقافة الفلسطينية الذي تستضيفه العاصمة الإسبانية مدريد يومي الخامس عشر والسادس عشر من تموز/يوليو 2026 بوصفه خبرًا ثقافيًا عابرًا.

نحن أمام مبادرة دولية استثنائية، وربما أمام فرصة لن تتكرر بسهولة.

ما هو المؤتمر؟

يمتد المنتدى الدولي من أجل الثقافة الفلسطينية من الرابع عشر إلى السادس عشر من تموز/يوليو 2026. وقد سبقت المؤتمر الوزاري «الأغورا المدنية من أجل الثقافة الفلسطينية»، التي انعقدت يومي الرابع عشر والخامس عشر في متحف تيسن بورنيميسا ودائرة الفنون الجميلة، بمشاركة فنانين ومثقفين وخبراء ومؤسسات مجتمع مدني ومشروعات تعاون ثقافي مع فلسطين.

أما المؤتمر الوزاري، فيُفتتح مساء الأربعاء الخامس عشر من تموز في متحف البرادو، بمشاركة وزيري الثقافة الإسباني والفلسطيني، إرنست أورتاسون وعماد حمدان، وشخصيات ثقافية وفنية. وتُعقد اجتماعات الوفود الوزارية يوم الخميس السادس عشر من تموز في متحف الملكة صوفيا الوطني للفنون.

وتشارك في المؤتمر ثلاثون بعثة وزارية من مناطق مختلفة من العالم، إلى جانب مؤسسات دولية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» وجامعة الدول العربية.

وليس اختيار هذه المتاحف تفصيلًا بروتوكوليًا.

فحين تفتح إسبانيا أهم بيوت ذاكرتها الوطنية والعالمية لاستقبال الثقافة الفلسطينية، فإنها لا تمنحنا قاعات لعقد الاجتماعات فقط، بل تضع الذاكرة الفلسطينية، ولو ليومين، إلى جوار ذاكرة الإنسانية المحفوظة في أعمال غويا وبيكاسو وسائر كبار الفنانين.

كأن مدريد تقول إن اللوحة الفلسطينية التي انتُشلت من تحت الركام، والصورة التي التقطها طفل قبل أن يُهجر، والفيلم الذي صوره صحفي قبل أن يُقتل، ليست أقل استحقاقًا للحفظ من أي أثر عظيم محفوظ خلف زجاج المتاحف الكبرى.

من يقف وراء المؤتمر؟

تُنظم المؤتمر وزارتا الثقافة في إسبانيا وفلسطين بصورة مشتركة.

لكن من الضروري، فلسطينيًا، أن ندرك أن الدعوة الدولية والتحرك لإنشاء هذا الإطار لم تولد قبل أسابيع قليلة. تعود المبادرة، في مسارها السياسي، إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حين طرح وزير الثقافة الإسباني إرنست أورتاسون، خلال اجتماع مجلس وزراء ثقافة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، قضية إعادة بناء التراث والثقافة الفلسطينية. وللمرة الأولى، وبطلب من إسبانيا، ناقش المجلس هذا الملف، ودعا أورتاسون الدول الأوروبية إلى دعم إنشاء تحالف دولي لإعادة بناء الثقافة الفلسطينية، على غرار التحالف الذي أُنشئ لدعم إعادة بناء أوكرانيا.

وفي الثالث والعشرين من حزيران/يونيو 2026، أعلن أورتاسون أمام لجنة الثقافة في مجلس النواب الإسباني أن مدريد ستستضيف المنتدى الدولي، الذي تحول إلى تنظيم مشترك بين وزارتي الثقافة الإسبانية والفلسطينية، بمشاركة وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان وسفير دولة فلسطين لدى إسبانيا حسني عبد الواحد.

وهذا يعني، ببساطة ووضوح، أن إسبانيا تقدم لنا اليوم منصة دولية بحجم ثلاثين وفدًا وزاريًا، وتضع القضية الثقافية الفلسطينية على طاولة وزراء ومسؤولين ومؤسسات تستطيع، إن توفرت الإرادة، أن تمول وتحمي وترمم وتؤرشف وتترجم وتنتج.

وهنا يبدأ السؤال الفلسطيني، لا ينتهي.

ماذا سنفعل نحن بهذه المبادرة؟

هل سنلتقط اللحظة بما تستحقه؟

هل نذهب إلى مدريد برؤية فلسطينية كبرى، أم نحمل معنا ملفات صغيرة ومشروعات متفرقة وقائمة احتياجات إدارية؟

هل نعرف حقًا ماذا يعني أن تبادر دولة أوروبية كبرى إلى جمع ثلاثين وفدًا وزاريًا من أجل ثقافتنا؟

وهل نستطيع أن نمنح هذا المؤتمر حجمًا يوازي حجم ما حدث لشعبنا؟

إسبانيا لا تستطيع أن تحدد نيابة عنا كل ما تحتاج إليه الثقافة الفلسطينية.

تستطيع أن تفتح الباب.

أن تجمع الدول.

أن توفر المنصة.

أن تدعو اليونسكو والمؤسسات الدولية.

أن تبني تحالفًا.

لكننا نحن الذين يجب أن ندخل من الباب حاملين تصورًا يليق بالشعب الذي نمثله، وبالمذبحة التي نجا منها، وبالذاكرة التي يحاول الاحتلال محوها.

من المؤلم أن يقدم العالم للفلسطينيين منبرًا كبيرًا، ثم يقف الفلسطيني فوقه بصوت صغير.

ومن الخطأ أن يفتح العالم لنا نافذة بهذا الاتساع، فنطل منها بمطالب يمكن تقديمها إلى أي مؤسسة مانحة، في أي عام، وقبل أي حرب.

ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله

علينا أن نقولها منذ البداية:

ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر ليس كما قبله.

لا في فلسطين.

ولا في إسرائيل.

ولا في العالم.

ولا في معنى الثقافة الفلسطينية ذاتها.

لم تعد المسألة تتعلق فقط بدعم مهرجان سينمائي، أو طباعة مجموعة شعرية، أو ترميم مركز ثقافي، مع أهمية كل ذلك.

نحن أمام شعب خسر بشرًا وحجرًا.

خسر عائلات كاملة.

بيوتًا وأحياء ومخيمات.

خسر جامعات ومدارس ومستشفيات ومكتبات ومسارح ودور عبادة ومواقع أثرية.

خسر فنانين وكتابًا وأطباء وصحفيين وأساتذة وطلبة وأطفالًا كانوا يحملون في ذاكرتهم حكايات لن يرويها أحد بعدهم.

وتعرض للقتل، والتجويع، والحصار، والتهجير القسري، والاعتقال، والتعذيب، ومحو المكان، ومحاولة إعادة تشكيل الجغرافيا والذاكرة والهوية.

قبل أن نتحدث عن المشاريع...

علينا أن نجيب عن سؤال بسيط:

ماذا يعني أن تصبح الثقافة، لأول مرة، إحدى ساحات الصراع الرئيسية؟

لقد اعتدنا أن نتحدث عن الثقافة كما نتحدث عن الزراعة أو الصحة أو السياحة، باعتبارها قطاعًا من قطاعات الدولة.

لكن ما جرى في فلسطين أثبت أن الثقافة ليست قطاعًا...

بل هي البنية التي تحفظ معنى وجود كل القطاعات الأخرى.

فإذا ضاعت الذاكرة، فلن يبقى معنى للجامعة، ولا للمتحف، ولا للمدينة، ولا حتى للدولة نفسها.

الإجابة عن هذا السؤال هي التي يجب أن ترسم جدول أعمال مدريد.

لا يجوز، بعد كل هذا، أن نذهب إلى أول مؤتمر وزاري دولي مخصص للثقافة الفلسطينية ونحن نفكر بالعقل نفسه الذي فكرنا به قبل الحرب.

فالجريمة التي تجاوزت كل المقاييس القديمة تحتاج إلى رؤية ثقافية تتجاوز المقاييس القديمة أيضًا.

لا يجوز أن يكون حجم ردنا أصغر من حجم ما وقع علينا.

ولا يجوز أن نخفض سقف توقعاتنا لأننا اعتدنا أن نطلب القليل، أو لأننا نخشى أن توصف مطالبنا بأنها كبيرة.

من يصغّر ظهره لا ينتظر من العالم أن يراه كبيرًا.

ومن يدخل مؤتمرًا دوليًا وهو يتعامل مع ثقافته كقطاع هامشي، لن يقنع الآخرين بأنها جبهة أساسية في معركة الوجود.

نحن مطالبون بأن نكون بمستوى الحدث.

بمستوى الجريمة.

بمستوى الإبادة.

بمستوى التهجير القسري.

بمستوى التجويع والحصار.

بمستوى تدمير المدن والقرى والمخيمات.

بمستوى الفقد الذي أصاب البشر والحجر والذاكرة معًا.

وعلينا أن نذهب إلى مدريد لا باعتبارنا ضحايا يطلبون التعاطف، بل باعتبارنا أصحاب واحدة من أغنى التجارب الثقافية والإنسانية وأكثرها قدرة على مواجهة المحو.

مؤتمر لحماية الثقافة أم لبناء قوة ثقافية؟

تقول الحكومة الإسبانية إن الهدف الرئيسي للمؤتمر هو إنشاء تحالف دولي لحماية التراث الفلسطيني، وحشد الموارد لدعم القطاع الثقافي وإعادة بنائه، والاستماع إلى الأولويات الفلسطينية، وتحويل التضامن إلى إجراءات ملموسة. وقد أكد أورتاسون أن الثقافة ليست رفاهية تنتظر انتهاء الاعتداءات، بل قطاع يجب حمايته في أثناء الصراع نفسه.

وقد حدد البرنامج الرسمي سبعة محاور للنقاش، تشمل حماية الفنانين والمبدعين والتراث الثقافي، ودور الفن والأدب في الصمود والتعافي وإعادة بناء المجتمع، والسينما بوصفها شاهدًا على الذاكرة الجماعية الفلسطينية، وحماية الأرشيف وإتاحته واستدامته، إلى جانب التمويل والتحالفات الدولية لإعادة بناء القطاع الثقافي.

وهذه المحاور مهمة، بل تتقاطع مع جانب أساسي مما تحتاج إليه الثقافة الفلسطينية. لكن السؤال سيبقى: هل تتحول إلى مؤسسات وموازنات ومسؤوليات وجداول زمنية، أم تبقى عناوين جيدة داخل إعلان ختامي؟

هذه بداية مهمة. لكن على الفلسطينيين أن يدفعوا السؤال خطوة أبعد:

هل نريد فقط حماية الثقافة الفلسطينية من الموت؟

أم نريد تحويلها إلى قوة قادرة على صناعة المستقبل؟

هناك فرق كبير بين الأمرين.

حماية الثقافة تعني إنقاذ مخطوطة، وترميم مبنى، ورقمنة شريط سينمائي، ومساعدة فنان فقد مرسمه.

أما بناء القوة الثقافية الفلسطينية فيعني، إلى جانب ذلك، تأسيس مؤسسات دائمة، ومتاحف وأرشيفات، وصناديق إنتاج، ومنصات ترجمة ونشر، وبرامج دولية، وشبكات جامعية، وآليات تحفظ الرواية الفلسطينية وتجعلها حاضرة في مدارس العالم وجامعاته ومتاحفه وشاشاته.

الحماية تدافع عما بقي.

أما الرؤية، فتبني ما يجب أن يبقى بعدنا.

وهنا يجب أن يفهم المؤتمرون أن الثقافة الفلسطينية ليست ضحية أخرى من ضحايا الحرب.

إنها، ربما، المعركة الفلسطينية الوحيدة التي انتصرت حتى الآن أمام العالم.

استطاع الاحتلال أن يحتل الأرض، ويهدم البيوت، ويحاصر المدن، ويمنع الفلسطيني من الحركة، لكنه فشل، رغم ما امتلكه من إعلام ومال وعلاقات سياسية، في محو الحكاية الفلسطينية.

بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لم تعد فلسطين مجرد خبر تصوغه غرف التحرير الدولية.

أصبح الفلسطيني نفسه هو الذي يصور، ويروي، ويكتب، ويبث، ويشهد.

خرجت الحكاية من يد المؤسسات الكبرى، وانتقلت إلى هاتف طفل، وكاميرا صحفي، وصوت أم، ورسالة طبيب، ولوحة فنان، ومشهد صوره إنسان محاصر لا يعرف إن كان سيبقى حيًا بعد دقائق.

لهذا، لم تعد الثقافة الفلسطينية قصيدة وفيلمًا ولوحة فقط.

أصبحت سجلًا للحياة والموت.

أصبحت الدليل.

أصبحت الشاهد.

أصبحت الحافظة الأخيرة لأسماء الذين أريد لهم أن يتحولوا إلى أرقام.

وإذا عرفنا كيف ندير هذه القوة، وكيف نجمعها ونحميها ونقدمها للعالم، فإن الثقافة الفلسطينية تستطيع أن تتحول من تعبير عن المأساة إلى أداة لمواجهة مجرمي الحرب، ومخططي الإبادة، ومنظومة الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الإحلالي والعنصري.

أما إذا تعاملنا معها بوصفها قطاعًا يحتاج إلى بعض المنح والمشروعات، فسنكون نحن أول من صغّر انتصارها.

لا نريد مؤتمرًا ينتهي بانتهاء الصورة

المؤتمرات الدولية تبدأ عادة بصورة جماعية.

يقف الوزراء في صفوف متوازية.

تُرفع الأعلام.

تُلقى الكلمات.

تُصافح الأيدي.

ثم يُصدر بيان ختامي يحمل لغة منضبطة، ويعود الجميع إلى بلدانهم.

لكن فلسطين لم تعد تحتمل مؤتمرًا آخر ينتهي بانتهاء الصورة.

ما نحتاج إليه هو أن تتحول المعرفة إلى مؤسسات وقرارات وتمويل وجداول زمنية ومسؤوليات واضحة.

نحتاج إلى أن يغادر كل وفد مدريد وهو يعرف ماذا سيفعل في اليوم التالي.

ماذا ستمول دولته؟

ماذا ستستضيف متاحفها؟

ماذا ستترجم دور نشرها؟

ماذا ستعرض منصاتها؟

ماذا ستحفظ أرشيفاتها؟

ماذا ستدرّس جامعاتها؟

إن المؤتمر الذي لا يحدد من يفعل ماذا، ومتى، وبأي موارد، سيبقى مؤتمرًا للتضامن، مهما كانت كلماته عظيمة.

أما المؤتمر الذي يؤسس تحالفًا دائمًا، وصندوقًا دوليًا، ومتحفًا، وأرشيفًا، وبرامج إنتاج وترجمة وتعليم، فإنه يمكن أن يصبح بداية تحول تاريخي.

لا نطلب من مؤتمر مدريد أن يبكي معنا.

نطلب منه أن يعمل معنا.

أولاً... أنقذوا الذاكرة قبل أن تضيع

إذا كان هذا المؤتمر يريد أن يقدم شيئًا سيذكره التاريخ...

فليبدأ من هنا.

لا يوجد اليوم مشروع ثقافي أكثر إلحاحًا من إطلاق مشروع دولي عاجل لإنقاذ الذاكرة الفلسطينية.

لقد سجل الفلسطينيون، والعالم معهم، الإبادة لحظة وقوعها.

لم تعد الحروب تكتب بعد انتهائها.

هذه الحرب كُتبت وهي تحدث.

كل دقيقة. كل ساعة. كل يوم.

كل بيت قُصف. كل مستشفى استُهدف. كل مدرسة دُمّرت. كل جامعة هُدمت.

كان هناك من يصور.

أم تفتح هاتفها لتودع أبناءها.

طفل يصور رحلة نزوحه.

صحفي يبث قبل دقائق من استشهاده.

طبيب يوثق غرفة العمليات.

مسعف يصور عملية انتشال الشهداء.

سينمائي يحمل كاميرته حتى آخر لحظة.

بل إن جنود الاحتلال أنفسهم صوروا كثيرًا من جرائمهم، ونشروها على منصات التواصل الاجتماعي، يتباهون بما فعلوه، غير مدركين أنهم كانوا يوثقون أدلة قد تبقى شاهدة عليهم إلى الأبد.

أمامنا اليوم، على الأرجح، أكبر أرشيف بصري لجريمة موثقة في التاريخ الحديث.

لكن المفارقة المؤلمة... أن هذا الأرشيف ما زال مبعثرًا.

بعضه على هواتف مهددة بالتلف.

وبعضه على منصات التواصل التي تغلق حساباتها.

وبعضه في ذاكرة أطفال ربما لم يعودوا أحياء.

كل يوم يمر... يضيع جزء من هذه الذاكرة.

لهذا، فإنني أتمنى أن يخرج مؤتمر مدريد بقرار تاريخي:

إطلاق المشروع العالمي للأرشيف البصري الفلسطيني.

مشروع لا يقتصر على جمع المواد.

بل على إنقاذها، وترميمها، ورقمنتها، وفهرستها، وحفظها، وتصنيفها، وإتاحتها للباحثين، والمؤرخين، والمحامين، وصناع الأفلام، والجامعات، والمتاحف، والمحاكم الدولية.

بحيث يستطيع أي باحث، بعد عشرين أو خمسين عامًا، أن يدخل إلى هذا الأرشيف، ويبحث مثلًا: غزة... حي الشجاعية... 18 تشرين الأول... الساعة الرابعة عصرًا... فتظهر أمامه كل الصور والفيديوهات والشهادات التي سجلت تلك اللحظة، من عشرات الزوايا، وعبر عشرات الشهود.

هنا لا نحفظ ذاكرة فلسطين فقط. بل نحفظ الحقيقة نفسها.

---

ثانيًا... متحف الذاكرة الفلسطينية

لا يجوز أن تبقى هذه المواد حبيسة الخوادم الرقمية.

إنها تستحق بيتًا يليق بها.

متحف الذاكرة الفلسطينية.

ليس متحفًا للإبادة فقط.

بل متحفًا يروي القصة كلها:

النكبة.

النكسة.

المقاومة.

الحياة اليومية.

الشعر.

السينما.

الفن.

المخيم.

المنفى.

والإبادة التي حاولت محو كل ما سبق.

متحف يدخله الزائر، فلا يرى أرقامًا فقط، بل يسمع أصوات الأطفال، ويرى وجوه الأمهات، ويمشي بين أسماء القرى والأحياء التي مُحيت، ويتعرف إلى حياة الناس قبل أن تدمر، لا إلى لحظة موتهم فقط.

متحف لا يعرض المأساة بوصفها نهاية، بل يعرض أيضًا الصمود، والحياة، والمقاومة، والتكافل، والإبداع، والقدرة الفلسطينية المذهلة على التمسك بالأمل وسط الركام.

فالإبادة ليست كل القصة. القصة أيضًا أن شعبًا كاملًا رفض أن يتوقف عن الحياة.

ثالثًا... السينما التي صنعها شعب كامل

ربما لم يعرف التاريخ مدينة صُورت كما صُورت غزة.

ملايين اللقطات لم تلتقطها استوديوهات كبرى، ولا كاميرات احترافية.

التقطها الناس وهم يهربون، ويبحثون، ويقاومون، ويعيشون.

لأول مرة، يصبح شعب كامل هو مصور فيلمه، ومونتيره، وشاهده، وراويه.

هذه ليست مادة إعلامية عابرة.

إنها ذاكرة حضارة.

وهي تستحق أن تُجمع، وتُحفظ، وتُعرض، وتُدرس، وتُصبح جزءًا من تاريخ السينما العالمي، ليس لأنها وثقت الموت، بل لأنها وثقت إصرار الإنسان على أن يبقى شاهدًا.

رابعًا... تحالف دولي دائم للثقافة الفلسطينية

إذا كان العالم قد اجتمع اليوم من أجل الثقافة الفلسطينية...

فلا يجوز أن ينتهي كل شيء عندما يعود الوزراء إلى طائراتهم.

ما نحتاج إليه ليس مؤتمرًا... بل مؤسسة.

تحالف دولي دائم، يضم وزارات الثقافة، واليونسكو، والمتاحف العالمية، والجامعات، وأرشيفات السينما، والمكتبات الوطنية، ودور النشر، ومؤسسات الترجمة، والمنصات الرقمية.

تحالف يعمل طوال العام، يجتمع كل عام، ويمول كل عام، ويراجع ما أنجزه كل عام.

خامسًا... صندوق عالمي للاستثمار في الثقافة، ليس للإغاثة

كم مرة سمعنا عن صناديق لدعم الثقافة؟

لكن فلسطين تحتاج شيئًا مختلفًا.

صندوقًا يستثمر في المستقبل.

في الطفل الذي يحمل كاميرا.

وفي الفتاة التي تريد أن تصنع فيلمها الأول.

وفي المسرحي الذي فقد مسرحه.

وفي الكاتب الذي فقد مكتبته.

وفي الرسام الذي فقد مرسمه.

وفي الموسيقي الذي فقد آلته.

وفي المترجم الذي ينقل الرواية الفلسطينية إلى لغات العالم.

الثقافة لا تعيش بالإغاثة. الثقافة تعيش بالاستثمار.

سادسًا... مشروع عالمي لترجمة الثقافة الفلسطينية

كتبنا كثيرًا... لكن العالم لم يقرأ إلا القليل.

أنتجنا أفلامًا عظيمة... لكنها لم تصل إلا إلى عدد محدود من الشاشات.

لذلك، أتمنى أن يخرج مؤتمر مدريد بمشروع عالمي لترجمة الثقافة الفلسطينية.

تُترجم فيه الرواية الفلسطينية إلى لغات العالم كلها.

ويصبح لكل جامعة كبرى في العالم نافذة دائمة على الثقافة الفلسطينية.

الثقافة الفلسطينية ليست ضحية... إنها القوة التي انتصرت

ربما يختلف الناس في تقييم نتائج السياسة.

ويختلفون في قراءة المعارك العسكرية.

لكنني أعتقد أن هناك حقيقة واحدة يصعب إنكارها.

الثقافة الفلسطينية انتصرت.

وصلت الحكاية الفلسطينية إلى كل بيت.

ليس لأن أحدًا منحها مساحة... بل لأن الفلسطيني نفسه أصبح هو الراوي.

لم تعد الرواية الفلسطينية تمر عبر وكالات الأنباء وحدها.

خرجت من بين الأنقاض.

حملها طفل بهاتف مكسور.

وصحفية تبث وهي تنزف.

وطبيب يخرج من غرفة العمليات ليشرح للعالم ما جرى.

وأم تبحث عن أطفالها تحت الركام.

وشاعر يكتب قصيدته الأخيرة.

وسينمائي يحول الكاميرا إلى شاهد أمام المحكمة الإنسانية.

لقد خسرت فلسطين كثيرًا... لكنها ربحت شيئًا لا يقدر بثمن.

ربحت حقها في أن تروي قصتها بنفسها.

ولهذا... لم تعد الثقافة الفلسطينية قطاعًا من قطاعات الدولة.

بل أصبحت جبهة وطنية كاملة.

بل ربما الجبهة الوحيدة التي استطاعت أن تكسر احتكار الرواية الذي ظل الاحتلال يبنيه طوال أكثر من سبعين عامًا.

وأقول للمؤتمرين...

لا تجعلوا أكبر جريمة موثقة في القرن الحادي والعشرين...

أكبر فرصة ضائعة أيضًا.

أنتم لا تجتمعون من أجل وزارة ثقافة.

ولا من أجل مهرجان.

ولا من أجل مجموعة من الفنانين.

أنتم تجتمعون من أجل ذاكرة شعب.

ومن أجل حق الإنسانية في ألا تُمحى الحقيقة.

كل ما خسرناه يمكن أن يُبنى من جديد... إلا الذاكرة إذا ضاعت.

ولهذا... لا تسمحوا بأن تضيع.

كلمة أخيرة... مشروع مارشال للثقافة الفلسطينية

اسمحوا لي أن أقولها بوضوح...

لا تمنحوا فلسطين برنامجًا للمساعدات الثقافية.

فلسطين أكبر من ذلك.

ما تحتاجه فلسطين اليوم هو مشروع مارشال للثقافة الفلسطينية.

بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكتف العالم بإزالة الركام من أوروبا، بل أطلق مشروعًا أعاد بناء الاقتصاد، والجامعات، والمؤسسات، والثقافة، وأعاد الثقة بمجتمعات خرجت من الحرب محطمة.

أما فلسطين، فما تزال تتعرض لواحدة من أكثر الجرائم توثيقًا في العصر الحديث.

لم تُدمر مدنها وبيوتها ومستشفياتها ومدارسها وجامعاتها ومكتباتها ومسارحها فقط... بل استُهدفت ذاكرتها نفسها.

ولهذا، فإن إعادة بناء الثقافة الفلسطينية لا يمكن أن تكون مشروعًا لعام أو عامين.

إنها تحتاج إلى رؤية تمتد عشر سنوات على الأقل.

رؤية تستثمر في الإنسان قبل الحجر.

في الطفل الذي يحمل كاميرا.

وفي الشابة التي تكتب روايتها الأولى.

وفي المخرج الذي يوثق الذاكرة.

وفي الفنان الذي يرسم فلسطين كما يراها أهلها.

وفي المتحف الذي يحفظ ذاكرتها.

وفي الأرشيف الذي يصون الحقيقة.

وفي الجامعة التي تدرّسها.

وفي السينما التي تمنح الأجيال القادمة حق أن ترى ما حدث بعين الحقيقة، لا بعين الدعاية.

بعد سنوات، لن يتذكر أحد عدد الكلمات التي قيلت في مدريد.

ولن يتذكر أحد عدد الوزراء الذين جلسوا حول الطاولة.

لكن التاريخ سيتذكر شيئًا واحدًا:

هل كان مؤتمر مدريد هو المؤتمر الذي اكتفى بإدانة الجريمة؟

أم كان المؤتمر الذي قرر أن يحفظ ذاكرة الجريمة إلى الأبد؟

فالثقافة الفلسطينية اليوم لم تعد تروي الماضي فقط.

إنها تدافع عن المستقبل.

وإذا عرف الفلسطينيون، ومعهم أصدقاء فلسطين في العالم، كيف يحولون هذه اللحظة إلى مشروع دائم، فإن الاحتلال قد ينجح في هدم بيت، أو إحراق مكتبة، أو قصف مسرح، لكنه لن يستطيع بعد اليوم أن يمحو الحكاية.

لأن الحكاية، منذ السابع من تشرين الأول، لم تعد تسكن كتابًا واحدًا...

لقد أصبحت تسكن ملايين العيون، وملايين الصور، وملايين المقاطع، وملايين الشهود.

وهنا، للمرة الأولى في تاريخ الصراع، تصبح الثقافة الفلسطينية ليست فقط ذاكرة شعب... بل ذاكرة الإنسانية كلها.

فإذا كان القرن العشرون قد عرف مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا...

فإن القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى مشروع مارشال لإعادة بناء الثقافة الفلسطينية.

ليس لأن الفلسطينيين أقل قدرة على النهوض... بل لأن العالم كله مدين لهذه الثقافة.

مدين لشعب لم يكتفِ بأن يقاوم الموت... بل قاوم النسيان أيضًا.

غدًا، حين يجلس الوزراء حول الطاولة في مدريد، أتمنى ألا يبدأوا بسؤال: ماذا نستطيع أن نقدم لفلسطين؟

بل بسؤال آخر:

ماذا سيحاسبنا عليه التاريخ إذا أضعنا هذه الفرصة؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15/7/2026








تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...