فنون بصرية كاظم حسن سعيد - فرشاة عباس هاشم: مشرطٌ يحفر في المشاعر ويستدعي قلق فان كوخ

يُطل علينا الرسام العراقي عباس هاشم كأحد الأصوات التشكيلية الشابة والبارزة في المشهد الفني العراقي المعاصر. من خلال تأمل لوحاته المنفذة بخامة الأكريليك، نجد أنفسنا أمام تجربة بصرية مغايرة تتجاوز السائد، وتدفعنا قسراً إلى إعادة قراءة السطح التصويري كفضاء مشحون بالتوترات السيكولوجية والدراما اللمسية.

في هذا المقال، نحاول تفكيك الملامح الأسلوبية والفلسفية لهذه التجربة التي تعيد صياغة اليومي بجرأة تعبيرية لافتة.

أولاً: السينوغرافيا البصرية والمشهدية الاجتماعية

تتحرك ريشة عباس هاشم في مساحتين متكاملتين؛ التقنية الأدائية الحرة، والثيمة الإنسانية الغارقة في دفء اللحظة وعزلتها:

𔁯. التعبيرية الحيوية وحركية الملمس

ينتمي أسلوب هاشم إلى التعبيرية الحديثة؛ فهو لا يكتفي بنقل الواقع فوتوغرافياً، بل يشحنه بجرعة مكثفة من العاطفة والاضطراب الداخلي. ضربات فرشاته قوية، عريضة، وواضحة المعالم، مما يمنح الأسطح ملمساً بصرياً خشناً وغنياً بالكتل اللمسية، لتبدو اللوحة وكأنها في حالة مخاض وحركة دافقة لا تهدأ.

𔁰. سينوغرافيا الضوء وبناء الدراما

يعتمد الفنان على بناء درامي مذهل للإضاءة داخل لوحاته. يظهر ذلك جلياً في استخدامه لتباينات حادة وصادمة بين الظلال العميقة (المرسومة بتدرجات الأزرق والبنفسجي) والأنوار المتوهجة (الصفراء والبرتقالية). هذا التباين يجعل المشهد يبدو وكأنه يدور فوق خشبة مسرح أو تحت إضاءة سينمائية مسلطة بدقة، لتكشف عن المأزق النفسي أو الوجداني للشخصيات.

𔁱. ثيمات البوح وحضور المرأة

تركز اللوحات على التجمعات الإنسانية، الجلسات الحميمة، فضاءات المقاهي، والأمسيات الموسيقية الصاخبة بالبوح ورصد "اللحظة العابرة" للألفة الإنسانية.

وفي قلب هذا الصخب، تحتل المرأة مكاناً مركزياً؛ تظهر في حالات شعورية متباينة (أثناء حديث دافئ، تدخين سيجارة في لحظة شرود، أو الغناء وسط فرقة موسيقية). إنها شخوص نسائية تجسد قوة حضور وحسية عالية، ممتزجة بمسحة شفيفة من الغموض أو العزلة الداخلية وسط الجموع.

𔁲. الهوية العراقية بروح معاصرة

رغم الحداثة البصرية والتحرر اللوني العنيف، تظل لوحات عباس هاشم مغروسة في عمق الأجواء الحميمية العراقية، مستحضرةً طقوس السامر، المقاهي البغدادية والبصرية الدافئة، والأحاديث الجانبية التي تشكل وجدان الذاكرة الجمعية.

ثانياً: التوترات اللونية والحركية.. ظلال "فان كوخ" في المحترف العراقي

ثمة قواسم أسلوبية ونفسية مشتركة ومتجذرة تجعل لوحات عباس هاشم تستدعي -بوعي أو بدون وعي- روح المعلم التعبيري الأول فينسنت فان كوخ:

𔁯. ضربة الفرشاة القلقة والمحملة بالشحنات

عند فان كوخ، لم تكن الفرشاة مجرد أداة لتوزيع اللون، بل كانت أشبه بمشرط يحفر المشاعر مباشرة على قماش اللوحة عبر ضربات قصيرة، متلاحقة، وسميكة توحي بالدوران والقلق الوجودي المستمر.

في لوحات عباس هاشم، نرى بوضوح هذا التوتر الحركي؛ فضربات الأكريليك ليست ناعمة أو مهادنة، بل هي ضربات عريضة، حادة، ومتوترة تمنح الأجساد والخلفيات حركية مستمرة، وكأن الهواء والضوء في اللوحة يهتزان بذبذبات نفسية ملموسة تنتقل للمتلقي.

𔁰. اللون كحالة شعورية لا كواقع بصري

يُعتبر فان كوخ الأب الروحي لتحرير اللون من سلطة المحاكاة؛ فالأصفر عنده هو توهج الروح أو لهيب الجنون، والأزرق هو وحشة الليل العميقة.

في أعمال عباس هاشم، نلمس ذات التوتر اللوني؛ إنه لا يلوّن المقهى أو السهرة الموسيقية بألوانها الواقعية، بل يشحن الفراغ بتباينات حادة وصادمة. تصطدم الظلال البنفسجية والزرقاء العميقة بالأصفر المتوهج والأحمر الناري، وهو تناقض لوني (تكامل لوني عنيف) يولد طاقة تعبيرية تثير القلق البصري والدهشة في آن واحد.

𔁱. دراما "العزلة وسط الصخب"

في أعمال فان كوخ الشهيرة مثل "آكلو البطاطا" أو "مقهى الليل"، يثقل شخوصه صمت غريب ونفس ثقيل، حتى وإن كانوا في مكان مشترك.

هذا البعد السيكولوجي يحضر بقوة في مشهدية عباس هاشم؛ فرغم صخب السهرة الموسيقية أو حميمية الجلسة الثنائية في المقهى، إلا أن التوتر اللوني والضربات العنيفة للفرشاة يمنحان الشخوص مسحة من العزلة والشرود الداخلي. الشخوص تبدو وكأنها تعيش حواراتها الذاتية العميقة الخاصة وسط الضجيج، مما يضفي على المنجز عمقاً درامياً يتجاوز مجرد توثيق مشهد اجتماعي عابر.

خاتمة

إنها "مشهدية سينمائية وتعبيرية" لا تكتفي بدعوة العين للنظر، بل تجبر وجدان المتلقي على الاهتزاز والتفاعل مع حركة الريشة الحرة، تماماً كما تفعل بنا حقول القمح الذهبية أو نجوم فان كوخ الدوّارة في سمائه القلقة. عباس هاشم يؤكد من جديد أن الرسم ليس تمثيلاً للواقع، بل هو عملية حفر مستمرة في عمق التجربة الإنسانية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...