فنون بصرية كاظم حسن سعيد - سينمائية التشكيل في لوحة -صراط العراقيين- للفنان سلام جبار

تحمل لوحة الفنان الدكتور سلام جبار (الموسومة بـ "صراط العراقيين"، أكريليك على كنفاس، 80 -times 80 سم، 2026) شحنة تعبيرية ورمزية عالية الحساسية؛ حيث تتقاطع فيها السيكولوجيا الفردية والجمعية للإنسان العراقي في مواجهته اليومية والمصيرية مع الوجود والعدم.

𔁯. البنية التكوينية والحركية: التوازن الحرج.

محورية البطل (السائر على الحبل): يحتل جسد الرجل مركز العمل الفني، ممتداً بكتلة مشبعة تميل إلى الصلابة اليومية والامتلاء الواقعي. وقفته على الحبل ليست رشيقة بالمعنى الاستعراضي للبهلوان المحترف، بل هي وقفة إنسان عادي يخطو بتوجس وبطء شديدين؛ مما يعزز فكرة "الاضطرار إلى العبور" وتجاوز المحنة، بدلاً من غواية المغامرة.

عصا التوازن: تمثل هذه العصا الأداة الأفقية الوحيدة التي تشق الفضاء الرأسي المتشظي في الخلفية. إنها صمام الأمان الوحيد للنجاة، يمسكها الرجل بقوة وحذر بالغين لتقسيم الفراغ وإيجاد نقطة ارتكاز وسط فوضى الاتجاهات المحيطة به.
𔁰. السيميائية والرموز: أثقال الهوية والذاكرة.
سلة المعرفة والذاكرة: فوق رأس الرجل تستقر سلة قشية دافئة (أشبه بـ "الطبك" الشعبي العراقي)، لكنها لا تحمل قوتاً يومياً، بل تمتلئ بالكتب والدفاتر. هذا التوظيف يحمل دلالة وجودية عميقة؛ فالإنسان هنا لا يسعى لإنقاذ جسده وحياته البيولوجية فحسب، بل يحمل فوق وعيه إرثه المعرفي وذاكرته الثقافية. إنها محاولة مستميتة لإنقاذ الهوية والفكر وسط حقل ألغام بصري عائم.

الطيور البيضاء (حرّاس الروح): تحوم ثلاثة طيور بيضاء حول السلة وفوق رأسه كأنها تحاول التقاط السكينة من أوراق الكتب، أو تلعب دور "الملائكة الحارسة" لخطوته المتعثرة. وفي الوقت ذاته، يلعب الطائر المحلق جهة اليسار دوراً تكوينياً ذكياً، حيث منح اللوحة توازناً كتلياً وبصرياً بارعاً أمام ثقل حركة الجسد المتجه يميناً.

الخلفية المتشظية وتيه العلامات: تبدو الخلفية كمتاهة من الأشكال الهندسية المتداخلة والكتل العائمة بظلال زرقاء وبنفسجية باردة، تذكرنا بالكتل الكونكريتية التي حجبت ملامح المدينة. ومما يثير الانتباه، تناثر إشارات المرور بلا نسق واضح (سهم للأعلى، سهمان متعاكسان، وعلامة منع مرور المشاة أسفل اليسار). تعكس هذه الرموز حالة "التيه المؤسساتي"؛ فالقوانين الأرضية تعوق مسيره وتمنعه من العبور، ليبقى "الحبل الغامض" الممتد في الفراغ هو سبيله الوحيد والمجازف فيه للخلاص.
𔁱. المعالجة اللونية وديناميكية الضوء
البشرة الرمادية والبرودة السيكولوجية: صِيغت بشرة الرجل بلون رمادي مائل للزرقة، وهو اختيار لوني يحمل بعداً نفسياً يشير إلى التعب، وإجهاد السنين، وصباغ الجسد بلون التراب والرماد الفلسفي المائل للبرودة.

كسر الرتابة وبصيص الأمل: يأتي السروال بلونه الخردلي الذهبي، يرافقه دفء السلة القشية وعصا التوازن الخشبية، ليعيدوا إلى العمل نبضاً حيوياً يحمي اللوحة من الانزلاق نحو السوداوية المطلقة. كما يتسلل ضوء دافئ خفي ليسقط على الكتف الأيمن، وجزء من الوجه، ليؤكد أن هناك شمساً أو أفقاً من الأمل يلوح في المدى.
𔁲. البُعد السيكولوجي والوجودي: فلسفة العبور

تُعد اللوحة معادلاً بصرياً بامتياز لمفهوم "المشي على صراط الأزمات". فالإنسان العراقي لا يعيش استقراراً، بل حالة انتقال مستمر فوق الهاوية. إنه عابر استثنائي يحمل أثمن ما يملك (فكرة وثقافته) متجاوزاً منغصات الواقع وعلاماته المحبطة التي تحاول محاصرته في الأسفل.

خلاصة

نجح الفنان البروفيسور د. سلام جبار في صياغة مشهد "سينمائي" مكثف، يختزل حكاية شعب وقدر فرد من خلال حركة واحدة معلقة في الفراغ. إنها لوحة تعلن أن البقاء في حد ذاته، والتوازن وسط العواصف بالحذر والثقافة، هو الفن الإعجازي الذي يمارسه العراقي يومياً على حبل مشدود.
...........
الفنان التشكيلي البرفسور سلام جبار جياد من مواليد بغداد ١٩٥٨ وهو استاذ في كلية الفنون الجميلة - جامعة بغداد وقد حصل على لقب الاستاذية ٢٠٠٩ وهو رئيس فرع الرسم في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد للفترة ٢٠٠٣ ٢٠٠٧
مدير المكتب الاستشاري للفَنّون في جامعة بغداد ٢٠٠٤ ولغاية ٢٠١٠
رئيس قسمِ الفَنِّون التشكيليِة في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد ٢٠٠٨ - ٢٠١٠
معاون العميد لشؤون الادارية في كلية الفنون الجميلة ٢٠١٠
رئيس قسم التصميم في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد من ٢٠١٤ ٢٠١٧

الشهادات
دكتوراه فلسفة فنون تشكيلية -رسم كلية الفنون الجميلة- جامعة بغداد ٢٠٠٣ -بتقدير امتياز - الأول على دورته عن الأطروحة الموسومة – جدل الصورة بين الفكر المثالي والرسم الحديث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...