إبراهيم محمود - تجربة الكتابة وكتابة التجربة -3- عن د. زهير الخويلدي المقيم بين التجربةوالكتابة فلسفياً


د. زهير الخويلدي


-3-

أنفاس الفلسفة في تجارب الآخرين
" يسعى محبُّ الحكمة نحو المعرفة ويتدرب على السير في نهج الحقيقة والوقوف على مسلك الفضيلة الأخلاقية ويحاول أن يجمع في ذلك بين فن الحياة وفن التفكير وبين الإقامة في العالَم وبناء عالَم جديد. "
زهير الخويلدي: فلسفة التربية والتعليم والحاجة إلى التثوير، تونس 2016، ص 160 .


قراءة كلام الآخر
أود أن أشير إلى نقطة أعتبرها أساسية، أو هكذا تبدو لي، بما أنها تقارب مجموعة من الأصوات، هي كلمات، وهذه أصبحت مكتوبة، وعليّ قراءتها ، محاولاً تخيل نبرتها في بنيتها ونجاعتها، وطريقة تفاعلاتها مع بعضها بعضاً. هذه النقطة التي تعنيني من موقع المتحدث في الفلسفة، باسمها، عنها، وإليها يكون المرجع، ومتطلب القول في صوغ العبارة التي تجيزها الفلسفة عينها، أي في مقامها، أو وهي من " ثوبها " كما يتردد.
الموضوع موصول بالفلسفة، وفي سياق هذا المعترَف به، والمنوَّه إليه، يأتي الرصد لكل ذلك، بغية الحفاظ على سوية المتوخى. أليست الفلسفة حاضرة بقدْر حضور ما تقبله، وينوّع فيها كذلك، حيث إنه يكتسب قوامها داخلاً وخارجاً، وفي الوقت نفسه، تكون أكثر تأهيلاً لأن تتجاوز في كل حالة مسمّاها نوعياً...
أنطلق هنا، وفي هذا المبحث الفرعي المكمّل لما سبق، والمنتظِر لما يمنحه ديمومة حضور فلسفية، لأشير إلى باحثنا الخويلدي الذي يذيّل كل مقال له إجمالاً بعبارة " كاتب فلسفي "، ساعياً إلى الإخلاص لهذا التعريف المقتضب، إنما الضامن لمعني يمكّنني من الاستعداد لقراءته، قراءة مسطوره نصَّ فلسفة.
أعني بذلك أن أتلمس في كتابته صدى يصلني بتجربة تسمّيه، ومدى صعوبة إرضاء الفلسفة، ليس لأنه غاية لا تُدرَك، وإنما لأنه يعايِن في المتقدّم باسم الفلسفة، أو الفلسفي، مدى الإيفاء بما وضع نفسه فيه.
تستوقفني أسماء وعناوين، في مبحث، لا بد أنه مطوّل نوعاً ما، ولكنه أكثر تميزاً بالاختلاف في التوجهات!
أتحدث هنا، كما تحدثت وسأتحدث لاحقاً عن الذي نسَّب نفسه إلى " حضارة اقرأ"( سيكون هناك مبحث فرعي متوقف على هذه النقطة بالذات، لأهميتها)،وأي حضور لمسطوره يمكن تبيّنه في حاضنة الفلسفة وأفقها.
وإذا كان الموضوع يحدد لغته، جهة نوعية الكلام، فكيف هو الحال في موضوع متعددة أصواتُه، أعني بها حضورات من كانوا ورحلوا، إنما وقد تركوا ما يتكلم باسمهم، ولكل منهم نبرته في القول، وصدى في الكتابة.
إنها جملة تجارب تتمثل في كتابات متباعدة جغرافياً، زمانياً ومكانياً، ولكن نسبَها الإنساني، وأرى أن هذا التعبير ربما يلبّي رغبة الكاتب نفسها، وهو الذي يلغي الحدود، كما لو أنها في ديمومة الوجه الذي لا يبلى.
لتكون كتابة كاتبنا الفلسفي حضوراً من بين حضورات، وإن كانت صلةَ وصل بين قارئه وتلك، وكيف تمكنتْ من الحديث عنها، في نص يحمل اسم الكاتب، وأي مستوى من العلاقة النصية تحقق في هذا الشأن.
أشدد على ما أسْميته بـ" أنفاس الكتابة " التي تقيم فصلاً إجرائياً بين تجارب مسماة بمن أودعوا عجينتها خميرتهم، وهي تتوحد في عجينة الكاتب، ليكون النظر في " خميرته " مستقرئها في مآلها الفلسفي.
يا لها من مهمة صعبة، أن يكون الآخر في نطاق معلوم مقروء تجربة، والقارىء معرَّف بتجربة بشهادة ضمنية من الآخر بالذات. أليس ضمان الحديث عن الآخر بسلاسة، إشعاراً بمقدرة المعني به شريكَ حرفه؟

في كتابة التجربة وشهادتها
لا يدخر الخويلدي جهداً في الكتابة عما هو فلسفي، من واقع حياتي. إنما إلى أي مدى يمكن لهذا الواقع أن يفيد بمردوده الفلسفي، حيث الفلسفة تعيش ضعف حضورها، إن لم يكن ذلك انعداماً على وقع الجاري؟
يعجبني فيه هذا الحماس، وهو ينوّع في قائمة عناوينه ذات الصلة المباشرة عن الفلسفة، وفي مجالات مختلفة، يتحدث عن الفلسفة بوصفها حضوراً، ويقلبها على وجوهها من موقع اليقين بها. هذه الرغبة المستدامة تلفت النظر حقاً، النظر في إرادة الكتابة المستمرة في فلسفة يُفترَض أن تسمّي موقعها المعترف به، في السلطة الرمزية التي يُحسَب لها حساب، في سرَيان فعل صوتها في آذان مجتمعية، بنسْبة معينة، تعبيراً عن أنه في مقدور السائل عنها، رؤية ما يُستدل به عليها. إنها تجربة تسمّيه، تجربة الرغبة الباحثة عن صوتها وصداه.
كيف يمكنني إزاء هذا النشر اللافت من الموضوعات التي تجاز فلسفياً، وليس من " مهبط أرضي " فعليّ لها؟ إلى أي مدى يمكن لصوت الرغبة أن يشرعن لحضوره في آذان بالكاد توجد، وليس أن تسمع فحسب؟

عندما أقرأ نص حوار معه عن : الفلسفة اليوم، 30 نيسان 2024 " موقع براكسيس رمادي"
هذا العنوان من خلال المتحدث عن الفلسفة، لا بد أنه يمضي بي إلى مكاشفة مفهوم " اليوم " وما يعنيه اليوم من مؤشر زمني فلسفي، حياتي، محسوس تماماً، وفي الوسط الذي يقيم فيه الكاتب .
من ذلك، ما يخص هذه الأسئلة الثلاثة التالية وجواب كل منها:

أين وصلت الفلسفة اليوم؟
اليوم تعاني الفلسفة من أزمة حقيقية وهي محاصرة من طرف منافسين جدد ظهروا في الفضاء العمومي بعد الثورة الرقمية وخاصة خبراء التسويق وعلماء الرقميات والبرمجيات والمستقبليات وبالتالي ضاع الحلم الأول للفلسفة بأن تكون معرفة نسقية ونظرة شمولية وحكمة عظمى وفكرة شاملة وبقي لها دور النقد والاستيعاب والتوجيه والفهم والمواكبة. بيد أن الفلسفة المعاصرة في زمن البعديات قد غيرت المسلك وتعاملت مع اللاّفلسفة كمعين لا ينضب لإنتاج المعنى وكمصدر للمراجعة والتطوير.

ما أهم الأسئلة التي تسعى لتجيب عليها الفلسفة اليوم؟
فلسفة اليوم هي فكر اشكالي قلق ونظرية نقدية تطرح الأسئلة بدقة بالغة أكثر مما تجيب عنها وتنحى نحو الفكر المركب وتتجاوز الاميات العقيمة والمراوحات وتبتعد عن الأزواج الميتافيزيقية.

أيهما برأيك أقدر على تحريك الركود العربي الحالي والقادم من قيود التراث والسلف؛ الفلسفة أم العرفان والتصوف؟ وهل من سبيل إلى أن يتحدا في هذه المهمة الكبيرة؟

كل شيء نافع بالنسبة إلى حضارة اقرأ وخاصة العلوم الأصيلة مثل الفقه والكلام والبلاغة واللغة والتفسير والسيرة والحديث والتصوف والفلسفة شرط إعادة بناء هذه الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة وتحريك وهج السؤال والبدء من جديد في كل شيء وإطلاق حركة الخلق والابداع.

لا بد أن يكون هناك مصدر للصوت، للباعث عليه والشاهد على حقيقته. حسنٌ.أليس مجمل الذي أسمعه أو أقرأه يمضي بي ليس إلى النطاق الجغرافي لما سماه وراهن عليه فلسفياً" حضارة اقرأ " التي تعنيه عربياً، وإنما إلى الغرب، وسهولة سماع صوت الفلسفة، في أداءات متنوعة، وفي فضاءات مختلفة عملياً. بالطريقة هذه، أي تجربة هذه التي يمكن الركون إليها، باعتبارها تجربة واقع، واقع يتكلم الفلسفة بدرجة ما؟ حديث أو كتابة عن الفلسفة ووضعها يستدعي كلُّ ذلك الغرب، بداية ونهاية، بينما الكتابة هنا بلغة الضاد، فهي إيحاء إلى أن هناك شراكة، شراكة فاعلة لا منفعلة، منتجة في الطرفين، إلى أن هناك تجلّ لها في ساحتها الثقافية" أي لغة الضاد"، وما في لغة التعميم من تلغيم للمعنى.
ربما بالطريقة ذاتها أقف إزاء مقاله :
التجربة الفلسفية بين النقد والتأسيس،9 آب 2014" موقع أنفاس "
وما يعهَد به إليها" الفلسفة " نقداً وتأسيساً. كيف يمكن للفلسفة أن توجد في مجتمع يناوئها علانية لا سراً؟ لا بل كيف يمكن الحديث عن مجتمع فلسفة، وهو محكوم بالاستبداد والتخلف، أليس في ذلك تناقضاً؟
وأنا أقرأ ما يرغّبني في الفلسفة، إنما ما يرعبني بقدْر مضيّ في القراءة وكأنها حقيقة لها سمهما المجتمعي؟

( لعل مأزق الفكر الفلسفي الراهن المتمثل على ما نراه في الوقوف عند العلوم الموروثة دون تطويرها أو في العجز عن ابتداع آفاق معرفية جديدة وتأسيس ميادين أخرى لعل هذا المأزق الذي لا ينفصل عن أزمة المجتمعات وعن محنة المعنى في الثقافات المتصادمة هو من الأسباب التي تدفع الفكر إلى المراجعة والنقد بحيث توجه أصابع الاتهام إلى العقل الفلسفي بذاته لكي يقوم بمحاكمة نفسه فيفصح عن مسلماته ويحلل أبنيته ويراجع طريقة اشتغاله وباختصار بالصفح عن المبادئ والقواعد التي يستخدمها في النظر والعمل على السواء سيرا لإمكانات جديدة وبحثا عن آفاق لم يتم ارتيادها بعد هكذا فالوعي بالأزمة يقود إلى نقد الذات والتعرف إليها من جديد أي إلى إعادة استكشافها وتحريرها إذ في الكشف تحرير من القيود وانفتاح على عوالم جديدة.
حول سؤال ماذا ننقد؟ وماذا نؤسس؟ يتحدث عن أرسطو، هيوم، كانط، هيجل..ثم: إذا كان من نافل القول أن نعتبر النقد آلية من آليات التفلسف وأن الفلسفة نقدية أو لا تكون فإنه من الضروري أن ننتبه إلى التحول الذي طرأ في الفترة المعاصرة حول المسألة النقدية وبالخصوص الانتقال من الحديث عن النقد لغاية التأسيس إلى النقد لغاية النقد وما اصطلح على تسميته بنقد النقد أو النقد المزدوج الذي انتشر مع فلسفة الرجة ومدرسة فرنكفورت وفكر الاختلاف.).

هكذا أقف في حيرة من أمري، وأمر نفسي، وثقافتي الفلسفية المتواضعة والمطارَدة، وأنا إزاء هذا العنوان:
من أجل فلسفة ابداعية، 13-9/ 2024 " موقع كتابات في الميزان "
أي ما يجعل المسمى محصّناً ومثمناً ومنشوداً ، وفي الشأن الأكثر حميمية ومأثرة قيمية ومدنية كذلك:
( إن دخولنا في المنهج الفلسفي الحقيقي يعود تاريخه إلى اليوم الذي رفضنا فيه الحلول اللفظية، بعد أن وجدنا في الحياة الداخلية مجالًا أولًا للتجربة. هكذا تحدث هنري برجسن في الفكر والمتحرك.
. الأسئلة الأساسية للفلسفة:
في القرن الثامن عشر، اقترح كانط في كتابه المنطق تجميع الأسئلة الفلسفية حول ثلاثة أقطاب:
1. “ماذا يمكنني أن أعرف؟" سؤال يتعلق بقدرات الفكر الإنساني ..

2. "ماذا عليّ أن أفعل؟" سؤال يتعلق بالسعادة الفردية، والقيم الأخلاقية، والأهداف السياسية، والمشاكل الاجتماعية ..

3. "ما الذي يمكنني أن آمله؟ " سؤال يتعلق بمعنى الوجود، والقيم الأخلاقية العليا، والجمال، والمتع الحسية، وأفراح المعرفة، وسعادة المحبة والمحبة والاعتراف الخ...
وأضاف أن هذه الأسئلة الأساسية الثلاثة يمكن تلخيصها فيما يلي: “ما هو الإنسان؟ "
هذه الأسئلة هي الأكثر جذرية، ويمكن تصنيفها لأنها تلك التي تذهب إلى أبعد من التساؤل، والتي تثير مشكلة "لماذا"، وسبب وجود كل الأشياء، وطبيعتها الحميمة، وقيمتها، وسبب وجودها. معناها بالنسبة للمغامرة الإنسانية.) .
...
لا أكثر مما مقروء مما تقدَّم، وعلي أن أنوّه هنا إلى أنه لو كان الكاتب غربياً، لمنحتُه من اهتمامي النفسي الكثير، لأن ثمة ما يشغلني، ما أريد التعرف عليه ولو عن بُعد. أما هنا، حيث الاستشهاد بكانط بالذات، ويعرف الكاتب نفسه جيداً، نوعية اشتراط وجود الفلسفة، في التنوير، والتنوير في الحرية التي تسمّي الفردي هنا. هل يمكن الحديث ولو همساً عن هذا النوع من الفردية التي تعطي الحق لكل منا أن يفكّر بطريقة تعزز مكانته؟
ثمة مأساة ديمومية لمفهوم الإنسان يستحيل التأريخ لها في ضوء المعطيات التاريخية عينها، مأساة تحتكر الزمان والمكان، أقل من أن تُسمّى مأساة، لأن في المأساة أحياناً نوعاً من التطهير لمعرفة الذات .
هذا الاعتراف، ليكن ذلك صراحة مني وقد تكون محل سخرية، يدفع بي إلى التذكير بأمثلة أخرى، كمقال:

أولانية دراسة الوضع البشري، 3 تموز 2015" موقع أنفاس "
إذ حين بدأت بقراءته حاولت جاهداً، وبطريقة كتابته، أن أعيش في مجتمع غربي، وكأن الكاتب في الحالة هذه ينتمي إلى هذا المجتمع، ويحترف الفلسفة، أو يتحدث عنها، لأن في تكوينه حضوراً فلسفياً معتبَراً:
( بعد تناول الوضع البشري كمفهوم وتعريف، في أصل الكلمة، ومن خلال مثالين لافتين: رواية أندريه مالرو بالاسم نفسه، وكتاب المفكرة الألمانية بالاسم نفسه، يظهر مدى تعقّد العبارة، ليستنتج التالي:يتميز الوضع البشري بطابعه الإشكالي وخصائص التكوثر والتعددية والتاريخية، والتي يمكن التعبير عنها من خلال الأسئلة التالية: كيف يتحدد وجود الإنسان بوصفه شخصا؟ وما طبيعة علاقة الشخص بالغير؟ وما الدور الذي يلعبه الغير في تشكيل الأنا؟ وهل وجود الإنسان بوصفه شخصا محكوم بالضرورة أم هو قائم على الحرية؟أين تكمن الطبيعة الجوهرية للشخص؟ )
وأكثر من ذلك في مقال:
كيف تصنع من سيرتك الذاتية وتجاربك في حياتك أثراً فنياً؟ 11حزيران " موقع الأنطولوجيا " حديثاً.
قراءة المقال تشعرني بالغربة القصوى عن نفسي، والاغتراب الأقصى عن واقعي، وبنوع من الغليان الداخلي، حيث المقال لا يخص إلا من يعيش متمتعاً بذلك الوعي الذاتي، وسموّ المعني وقدرته على التمايز.
في المقدمة: تشكل عملية تحويل السيرة الذاتية والتجارب الحياتية الشخصية إلى عمل فني واحدة من أعمق أشكال التعبير الإنساني.
وما يلي ذلك من خطوات توحي بأن الآخر في وضعية المستعد، لأنه منفتح على نفسه وخارجها:
في خطوات-1-مثلاً،تبدأ العملية دائمًا بالتأمل العميق. يجب على الفنان أن يعود إلى ذاكرته كما يعود المستكشف إلى أرض غير مُكتشفة. اكتب يوميات حرة دون رقابة، سجّل الأحداث الرئيسية، الإخفاقات، اللحظات المضيئة، العلاقات المؤثرة، والصدمات التي غيّرت مسارك.
من خلال جملة تحديات: عندما تنجح في تحويل سيرتك إلى عمل فني، تحدث عملية تحرر مزدوجة. أنت تحرر نفسك من عبء الذاكرة غير المُعالجة، وفي الوقت نفسه تقدم شهادة للعالم. يصبح عملك مرآة يرى فيها المتلقي نفسه، حتى لو اختلفت التفاصيل.
في الخاتمة: كلما غصت أعمق في ذاتك، كلما ارتفع عملك نحو العالمية. ابدأ اليوم، واكتب أو ارسم أو أدِ أول خطوة، فالرحلة نفسها هي التحفة الأولى. فماهي تقنيات السرد الذاتي في التجارب الفلسفية؟ وهل يمكن لفن المذكرات البصرية المعاصرة أن تتدخل في فن صناعة الذات تخيليا؟
...

ما يبعث على التساؤل، وبعيداً عن أي شماتة، أو تقليل من الوازع الوجداني والظمأ الروحي إلى المتوخى لدى الكاتب، هو التنويه إلى العالمية في الخاتمة، وكيفية صقل الذات، وعبر أسئلة تتكرر بصيغ شتى في خواتم مقالات متنوعة له، تعبيراً ضمنياً عن أن هناك هوة قائمة بين مقول القول، وبين المسمى المفتقَد. ذات تسمى ذاتاً، باسم فرد معين، له هويته المجتمعية وليس القطيعية، ولها مرجعية ثقافية ، تكون الفلسفة بؤرتها!
بالطريقة ذاتها، وبشكل أكثر مجلبة للمفارقات والمكابدات، يستوقفني عنوان مقاله:
تجارب التنوير ومخاطر اللاّتسامح، 16 شباط 2019 " موقع النبأ "
حيث الحديث لا يخلو من نفحة إرشادية، توجيهية، من توصيف للمفهوم العائم هنا وهناك، وما الأسئلة التي طرحها إلا تعبيراً عن هذا النفي للتسامح، حيث ينعدم التنوير، في سريان فعل الخراب المنظَّم:
( التسامح الفعلي فهي قيمة حضارية يجدر الاشتغال عليه بين مكونات الفضاء العمومي وضمن مجتمع المواطنين داخل السياق الحضاري وضمن التنوير الأصيل وبعد تنضيج أداة الوعي والنقد الثقافي الملتزم.
التسامح يبدأ بالحوار ويستدعي اللاّعنف ويكرس التفاهم بين مكونات الذات الجمعية ويشيد التوافق البناء والتعاقد الاستراتيجي على الخيارات الوطنية الكبرى التي تؤسس مستقبل الجماعة التاريخية التي تنتمي للوجود البشري وتبجل أسلوب فض النزاعات بالطرق السلمية ودفع النقاشات المصيرية إلى حدودها القصوى وتأجيل المعارك الإيديولوجية الطاحنة إلى مرحلة لاحقة واعتماد آلية الكتلة التاريخية للخلاص.
في الختام: فماهو المخرج من هذه المراوحات التي أوقعنا فيها النقد الجانبي والتحديث المسقط والتفكيك الفوضوي؟ وكيف يتم بصورة مشروعة ربط التنوير الديني بالتصدي للإرهاب والتطرف؟ ألا يجب العمل على إيقاظ الوعي الذاتي وتفعيل حركات النقد من الداخل؟)
هكذا الحال، وفي منحى مختلف، ومتاخم للبقية أجدني مفعماً بالألم وهدر المعنى مع مقال:
التجربة بين المعرفي والتطبيقي،30-11/ 2023 الحوار المتمدن
حيث أورد ما ورد في الخاتمة:
( التجربة هي أساس كل معارفنا ومن هنا تستمد أصلها الأول. إن الملاحظات التي نقوم بها على الأشياء الخارجية والمحسوسة أو على العمليات الداخلية لروحنا التي ندركها والتي نتأمل فيها بأنفسنا توفر المواد اللازمة لجميع أفكارنا.
لقد أثر التفكير التجريبي بقوة على الفكر العلمي الحديث. ومن الآن فصاعدا، يعتمد المنهج العلمي على التجارب التي تجعل من الممكن بناء القوانين والنظريات التي يتم التحقق من صحتها من خلال التجارب.
غير أن هذا الارتباط بين التجربة والقانون يطرح مشكلة الاستثناء. هل يمكننا الاستغناء عن الخبرة أو النظرية لمعرفة الأشياء؟ هل نحتاج إلى الجمع بين النظرية والخبرة لنعرف جيدًا؟ أي المعرفة أفضل: المعرفة التجريبية (من الخبرة) أم المعرفة النظرية؟ أي واحد يناسبنا في النهاية؟).
توصيف لحقيقة التجربة، بلغة الجمع، حال مجمل كتاباته، التجربة التي تتكلم " غربها " حيث يكون مسقط رأسها، بأكثر من معنى، وهنا تتكلم بلسان لا أظنه قادراً على إيصال الصوت الذي يسمّيه حق تسمية. وما الأسئلة المطروحة في النهاية إلا تماشياً مع رغبة، لا أظنه في وضعية المطمأن إليها تقديراً، فالتجربة المسماة آنفاً تسمّي مجتمعها، أفرادها، مخابرها، ظواهرها التي تتميز بمناخ الحرية المساعد على رصدها.
وعندما أقرأ عنوان مقاله:
دور الشغف في التجربة الإبداعية، 24 حزيران 2026، " صحيفة المثقف "
أتساءل مسبقاً،هل هناك اعتراف بالشغف كعلاقة نفسية حميمية تسمّي ذاتها معترَف بها، وفي تجربة إبداعية تعلِم بأن وراءها مجتمعاً مؤهَّلاً لأن تجد لها فيه حاضنتها، وقابلية الظهور بمادتها ونمائها كذلك؟ بدءاً من المقدمة، مروراً بالبعد الفلسفي والوجودي" بأي معنى، ومع من وأين ؟ "، وانتهاء بالخاتمة المؤلمة:
في المقدمة:
في التجربة الإبداعية يقف الشغف كقوة حيوية أولية، تتجاوز مجرد الدافع أو الاهتمام لتصبح حالة وجودية كاملة تجعل الإنسان يعيش الخلق كمصير وكمتعة عميقة في آن واحد. الشغف ليس مجرد حماس مؤقت، بل هو التزام عميق وعاطفي ومعرفي بالموضوع أو العمل الإبداعي، يجعل الفرد ينسى الزمن ويذوب في الفعل الخالق.
التجربة الإبداعية مليئة بالمسارات المسدودة والأفكار الميتة؛ هنا يأتي الشغف كقوة دافعة تحول الإحباط إلى وقود لمحاولات جديدة.
البعد الفلسفي والوجودي: الشغف كتجاوز للذات
من المنظور الفلسفي، يمثل الشغف تجسيداً للرغبة في الخلود والتجاوز. عند نيتشه، يرتبط الشغف بالقوة الحيوية التي تدفع الفنان إلى خلق قيم جديدة وأشكال جمالية تتجاوز النظام القائم.
أما في التراث الرومانسي، فيُرى الشغف كحالة إلهام شبه مقدس يرفع المبدع إلى مرتبة النبي أو المكتشف.
تحديات الشغف وشروط إنضاجه
رغم أهميته، ليس الشغف ضماناً تلقائياً للإبداع الناجح. قد يؤدي الشغف غير المنضبط إلى تشتت أو تعصب فكري يرفض النقد. كما أنه قد يتعارض مع متطلبات الحياة اليومية، فيولد صراعاً بين الالتزام العائلي أو الاجتماعي والتفاني الإبداعي.
خاتمة:
في نهاية المطاف، نقرأ: يُعد الشغف السر الأعمق والمحرك الأساسي للتجربة الإبداعية. هو ما يحول الجهد العقلي إلى رقصة روحية، وما يجعل الإنسان قادراً على خلق ما لم يكن موجوداً. بدون شغف، يبقى الإبداع حرفة؛ وبه يصبح مصيراً وشهادة على حيوية الروح البشرية.
انتهى كلامه!
...
عبارة " رقصة روحية " لفتت نظري لشاعريتها النيتشوية، لكنها بلبلت علي وعيي المصاب برهاب الواقع جرّاء تصدعاته المختلفة، جرّاء سيرورة التخلف وحشد المزيد من القوى الداعمة له وعلى أعلى مستوى.
في السياق نفسه، حيث يستمر ماراتون المفارقات، كيف يمكن قراءة مقال:
الكتابة الفلسفية في زمن الرداءة، 7 تموز، 2026 " موقع ديوان العرب "
بعيداً عن التوتر، وما يسمّيه الكاتب بـ" زمن الرداءة " عموماً، ما يعطّل ويعدم كل محاولة تجلّ للحد الأدنى مما هو فلسفي، فلرداءة حين تسمّى فضاء واسعاً، لا يعود من متنفس لما هو معتبر، فأي فرصة استحالة في الحالة هذه تكون متاحة للكتابة الفلسفية؟ في مجتمع اللافلسفة، إلا إذا اعتبر مسطوره في مقام نداء استغاثة؟
حيث يكتب في المقدمة:
في عصر الرداءة، حيث يسود السطحي والمبتذل والمصطنع، تصبح الكتابة الفلسفية ليست مجرد نشاط فكري أو مهنة أكاديمية، بل تتحول إلى تجربة وجودية عميقة تتطلب التزاماً كاملاً بالذات والعالم معاً. الرداءة هنا ليست مجرد انحطاط أخلاقي أو ثقافي عابر، بل هي حالة حضارية شاملة تتميز بسيطرة الاستهلاك على المعنى، وتحول اللغة إلى أداة دعاية، وتفريغ الفكر من قدرته على النقد والتجاوز. في هذا السياق، يصبح الكاتب الفيلسوف شاهداً ومقاوماً في آن واحد؛ إنه يختار أن يوجد من خلال الكتابة، ويحول هذا الوجود إلى فعل مقاوم يسعى إلى إعادة بناء الحضارة من داخل أنقاضها.

وينوه إلى الالتزام الوجودي في الكتابة، وما يعنيه:
يعني أن الكاتب لا يكتب "عن" الفلسفة فحسب، بل يكتب "من" وجوده كله. إنه يختار أن يوجد ككاتب في مواجهة اللامعنى الذي تفرضه الرداءة.
الكتابة الفلسفية في زمن الرداءة هي زرع بذور لمستقبل قد لا يراه الكاتب.
كل نص فلسفي جديد هو انتصار صغير على الرداءة. مع مرور الوقت، تتراكم هذه النصوص لتشكل تياراً مضاداً قادراً على إعادة تشكيل الحساسية الحضارية.

ليكثف كلماته، ويمنح نصه فرصة الظهور ولو كان مثقلاً بالجراح:
كل جملة تُكتب بهذا الروح هي خطوة نحو فجر جديد، حتى لو كان الفجر بعيداً. هكذا تظل الكتابة الفلسفية، في أحلك لحظات الرداءة، نوراً مقاوماً وشهادة حية على قدرة الإنسان على تجاوز نفسه. فكيف تتشكل فلسفة المقاومة بالكتابة؟
إنها حرب الكلمات في نص لا يمكنه ضمان سلامته، إلا في زوايا ضيقة، أو من قبل عيون تقرأ بعين وبالأخرى تستطيع محيطها في مجتمع الكاتب نفسه. فأي مقاومة تكون هذه التي تضعنا في مواجهة كائنها الأعزل والأكثر من ذلك؟ وفي مجتمع مرصود وتحصى فيه حروفه كما هي أنفاسه.
أعني بذلك ، كيف يمكن لفلسفة المقاومة أن تتشكل بالكتابة، في مجتمع يطاردها حتى في أذهان رموزها؟
بالطريقة ذاتها، كما هي صورة الفلسفة، يكون النظر في الفن الذي لا يؤخَذ به في الدور الاستثنائي الذي يقوم به في بناء الروح وإثرائها، في مجتمع الذوق الجمالي، وما الإقبال على ما هو فني، في الرسم خاصة، وفي مجتمع التمايز بين الأفراد، إلا التعبير الدال على مثل هذا الشعور العميق بما مفقود ومنشود.
هل هناك فن في مجتمعاتنا، يستحق النظر فيه، والاعتراف بدوره الكاشف لما هو خفي من مكبوتات، من لواعج، من مشاعر فعلية، وطرحها لونياً، ومن ثم الاحتفاء بمثل هذا الاعتراف النوعي؟
الحديث عن الرداءة يمضي بي أخيراً هنا، إلى الوارد طي مقاله:
حينما ينقذنا الفن من الرداءة ،2نيسان 2016" موقع أنفاس "
( يمتلك الأثر الفني إستراتيجية في العرض تتمظهر من خلال قوى إنتاجه وتبرز عناصره التكوينية ويلعب الترتيب الذي تظهر من خلاله امتزاج الألوان والأشكال والخطوط والأحجار والأضواء والرموز والمواد.
جملة القول أن تلقي الأثر يعتمد على مرونة الفنان في تبليغ المضمون الجمالي وتجلية الأشكال الفنية وقدرة الذاتية على الخلق والإبداع والإنشاء والتشكيل والتعبير عن الرائع الجليل والجمال الخلاب.)
لقد تحدثت سالفاً عن الاستراتيجية، والتي تعني المستقبل الجاري الاهتمام به. لدينا الماضي المختزل، ماضي الموتى الذين لا يموتون وهم يخيفون كما يهددون به الأحياء، وقد فقدوا ملامحهم. أي فن يمكنه أن يخوض مغامرة تحويل ذلك إلى أثر فني لجعل الروح أكثر شفافية وعافية؟ وأي مسوّغ في مثل هذه الرداءة المستفحلة والمؤممة والسارية المفعول هنا وهناك، للحديث عما يخص الفن في الرائع الجليل والجمال الخلاب؟
يمكن الحديث عن الجميل، نعم، وإنما في الوجه والجسم المثير إيروسياً، وما يجعل العقل رهينة مؤبدة معطلة!

تجربة الآخر وإشكالية التسمية
أثني على الخويلدي في مضاء عزيمته، وهو ينوّع في قراءاته للآخرين، وما في هذا النوع الخاص جداً، من العلاقة البحثية والفكرية، من انشغال بالهم المعرفي، والتعبير عن رغبة ذات تريد لها ولسواها بناء مجتمع تتناغم فيه الحضارة والثقافة بأجل معانيها في توأم قيمي تاريخي واحد، حال مجتمعات الذين يبحث في نصوص كتابها من الفلاسفة، وفي متون هؤلاء وهوامشهم عما تكون عليه مجتمعاتهم من تمايز وقابلية الاعتراف بالخطأ البنيوي ومواجهة الذات، باعتبارها مجتمعات الاعتراف بأكثر من معنى، وليس الجاري في مجتمعه بالمفهوم العام وكل المجتمعات الممتدة في محيطه، والتي أعتبرها مجتمعات مصابة، كما قيّض لها على أعلى مستوى سياسي، أن تكون مصابة بداء مزمن هو عسر الهضم المعرفي: الفلسفي، كما هي نظرتي إليها، خلاف نظرته، التي أقدّر فيها جانب استماتة، جانب شغف، مرتبط بإيمان داخلي أن هناك من يسمعه، من يصغي إليه، من يتابع كتابته ويخطط لكيفية جعلها مرتكزات أخلاق عملية لا نظرية فقط.
وفي هذه الأضمومة من الأسماء المختارة، جهة التجارب الكتابية، أحاول التوقف وقراءة نوع الآخر فيها، وأي ذات تمضي دون كلل، معها ومع غيرها، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً شخصياً، كما هو حسابي لها.
أبدأ بالمقال الأول:
تجريبية ديفيد هيوم بين الريبية والذاتية، 8-7/ 2020" موقع ميدل إيست "
هناك الكثير مما قرأه في شخص فيلسوفه التجريبي ديفيد هيوم " 1711-1776 "، ثمة إبراز لريادته في نطاق الفلسفة القائمة على التجريب الخاص به، إلى أن تتقدم مجتمعها، والأرضية التي يمهّد لها في أفق انتظار لا يؤجّل، أفق مرتقب يشكل انعطافة فكرية مجتمعية في آن ، أورد بعض المقتطفات:
ولد ديفيد هيوم عام 1711 في إدنبره باسكتلندا في عائلة من طبقة النبلاء.
والذي كان ينفي وجود أفكار مجردة :
"في الطبيعة، الإنسان هو الحيوان الأكثر فقرا: التنظيم الاجتماعي الوحيد هو الذي يسمح له بالبقاء."
إنه مبدأ مقبول عمومًا في الفلسفة أن كل شيء في الطبيعة هو فرد، وأنه من العبث تمامًا أن نفترض أن مثلثًا موجودًا بالفعل له جوانب وزوايا دون أي أبعاد دقيقة. إذا كان هذا أمرًا سخيفًا في الواقع ، فيجب أيضًا أن يكون سخيفا في الفكرة ، حيث لا شيء يمكننا من تكوين فكرة واضحة ومميزة عن أمر سخيف ومستحيل.
ختاماً: إن قراءة هيوم سوف تهز كانط بعمق. منزعجًا من هذه التجريبية المتشككة، سيصوغ كانط طريقة جديدة: أخرجني هيوم من "نومي الدغمائي". هذا سيكون صرخة كانط في مقدمة لكل ميتافيزيقيا مستقبلية التي ترغب في تقديم نفسها كعلم. بدون هيوم، لم يكن من الممكن أن تولد فلسفة نقدية أو فكر تجاوزي للميتافيزيقا في الفلسفة المعاصرة.
انتهى كلامه!
....
نعم، إنه فيلسوف المنطقة الباردة، لكنه التفكير الحار، التفكير الساعي إلى كسر دوغمائية الواقع وأوثانه. ذلك صحيح. إنما السؤال الذي أطرحه هنا: بالنسبة لكاتبنا الفلسفي، وانطلاقاً من درس الفلسفة، أي إضافة تستحق الذكر في مثل هذا الاستعراض لأفكار هيوم، ولا أكثر منها حضوراً هنا وهناك؟ وبالنسبة إليه بالذات. أليس في ذلك قصورٌ عن تمثيل المهمة الموكلة إلى ذاته، في أن تقرأ الفلسفي بعين متفلسف، وألا تكتفي بمجرد القراءة العادية، إنما القراءة التي تسمّي ثغرات في نص الآخر، ليكون لدينا نوع من الحوار المثمر.
على هذا المنوال يُنظر، وكما أرى، إلى مقاله:
أحاديث موريس مرلوبونتي وتجربة الحوار، 20-5/ 2020 " موقع الحوارالمتمدن "
مرلوبونتي" 1908 - 1961 " هذا الفليلسوف الوجود الفرنسي الكبير، أي جديد قدّم في ضوء قراءة في تجربته، تجربة الحوار، التي تتطلب أول ما تتطلب التميز بنوع من الندية في لقاء الآخر: الفلسفي؟
في التقديم للمادة المترجمة نقرأ : تأثر بفينومينولوجيا هوسرل وبالنظرية القشتالتية النفسية التي وجهت اهتمامه نحو البحث في دور المحسوس والجسد في التجربة الإنسانية بوجه عام وفي المعرفة بوجه خاص.
لقد تعامل مرلوبونتي مع الحوار كتجربة فلسفية مثمرة بقوله في هذا النص المهم:" في تجربة الحوار ، تم تشكيل أرضية مشتركة بيني وبين الآخرين ، وفكرتي وصنع نسيج واحد فقط ، وكلماتي وكلمات محاوري يتم استدعاؤها من خلال حالة المناقشة ، فهم جزء من عملية مشتركة لا أحد منا خالقها.
فكيف مارس مرلوبونتي الحوار على أرض الواقع من خلال مجموعة من الأحاديث الاذاعية التي شرح فيها للعموم نظرياته الفلسفية ومواقفه السياسية؟
ومن النص المترجم، وتعليقاً على مرلوبونتي:
مرلو بونتي يعطينا التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع أنفسنا ، في اختلافنا عن ماضينا وعن نوايانا. التي نتعامل معها ونفهمها ؛ التي نقوم من خلالها بتنفيذ مشاريع جماعية وإصدار أحكام بشأنها ؛ التي نحن جزء من واقع يقاومنا من خلال تقديم كل ما نحتاجه للعمل ؛ التي نبدعها ونخلقها بأنفسنا من خلال القيام بذلك ؛ وهو ما نفهمه اختلافنا عن الآخرين عندما نسافر ، كما فعل مرلوبونتي في أفريقيا عام 1956 وفي مدغشقر عام 1957 ؛ وكيف نقترب من الطرق التي يمكن للآخرين أن يفعلوا بها ويفهموا الأساس ، من الأدب إلى التحليل النفسي والفلسفة."
انتهى كلامه!
....
مع الوجودي الفرنسي أي تنويع معرفي فلسفي تشكل لدى كاتبنا، ليعلِم قارئه أنه لا يكتفي بدور المترجم، أو مجرد الكتابة، حيث تورَد معلومات لا تخفي جانبها الخبري، لتكون التجربة مثمرة بحصيلة مقدَّرة؟
وحين أقرأ مقاله:
مشكلة التجربة الفلسفية عند فرديناند أليكييه، 8-5/ 2020 " موقع الحوار المتمدن "
تستوقفني مفردة " مشكلة " وتحفّز بين جنبيّ إرادة البحث عن طبيعتها، إنها مشكلة التجربة الفلسفية لدى فرنسينا فرديناند أليكييه، مشكلته مع نفسه ومع وسطه، وما كان يدعو إليه من مجتمعه وفيه:
فرديناند أليكييه ، ولد في 18 ديسمبر 1906 في كاركاسون (Aude) وتوفي في 28 فبراير 1985 في مونبلييه (هيرولت) ، ويعتبر فيلسوفا فرنسيا اهتم بالأدب والسريالية وتأثر بديكارت وسبينوزا وكانط. من هذا المنطلق تعامل أليكييه مع السريالية كشكل من أشكال الفلسفة.
وما يفيد كدرس فلسفي في العلاقة مع الآخر: إن وجودنا هو ما نشهد خلاله عدم مصادفتنا مع المطلق الذي تبرز هذه التجربة في أسفله. لهذا السبب يجب أن يقال أن "الفلسفة تبدأ دائمًا بالوعي بالتسامح" وأنها تنطوي على حنين إلى كونها مدعومة بعقلانية نقدية تمنعنا من معاملة الوجود كشيء. وبالتالي ، فإن هذا الوعي بالتسامح يفترض مسبقًا تجربة أساسية تكميلية أخرى: تجربة الانفصال ، التي لا يمكن التغلب عليها أو استرضائها بالفكر. الجوهر وليس مصادفة الوعي ، لا يمكن وضع الانفصال بين قوسين دون التسبب في فقدان هذا الوعي. يمكننا أن نسأل أنفسنا ما هي التجربة ، في جوهرها ، لماذا هناك واحدة ، وكيف يمكن ذلك ، وماذا يعني للإنسان ، وما يكشفه عن حالته. لحل هذه المشاكل التي ركز عليها هيوم أو هيجل أو كانط بشكل أساسي. "

الخويلدي لا يتجاوز نطاق المعروض عنه، أي ما يمكن لتجربة القراءة أن تكون تجربة قراءة في تجربة فيلسوف، جهة أفكار، يمكن لها أن تقدح أفكاره، و تدفع به لأن يقدّم لقارئه ما يريحه وهو في سؤاله عما تجيء به قراءة لا تعدو أن تكون قراءة للآخر الذي تتوفر لديه قائمة طويلة مثلها.
كيف يمكن أن أنسّب نفسي بصفتي قارىء الآخر ومتفلسفاً، إن لم أحسن التعبير بلغة معطوفة علي، ليكون خطاب الآخر هو خطاب الذات وقد أحسنت في التعبير عما يخص مجتمعها.

في مقابلة مع الفيلسوف والأكاديمي فرديناند ألكي (1906-1985)، المولود في كاركاسون، نقرأ، بعضاً مما يضيء صفحته:
لطالما تناولنا في هذه المدونة ذكرى فرديناند ألكي، الأكاديمي والفيلسوف. ولكننا نأسف لعدم وجود التقدير نفسه له في مسقط رأسه. فمجموعة ألكي، التي تبرع بها لمكتبة بلدية لم تعد موجودة، ترقد منسية في أحد الأدراج. حتى محاضراته عن السريالية، المسجلة في جامعة أمريكية مرموقة، لم تجد لها مكانًا في كاركاسون. وهذا يدل على مدى استهانة الناس بألكي. وبقراءة المقابلة التي أجراها مع صحيفة "الإندبندنت" في 22 أبريل 1984، والتي نعيد نشرها أدناه، يتضح أن التراث الفلسفي، بحسب رأيه، هو مدرسة العقل. فلا يمكن ببساطة تجاهل قرون من الفكر المنظم. وكما قال: "محاولة بناء منزل بلا أرضية". هذا، بشكلٍ متواضعٍ نوعًا ما، ما نفعله هنا: نستذكر ونُكرم من سبقونا. هل تتخيلون اليوم أن صحيفة محلية، تجني دخلها اليومي من قسم الجريمة والعدالة، ستُخاطر بإجراء مقابلة مع فيلسوف؟ فضلًا عن ذلك، هل ما زال هناك محترفون في غرف الأخبار المحلية قادرون على إجراء هذا النوع من المقابلات؟

يُشاع، ويُقال جهرًا، وبكل نبرةٍ يُمكن تخيلها، أن الفلسفة، مثل الاقتصاد العالمي، "في أزمة". ما هو شعور فرديناند ألكي حيال هذا الأمر؟

من الصعب جدًا تحديد أزمة الفلسفة. لكني آسف لأن هذا صحيح بالفعل... لفترة طويلة، كانت هناك صلة، نوع من الاستمرارية، بين الفلاسفة العظام وعامة الناس. وقد نبع هذا من حقيقة أن الفلاسفة العظام تناولوا مواضيع وأجابوا على أسئلة كانت تُطرح على الجميع.
ألم يصح القول بأن موضوع الفلسفة قد اتسع، وفي الوقت نفسه، أصبح غامضًا؟

بالنسبة لي، لم يتسع؛ بل على العكس، أصبح متخصصًا، ويعجز عن الإجابة عن عدد من المشكلات. وهذا بحد ذاته أحد أسباب تراجع الفلسفة. أما السبب الثاني فهو غموض الفلاسفة المعاصرين. وأسباب هذا الغموض كثيرة أيضًا. فمع كانط ومن بعده، تبنت الفلسفة لغةً بالغة الصعوبة. فلو أخذت كتاب هيغل "فينومينولوجيا الروح"، على سبيل المثال، فلن تفهم شيئًا على الإطلاق، بينما لو قرأت كتاب ديكارت "تأملات في الفلسفة الأولى"، لا أقول إنك ستفهمه تمامًا، إذ ما زلنا نناقش معناه منذ ديكارت، لكنك ستفهم شيئًا ما.

خذ مثالًا آخر ليس فيلسوفًا، ولكنه كان له تأثير كبير على الفلاسفة المعاصرين في فرنسا، وهو جاك لاكان: حاول قراءة لاكان. في ثماني مرات من أصل عشر، لا تفهم ما يعنيه، أو حتى ما يتحدث عنه.

هل لا يزال العقل هو المحرك الأساسي لفكر الفلاسفة الجدد؟

الفلاسفة الجدد شيء مختلف تمامًا! لا أكنّ لهم تقديرًا كبيرًا... (صمت). مع ذلك، أجد أفكارهم مقبولة. لقد قدموا، علاوة على ذلك، خدمات فكرية قيّمة، لأن الماركسية قبلهم كانت أشبه بعقيدة جامدة. من لم يكن ماركسيًا، كان يُنظر إليه على أنه جاهل. لقد غيّروا هذا الجانب، لكن لا أستطيع القول إن إسهاماتهم على المستوى الفلسفي البحت ذات قيمة حقيقية. لا يوجد جوهر. إنها مجرد شتائم... لا أعتقد أنهم فلاسفة جيدون، لكنني لن أذكر أسماءً.
هل لديك إيمان؟

أجيب بأنني لا أعرف. إنه سؤال أطرحه على نفسي باستمرار. أجيب بأنني أتوق إلى الإيمان. لا أستطيع أن أنكر وجود الإيمان، ولكني لا أستطيع أيضاً أن أقول إنني أؤمن به.
كلمة "إيمان" بحد ذاتها تنفي فكرة اليقين... ولكن لنفترض أن لديّ شكاً عميقاً... بل أكثر من مجرد شك عميق. الكنيسة الكاثوليكية تُعلن أنه لا أحد يعلم إن كان مؤمناً أم لا.

أعتقد أنني... سريالي.
كيف يمكن للمرء أن يكون ديكارتيًا وسرياليًا في آنٍ واحد؟

بالنسبة لي، الإجابة في غاية البساطة. جوهر فلسفتي يُعرَّف على النحو التالي: الموضوع ليس هو الوجود، بمعنى أن كل ما يظهر لنا كموضوع له خلفية وجودية لا يمكننا إدراكها. هذه فكرة أساسية، وهي التجربة الفلسفية التي عشتها منذ طفولتي. لطالما قلت لنفسي، بشكل عفوي، إن كل ما أختبره وأسميه العالم الحقيقي يتكون من صفات حسية.
من البديهي أن الثلج لا يشعر بالبرد، ولا يرى نفسه أبيض، ومع ذلك فهو موجود. ونحن على يقين من أنه سيبقى حتى بعد رحيلنا.
هذه فكرة موجودة لدى جميع الفلاسفة، وخاصة عند كانط. إنها فكرة الشيء في ذاته الشهيرة، والتي تُعارض الظاهرة. في "تأمله الأول"، يبدأ ديكارت بالتساؤل عن العالم، أي أنه غير متأكد من وجوده، مُقارنًا بين حالة اليقظة وحالة الحلم، مُشيرًا إلى أنه غير متأكد من أنه ليس يحلم، وفي النهاية يجد الوجود أولًا في الله، مُعلنًا أن الإله غير مُدرك: *Incomprehensibilitas ratio formalis Dei est*.
أما عند الفلاسفة الذين أُعجب بهم، سواء ديكارت أو كانط، فإن النقطة الأساسية هي تأكيد وجود خلفية وجودية لا ينبغي الخلط بينها وبين الموضوع.
والآن، إذا انتقلنا إلى السرياليين، فلن نجد لديهم رأيًا مُغايرًا. وإذا نظرنا إلى المنهج السريالي كما هو، فسنجده انتظارًا دائمًا للإشارات. كما تعلمون، فإن مفهوم الإشارة يحظى بأهمية بالغة عند بريتون. ولكن إذا كان يبحث عن إشارات، فذلك لأنه يبحث عن شيء يُعطي إشارة. وهو لا يعرف ماهية هذا الشيء.
على المستوى المفاهيمي البحت، يمكن القول بكل تأكيد أن ديكارت وبريتون نقيضان تمامًا. فمثلاً، يؤمن ديكارت بالله، بينما بريتون ملحد. لكنني لم أعرف قط عقلًا أكثر تدينًا من بريتون. كان دائمًا ينتظر شيئًا ما في العالم المرئي. بالنسبة لي، هذان المنهجان، على الرغم من اختلافهما التام، أحدهما منطقي والآخر شعري، يشتركان في تجربة عميقة واحدة.
يجب أن أقول إن بريتون لم يوافق على هذا أبدًا. أخبرته بذلك مئة مرة، وكان يجيبني أن ديكارت هو العقلانية. يردد الفرنسيون، بطريقة ساذجة، "نحن ديكارتيون". عندما أسمع "نحن ديكارتيون"، أعرف أن كلامًا فارغًا سيتبع ذلك! من المفهوم أن بريتون شعر بالفزع من كل هذا، وأنه اعتقد أن ديكارت هو المصدر. ينبع هذا من حقيقة أن الناس لا يفهمون ديكارت على الإطلاق. إنه أكثر الفلاسفة لا عقلانية. هو الوحيد الذي قال -وهذا أمرٌ غير مسبوق- إن الله هو الخالق الحر للحقائق الأزلية. بمعنى آخر، اثنان زائد اثنان يساوي أربعة، أي حقائق خلقها الله بحرية، وكان بإمكانه خلقها بأي طريقة أخرى. اثنان زائد اثنان قد يساوي خمسة. حتى الفلاسفة الكاثوليك (القديس توما الأكويني، وغيره) يؤمنون بأن الله خاضع للمنطق. فيما يتعلق باللاعقلانية، لا يوجد أبعد من ديكارت. ومع ذلك، يُعتبر ديكارت بطل العقلانية! لا يوجد شيء أكثر سريالية من ذلك.
لذلك أعتقد أن المرء قد يمر بفقدان ديكارتي وسريالي في آنٍ واحد، ليس فقط لأنني كذلك، بل أعتقد أنني كذلك بطريقة متماسكة تمامًا."1"
إن قراءة كهذه ، تمتلك القدرة على طرح أكثر من سؤال، عن وضع فيلسوف كهذا، ولماذا كان هكذا، وكيف يمكن الربط بين سلسلة أفكاره في نص المقابلة معه، من جهة، وماذا يمكن قوله، في ضوء القراءة هذه، عما يعنيني كقارىء أو مترجم، ليعطي " قارئي " اعتباراً لمقروئي في مقروء الآخر عبر تجربة الكتابة لديه؟
ذلك ما فشلت في العثور عليه.
أعني بذلك عن تجربة الكتابة من منظور فلسفي، بوصفها تحرير اللسان من عقدة الكلام، كيف يمكن للجسد كله أن يكون ناطقاً بما هو محبوس به، في ضوء قراءة الآخر، أن يحرر لسانه الفلسفي من لسانه اليومي؟!
حين أنتقل إلى تجربة الكتابة لدى فيلسوف فرنسي مجنح بأكثر من معنى، هو جيل دولوز" 1925-1995"، وأنا أقرأ مقال باحثنا:
اسهام التجربة في المفهوم الفلسفي لجيل دولوز، 21 تموز 2020 " موقع الأنطولوجيا "
يتضاعف حماسي البحثي والمعرفي، رغبة في مكاشفة أي تجربة ستُسمى لديه من قبله.
إنه ينطلق ، على وجه العموم، من كتاب دولوز حول هيوم:
التجريبية والذاتية، بحث في الطبيعة البشرية عند هيوم،في ترجمته العربية، وبالكاد يتعدى نطاق الاستعراض لبعض مؤثر ولافت من أفكاره في حساب قراءته طبعاً:
يعتبر جيل دولوز الفيلسوف الأبرز الذي اشتغل على مفهوم الاختلاف ولكنه ويا للغرابة وضعه الى جانب مفهوم التكرار أو المعاودة وهو ما يعني تأجيل الفرق وتعذر المباينة والوقوع في اعادة انتاج المماثل والمطابق. بيد أن دولوز هو فيلسوف المفهوم بامتياز وقد منحه هذا الاختصاص امكانية تنويع التجارب وتجريب المفاهيم والمصطلحات والدوال على الحقول التي يشتغل عليها في حله ترحاله الجذموري.

وما يستدعي التفكير والتوقف هنا: يرفض دولوز أن تكون العادة هي التجربة ولكنه يرى بأن التجربة تفترض وجود العادة ، بعد ذلك يرى أن تكرار حالات متشابهة هو الذي يجعلنا نعتقد بوجود مبدأ السببية ولكنه يتدارك بأن يشرع للعقل أخذ المبدأ الذي يفسر به من مجال مغاير للتجربة لكي يقدر أن يحكم به ويعلل قضايا وأفكار تتجاوز التجربة.
ختام: لكن كيف يرفض جيل دولوز مفهوم التجربة بالمعنى الفنومينولوجي من جهة ويدعو الى توقيع تجربة الاختلاف والتفرد من حيث هي فعل ابداعي يشبه الخلق الفني ويربطها بتجربة الجسد بلحمه وعظمه من جهة أخرى؟ هل تمكن دولوز من يتجاوز الفكر التجربة عبر الاعتقاد في أشياء ماوراء الزمان والمكان؟
انتهى كلامه!
...
ما يهمني كقارىء أنا الآخر لهذا الآخر هنا والآخر هناك، وكيفية قراءة المسافة الفاصلة بينهما، هو في خلفية الأسئلة التي طرحها باحثنا،بصدد التناقض الظاهر في كتابة دولوز عن هيوم التجريبي، ونفي صفة التجريبي عنه، وهو ليس كذلك، كما يقول سؤاله، حيث جاءت العبارة" عبارة كاتبنا" ناقصة، لعله سهو، وهو في سؤاله: هل تمكن دولوز من يتجاوز الفكر التجربة عبر الاعتقاد في أشياء ماوراء الزمان والمكان؟ ولا بد أنه :هل تمكن دولوز من " أن " يتجاوز الفكر" لديه " التجربة عبر الاعتقاد في أشياء ماوراء الزمان والمكان؟ هكذا أقدّر طبعاً. ما يهم هو: هذا المضاف إلى عملية مراجعته لكتابه. أي مضاف؟
كيف قرأ الخويلدي كتاب دولوز عن هيوم؟ ذلك يضيء كما يوسّع نطاق علاقتنا قراءً بهيوم هناك أكثر!
أورد بضع فقرات من كتاب أكاديمي حول هذه النقطة الدولوزية بالذات وإشكاليتها، حيث أورد أرقام الصفحات التي اقتبست منها هذه الفقرات في المتن للإيجاز:
يرى جيل دولوز أن الفلسفة تقوم على ابتكار المفاهيم.
وبالنظر إلى الجانب الآخر من هذا التعريف، فإن معظم المعلقين عليه إما يكررون ببساطة أقوال الفيلسوف، معممين إياها، وبالتالي يمنحونها نطاقًا عالميًا، أو يطبقون المفاهيم التي ابتكرها على أي ظاهرة تصادفهم. وهذا يُحصر الفلسفة حتمًا في كونها مجرد مسعى تجريدي، بينما أراد دولوز أن تكون ملموسة قدر الإمكان.
إن مصدر هذا سوء الفهم بسيط للغاية: فهم يغفلون المكانة الجوهرية التي تحتلها التجريبية في فكره. وبالتالي، بعدم إيلاء اهتمام خاص لهذا الموقف الفلسفي الذي يُعلي من شأن التجربة، فإنهم يقللون من شأنها في ممارسته، ومن ثم يفصلون ابتكار المفاهيم عن السياقات التي تستمد منها ضرورتها.ص7
بشكل عام، يُصعّب الرجوع إلى التجربة على الفلاسفة تفسيرها دون محاولة تجاهل جوانبها الأكثر إثارةً للجدل. حتى في عصره، شعر أفلاطون بالحاجة إلى استكمال الانطباعات المُستقاة من الأشياء المحسوسة المتغيرة باستمرار بفكرة شاملة، تُوفّق بين اختلافاتهم وتناقضاتهم الظاهرة ضمن كلٍّ متكامل. وبالمثل، على الرغم من تأكيده على أن "العلم والفن يصلان إلى البشرية من خلال التجربة"، فقد أكد أرسطو في الوقت نفسه أن "التجربة هي معرفة الأشياء الفردية"، ولهذا السبب، "لن تكون موضوعًا للعلم، لأن كل علم يتعامل مع الكلي"ص36

وما يأتي توضيحاً من وجهة نظر الكاتب في الجزء الأول
عن: مفهوم دولوز للتجربة
قبل الخوض في دراسة دور التجارب الفنية المحددة في تكوين مفاهيم معينة وفي الانتقادات التي يوجهها لمختلف المواقف الفلسفية في أعمال جيل دولوز، ستسلط هذه الأطروحة الضوء أولاً على دلالات استخدام التجربة في الفلسفة من أجل الكشف تدريجياً عن أصالة موقف دولوز مقارنةً بمن سبقوه مباشرةً، ومساهمته في تجديد هذا السؤال.ص35
لفهم ما يقصده دولوز بالتجربة بدقة، لا بد من العودة إلى مصدر إلهامه الأساسي في هذا الموضوع، من بين الفلاسفة الذين، رغم ادعائهم التجريبية، قدّروا التجربة ضمن إطار ممارستهم الفلسفية، ألا وهو هنري برغسون. وبالطبع، كما ذُكر في المقدمة، كان ديفيد هيوم مرجعًا رئيسيًا لدولوز أيضًا. قبل استبعاده من هذا البحث، من المناسب إعادة النظر في تعليق دولوز على هيوم لنرى لماذا يُعدّ الرجوع إلى الفيلسوف الفرنسي أكثر ملاءمة في هذه الحالة.
أولًا، في كتابه "التجريبية والذاتية"، يُصرّ دولوز على أن الأمر، بالنسبة للفيلسوف البريطاني، "يتعلق باستبدال سيكولوجية عواطف العقل بسيكولوجية العقل".ص43
في نهاية المطاف، يكمن ما يثير اهتمام دولوز في تأملات هيوم في مسألة كيفية تشكّل مجموعة الأفكار في الذهن نظامًا، أي ذاتًا. وبما أن هذه الذات تنشأ من التأثير المشترك لمبادئ العاطفة ومبادئ الترابط، يخلص دولوز إلى أن الذات، عند هيوم، على عكس كانط، ليست مُكوِّنة للتجربة.
وبعد هذا التعليق الذي يُعتبر ثوريًا في الساحة الفلسفية الفرنسية في فترة ما بعد الحرب، خُصصت العديد من المنشورات لتفسيره لفكر هيوم. فالذات ليست مُكوِّنة للتجربة، بل على العكس، بما أنها تنشأ في التجربة، فهي في جوهرها ذات عملية، نتاج نشأة، وليست ذاتًا كونية بأي حال من الأحوال “ 103 “ 46. ، وينظر للمزيد بعد ذلك
وفي الهامش المذكور" 103 " يحيل الباحث على جملة من المراجع ذات الصلة بقوله:
إلى جانب المراجع التي سيتم ذكرها لاحقًا، يمكن أيضًا الرجوع إلى كتاب جيفري أ. بيل (هيوم دولوز: الفلسفة والثقافة والتنوير الاسكتلندي)، ومقال روبين فيريل (قراءة منافسة: دولوز عن هيوم)، أو مقدمة قسطنطين باونداس لترجمته لكتاب "التجريبية والذاتية". للاطلاع على ملخص لهذا العمل الأخير، يُرجى مراجعة الفصل الذي خصصته مانولا أنطونيولي له في كتابها "دولوز وتاريخ الفلسفة"؛ أو، في كتاب "الفلسفة كخيال علمي"، الصفحات [رقم الصفحة مفقود]."2"
...
إنها قراءة في مستوى اسمها ، قراءة إضافة نوعية، بغضّ النظر عما إذا كنت مؤيداً أو معارضاً لها، فهي تمارس إنعاشاً للفكر بصدد المختلف، ودولوز نفسه، يشير إلى هذه الفضيلة الفكرية ، فضيلة أن تكون كتابتك جذموراً، ذلك النبت المختلف الذي ينفصل عن شجرته جذراً وجذعاً، وتكون له غابته.

وحين أتوقف عند اسم " جون لوك " 1632-1704 "، وكيف تشكلت صورته في ذهن باحثنا، وفي أكثر من مقال، إضافة إلى كتاب له عنه، فإن ثمة" غريزة معرفية " تحثني على متابعة معززات هذا الاهتمام.
أشير هنا بداية إلى كتابه: عناصر في الذهن البشري عند جون لوك، دار ريم، ألمانيا، طبعة أولى ، ماي 2017." موقع ساحات "
وأنا أشير إلى المكانة المعطاة له من خلال المسطور باسمه" أي الخويلدي":
إلى الراغبين في المعرفة والساعين إلى الفعل وإلى المثابرين حول دقة النظرية ومحك التجربة.
في هذا المقام يصرح المؤلف في خاتمة مصنفه ” لم تعد التجربة بالمعنى الذي أوجده كلود برنار تمثل فعالية اكتساب المعطيات في البحث العلمي بل إن الوثبة الاستكشافية في العلوم المعاصرة قد تمكنت من إخراجها من أسوار المختبرات إلى أعماق الظواهر وأدق الكائنات وللاشتغال على أبعد الظواهر.”
يؤسفني بداية، أن أقول عن أنني لم أقرأ الكتاب بعد، ولا أستطيع إبداء رأي فيه، سوى أن ما قرأته عن لوك من خلاله، أستطيع أن أحدد نوعية قراءة تخصني بهذا الصدد.
أشير إلى مقاله المتعلق ربما يمحتوى كتابه هذا:
عناصر الذهن البشري عند جون لوك، 26 آب 2016 " موقع المثقف "

حيث نقرأ بعضاً مما هو مسطور بهذا الشأن:
لقد أرجع لوك الأفكار في منطلقها إلى الحواس باعتبارها المصدر الأول لتلقي الانطباعات والإدراكات.
كقوله: "في البدء كانت التجربة" وبذلك استنتج أن التفكير لا يتم إلا بعد تفعيل الأحاسيس وإجراء التجارب. غير أن التجربة عند النزعة التجريبية لا تفيد دخول مخابر البحث experiment عند الألمان وإنما المعيش اليومي للكائنات الحسية التي هي نحن..
بيد أن التجريبيين يعطون أهمية كبيرة للكلام بوصفه الشرط المتعين والفعلي لتحصيل المعرفة والفكر. اللافت للنظر أن الطفل قد ظهر في النهاية في على المشهد الفلسفي مع جان لوك ويعود ذلك إلى الأهمية الكبيرة التي يمنحها التجريبيون إلى التربية بالنظر إلى أن العقل لدى الطفل صفحة بيضاء ويعتمد على التجربة في إدراكه للعالم وبما أن كل الأفكار مكتسبة . لهذا الاعتبار يميز لوك بين التعليم l'instruction الذي يتعلق باكتساب المعارف الموضوعية والتربية الحقيقية التي تراهن على تنمية شخصية الطفل.
أضيف هنا ما جاء في مقاله:
البرنامج التربوي في تجربة جون لوك الفلسفية، 22 أيار 2017" موقع أنفاس ":
ما يلفت الانتباه اليوم هو أن قطاع التربية في المجتمعات المعاصرة يتخبط في أزمة جوهرية لا تقتصر على ساحات المدارس وأقسام المعاهد ومخابر الجامعات وقاعات التدريس الأكاديمي ، وإنما تشمل المبيتات والأسر والمؤسسات الثقافية والحواضن الاجتماعية وتؤرق بال الدول والجمعيات الأهلية وتحير العقول الجادة.
لقد أضاف جون لوك في المنتصف الثاني من القرن السابع عشر الى الحداثة الفلسفية مجموعة من الأفكار الجديدة ودعم حركة التنوير بجملة من المقترحات ليس فقط في مجال الفلسفة السياسية وإنما أيضا في مجال البيداغوجيا لما منح أولوية مطلقة لمطلب التربية ضمن نظرية المعرفة والمناهج المؤدية إليها.
لقد ذكر في كتابه "أفكار حول التربية" الذي ظهر سنة 1693 أن الطفل بعد انقضاء مرحلة الاتكال على الأسرة مطالب بأن يتدرب على تشكيل نفسه بنفسه والاتفاق مع قوانين الطبيعة ومبادئ الجسم الاجتماعي.
في الفقرة الأخيرة:إذا كانت النظرية التربوية تعاني الكثير من الاكراهات والمضايقات في النظم السياسية غير الديمقراطية وتحتمي بالبيداغوجيا والأخلاق من أجل ممارسة الوعظ والإرشاد قاصدة تدريب الناس على التسلح بالفضائل فإنها في السياقات الديمقراطية تمارس النقد والتنوير وتعول على العقل والتجربة في إعادة الاعتبار إلى الإنسان والطبيعة ، وتجعل من التعليم الجمهوري شرط إمكان قيام المواطن القادر على حكم نفسه بنفسه وعلى المشاركة في الحياة العامة من منطلق المسؤولية والتفاني في نكران الذات والإيثار والتضحية في سبيل المصلحة المشتركة والتعاون مع غيره في تعزيز سيادة الشعب وتقوية الحكم المدني. لكن هل تمارس التربية على الفرد أم على المجتمع؟ وما المطلوب في اللحظة المعاصرة؟ هل تغيير طرق التربية بالنظر إلى تبدل ملامح الاجتماع البشري أم تغيير بنية المجتمع من خلال تثوير النظم التربوية؟
وما جاء في مقاله:
درجات المعرفة والنزعة الاسمية عند جون لوك، 20 أيار، 2020 " موقع الحوار المتمدن "
عبر استعراض لأفكاره في مقال مطول نسبياً، وركَّز على خاصية التجربة: كونها، من وجهة نظره أساس كل معرفتنا
وفي مقاله:
بحث جون لوك في الذهن البشري،28 آب 2020" موقع الأنطولوجيا "، والصورة المفخمة المقدمة عنه:
يعتبر جون لوك أحد أهم الفلاسفة المحدثين ولقد اشتهر من خلال التجديد الكبير الذي قام به على المستوى السياسي والحقوقي ومناداته بالحكم المدني في مقابل الحكم التيولوجي وتنظيره للتسامح بين الطوائف ودفاعه على الحرية والعقد الاجتماعي
والمؤثر هنا أيضاً، ما يذكّر بريكور وعلاقته بلوك، في مقاله:
النظر الداخلي إلى الذات بين جون لوك وبول ريكور، 1 كانون الأول 2017 " موقع تللسقف "
إذا كانت مسألة الهوية هي ما يسمح بالقول عن شيء معين أنه يظل نفسه فإن هذا المعطى يُقال ويُدرَك ويُتَصور على أنحاء عدة ويتحدد من جملة من الشروط والعوامل والوضعيات.
يعود الفضل إلى جون لوك في إعادة النظر في مفهوم الهوية خارج الدائرة المنطقية وفي قلب الباطنية الإنسانية وفي إثارة المفارقات التي تهز محاولة كل ذات ثبت هويتها بنفسها
لقد أعاد بول ريكور في كل من "عين الذات غيرا" و"الذاكرة ، التاريخ، النسيان" قراءة النص الذي صاغه جون لوك على ضوء الترجمة الجديدة التي أنجزها أتيان باليبار من الأنجليزية إلى الفرنسية معتبرا إياه المحاور الأول الذي يجدر العودة اليه واعتماد التدقيق الذي قام به حول لفظ Mind بالنظر إلى تعامله مع الهوية الشخصية بوصفها هوية زمانية بالمعنى الخاص للكلمة وبحكم ربطه التاريخي بين الهوية الإنسانية والظاهرة الذاكرية دون أن يقوم بتقديم تأويل شامل لفلسفته في أبعادها الابستيمولوجية والأخلاقية والسياسية.
هل حقاً هي القراءة الجديرة بالنظر فيها، في ضوء كم لافت من المقالات عن لوك؟
أشير أولاً إلى أن الخويلدي وضع كتاباً في التربية، يحمل عنواناً لافتاً، وهو:

فلسفة التربية والتعليم والحاجة إلى التنوير، تونس، 2016.
في الفصل الأول،ثمة استهلال يتقدمه قول لبول ريكور، من كتابه: من النص إلى الفعل، أبحاث التأويل( السلم الاجتماعية" السلم الاجتماعي . إبراهيم محمود " لا تتحقق " يتحقق . نفسه " إلا إذا وضع كل واحد بين قوسين الحركات العميقة التي تبرّر القيم المشتركة .."
وما يأتي بلسانه: من العلوم أن العناية بالتربية والتعليم معاً يمثّل رهاناً حقيقياً بالنسبة إلى كل الدول التي تنشد النهوض والتقدم وذلك لما يفضي إليه من حسن التصرف في الموارد البشرية وتهيئة مدنية متبصرة للأجيال المستقبلية...إلخ .ص 13 .
وفي الفصل الرابع المعنون بـ الحاجة إلى تثوير فلسفة التربية والتعليم. ص 29 . وفي الفصل الخامس يتحدث عن : آليات الدفاع عن الهدر الإنساني، مستهلاً إياه بما هو مسطور في كتاب مصطفى حجازي" الإنسان المهدور " ومعتمداً عليه في رصد هذا النوع من الإنسان قبل تلاشيه، كما يظهر، وحجازي هو نفسه من نشر قبل كتابه هذا: التخلف الاجتماعي" سيكولوجية الإنسان المقهور" في ثمانينيات القرن العشرين، وهو يستهدف بذلك : إيقاف هذا النزيف ولملمة الجراح وإنقاذ الرأسمال البشري من الوقوع في هاوية الأمّية الجديدة..ص35 .

نعم، كما قلت، وأقول هنا، وأكرر قولي هذا ربما لاحقاً، مع كل كلمة من النوع المذكور، على أن هناك حرصاً من جهة كاتبنا الفلسفي، مؤتاه هذا الذي يسطّره، ويشدد عليه، إنما، أي نوع يكونه خطابه، وفي أي مسار يكون اتجاهه وتوجهه، في مجتمع بالصيغة التي أفصح عنها، مجتمع" الإنسان المهدور "؟ وفق منظوره، كيف يمكن الحديث عن التنوير، في عتامة واقع مشدود إلى من يهدرون في الإنسان إنسانيته؟

إنه يذكّرنا" يذكّرني " بما أثاره عبدالرحمن منيف في روايته " شرق المتوسط-1975 " رواية الرعب السجنية الشرق – أوسطية والعربية في الصميم، ليجد أن الرعب قد استفحل فينشر: الآن هنا...أو شرق المتوسط مرة أخرى-1991"..أين هو، وكيف هو الآن شرق متوسطه، ليكون محط رجاء وأمل؟
بالنسبة للوك، كيف قرأ تجربته، لتأتي تجربته دون تجربة تُذكر؟ أليس من ثغرة في الجدار الصلد للوك فكراً ومعتقداً، مسلكاً وعلاقات مجتمعية ؟
أحيل القارىء في هذا الجانب إلى كتاب على تماس مباشر بلوك وفكره التربوي وغيره، وهو:
الطبيعة والتعليم وفقًا للوك وكونديلاك - رافاييل بيريس، باريس الأول بانتيون-سوربون — مختبر HiPhiMo، وقد اقتبست منه الفقرات التالية ذات العلاقة بما تقدم:
استند جان إيتار، في كتابيه "مذكرات عن التطور المبكر لفيكتور أفيرون" (1801) و"تقرير عن التطور اللاحق لفيكتور أفيرون" (1806)، إلى جون لوك وإتيان بونو دي كوندياك، ساعيًا إلى رؤية إنسان في الطفل الذي تبناه، كما لو كان في حالة طبيعية، ولكنه قادر على دخول التاريخ من خلال التعليم. وأكد أن تأخر فيكتور، فتى أفيرون الجامح، لم يكن بسبب طبيعة تثقل كاهله كقدر محتوم، بل بسبب نقص في التعليم يمكن تعويضه جزئيًا. ومع ذلك، ورغم كل جهوده، أثبت عقل فيكتور مقاومةً: بدا الطبيب وكأنه يأسف لأنه لم يكن صفحة بيضاء تُنقش عليها حروف أنيقة بقلم. تُثير هذه الحالة إشكاليةً لفلسفات التجربة التي تستند إليها: إذا كانت أفكارنا نابعة من التجربة، فما طبيعة العقل الذي يستقبلها؟ في الواقع، يبدو أن رفض فرضية الأفكار الفطرية ينطوي على ثمن نظري يتمثل في الوصول إلى تصور مجرد للغاية لطبيعة العقل: طبيعة فارغة وغير محددة. وإذا ما فُسِّر رفض الأفكار الفطرية على أنه رفض لفرضية أن الطبيعة قد نقشت على روحنا كما تُنقش على كتاب، فإن ذلك يُتيح للعقل أن يتأثر بالتجربة تأثراً طبيعياً.
على المستوى الأول، ينطوي هذا على توتر جوهري في مكانة مفهوم الطبيعة ضمن فلسفات التجربة: توتر بين التركيز على دور الاكتساب من خلال التجربة وحقيقة أن للعقل طبيعة معينة.
تكمن صعوبة تطوير مفهوم موحد للطبيعة في عدد من أوجه الغموض. فماذا تعني طبيعة العقل هنا؟ إن مفهوم الطبيعة المطبق على العقل يعيد إنتاج ازدواجية بين بُعد يشير إلى النظام الطبيعي، الذي تحكمه القوانين، مقابل الفعل الحر (وبالتالي فإنه سيشير إلى بُعد سلبية العقل، أو حتى آليات العقل) وتحديد ماهية الشيء في حد ذاته (ولكن بعد ذلك ينبغي أن تكون طبيعة العقل هي جوهره، وهو سؤال وجودي يميل لوك إلى التهرب منه - فمعرفتنا بالجوهر، بما في ذلك جوهر العقل، محدودة).

ومن جهة التربية الطبيعية
1. الطبيعة كنقطة انطلاق
إنّ النظر في مسألة التربية يُزعزع بشكلٍ كبير الإطار التجريبي العام الذي تُفهم من خلاله مواقف لوك وكوندياك عادةً. في الواقع، يتعارض رفض الأفكار الفطرية مع اعتبار الأساس الطبيعي في التربية. ولذلك، كتب لوك في كتابه "بعض الأفكار حول التربية": "على من يتولى رعاية الأطفال أن يدرس طبيعتهم وميولهم بعناية، وأن يُدرك، من خلال التجربة المتكررة، ميولهم العقلية الطبيعية وما يناسبهم، وأن يُلاحظ في النهاية ما لديهم من قدرات طبيعية، وكيف يُمكن تنميتها، وما هم قادرون على فعله".ص105
وما يخص مفهوم اللعب ومغزاه التربوي: إن اللعب يُعدّ وسيلةً لحثّ الطفل على بذل المزيد من الجهد. مع ذلك، وعلى مستوى آخر، فإن هذا النوع من التعليم الليبرالي، الذي لا يُثقل كاهل الطفل بالقواعد، له جانب سلبي من حيث الحرية: فنادراً ما يشرح المُعلّم قواعد اللعبة للطفل. وهذا يعني أن المُعلّم يُوجّه ميول الطفل الطبيعية نحو المسار الذي اختاره بنفسه. وهنا ثمنٌ واضح، يظهر جلياً في أعماله. فعلى سبيل المثال، يُمكننا أن نذكر تعلّم القراءة، الذي يُوصي لوك بتعليمه بهذه الطريقة المرحة: "للحفاظ على شغفهم باللعب، دعهم يعتقدون أنها لعبةٌ لمن هم أكبر منهم سناً". تحت ستار هذا النهج الطبيعي، ولأنه لا يواجه أي مقاومة، يسمح التعليم من أجل الحرية لنفسه باستخدام أساليب التلاعب. قد يبدو الأمر غير ضار أو شائعًا، لكنه في جوهره يثير مشكلة أخلاقية: إذا ما تم اللجوء إلى طبيعة الطفل بدلًا من عقله، فإن التعليم يميل إلى التدريب حيث يكون جوهره غرس العادات من خلال التكرار. ليس الطفل هو من يبني استقلاليته تدريجيًا، بل المربي هو من يعرف ما هو خير له، ويخفي قبضته الحديدية وراء قفاز مخملي ليُضفي انطباعًا بالطبيعية.ص107
الطبيعة كغاية Le naturel comme fin
تنشأ هذه المشكلة في صميم غاية التعليم وعلاقته بالطبيعة، وتتجلى في جانبين: تناقض منطقي يجب معالجته فورًا، وتوتر عملي يجب مواجهته لاحقًا. وقد سبق أن أوضحنا المسألة النظرية المتعلقة بوضع العادة: إذ يدعو لوك إلى أن يُنمّي التعليم الطبيعة. وقد استطعنا فهم كيف يمكن للتعليم أن يتخذ الطبيعة نقطة انطلاق، أو حتى وسيلة، لكن يبدو من المفارقات أن يكون هدفه غاية في حد ذاته. فإذا كان هناك تعارض بين الطبيعة والثقافة، فكيف يُمكن تنمية الطبيعة؟ علينا أولًا أن نُشير إلى غموض هذه الطبيعة المكتسبة، التي هي ثمرة التعليم الجيد، في مقابل مجرد التأثير. ونحن نُدرك هذا جيدًا: فموضوع اكتساب الطبيعة ثابت في تحليل العادة. فمن جهة، يصبح الفعل طبيعيًا للطفل من خلال العادة؛ ومن جهة أخرى، أشار لوك إلى أنه لا يُمكننا أن نجرؤ على تغيير طبيعة الأطفال دون تعريض أنفسنا لضرر كبير. وبهذا المعنى، لا يُقلب التعليم الطبيعة رأسًا على عقب، بل يسمح لها بالتطور. لذا، يكمن التحدي في "الاستفادة القصوى من هبات الطبيعة" من خلال دمج عادات تنمي وتعزز سمات معينة.15 وبهذه الوسيلة، يحقق المرء طبيعة معتدلة ومنضبطة.ص108

وما ورد في الختام
وضعنا نقاشنا ضمن السياق الأوسع لمشكلة طبيعة العقل، من منظور فلسفة التجربة، واتخذنا من مسألة التكوين الفعال للعقل نقطة تطبيق. عند قراءة لوك، واجهنا ثلاثة مستويات من المشكلات الخاصة بفلسفة التجربة التي تتناول مكانة الطبيعة في الممارسات التعليمية: منهجية تربوية تتخذ الطبيعة منطلقًا ووسيلة وغاية. أولًا، لأن كتاب "بعض الأفكار حول التعليم" يدفع لوك إلى إعادة النظر في الافتراض المجرد للعقل كصفحة بيضاء، وذلك من خلال طرح فكرة الأساس الطبيعي الذي يجب التعامل معه من أجل التعليم. في نهاية المطاف، ما يُعيق منهجية الدكتور إيتارد القائمة على التجربة هو في الواقع نوع معين من الطبيعة. ثانيًا، لأن هذا يقوده إلى تحديد مأزق مزدوج: فالتعليم القائم على هذا الأساس الطبيعي يُخاطر بتعزيز ميول الطفل السيئة، بينما التعليم الذي يكبحها يميل إلى خنق حيويتها. وأخيراً، يسعى لوك في قوة العادة إلى إيجاد الوسائل للتغلب على هذه المعضلة، والحفاظ على دافع الاستعدادات الطبيعية مع توجيهها بشكل عقلاني؛ لكن هذا اللجوء إلى العادة يخضع لشك مزدوج، يتعلق بتفكك مفهوم الطبيعي نفسه والابتعاد عن أفق الحرية الذي تعد به هذه التربية.ص117 " 3 "
من جهتي، أنا أقابل قولاً بقول، وكأن ليس لدي قول يعنيني جرّاء قراءتي هذه، إنما أكتفي بهذه العبارة، وهي أن الخويلدي، للأسف الشديد، يفتقر هنا وفي أمثلة أخرى، إلى خاصية القراءة التي تكسبه صفته كاتباً فلسفياً، وهو يعدِم مفهوم الاختلاف هنا وهناك، باستهواء يخرجه عن ذاته ويضيق عليها بالتالي، كما الحال مع لوك، في كيفية ربط فكره بصراعات مجتمعه، ومجتمعه، بالمفهوم السياسي بالآخر البعيد، أي المجتمعات النائية جداً، والتي جرى ويجري تقزيمها من منظور التمايز العرقي أو اللوني ..أليس لكل ما تقدم حسابه المدفوع الثمن، في مآل القراءة بالنسبة له وصلته بقارئه، بطالبه ، قبل كل شيء...؟؟
وإذا كان لي أن أعطي الموضوع بعضاً من أوجه تكامله، حسب تقديري، فإنني أجد في علي شريعتي " 1933-1977 " مثالاً حياً، لا بل ومؤثراً في هذا المقام، لاختلافه عن الآخرين: بيئة وثقافة. وكون الخويلدي كال له المديح بشكل لافت، مديح، لعله يتناسب وتجاوبه النفسي مع أفكاره بمحتواها الديني.
ثمة العديد من المقالات تدور حوله:
تجربة علي شريعتي التغييرية بين التنوير الديني وسوسيولوجيا التحرر، 27 حزيران 2025 " موقع الأنطولوجيا "

حيث نقرأ: يُعتبر علي شريعتي ( 23 نوفمبر 1933 – 18 يونيو 1977) مفكرًا بارزًا في الثورة الإسلامية، وهو شخصية فكرية مهمة وعلامة فارقة في الإسلام الثوري المعاصر. وُلد في مازينان، قرب مدينة مشهد في إيران، وتميزت أعماله برغبة في إثبات أن الإسلام والحداثة جزء من نفس الحركة الثورية للتقدم والحرية. إلا أن ما يتحداه هو الهيمنة الاستعمارية والإمبريالية التي تُبقي الدول الإسلامية في وضع الأقلية. دفع هذا الخريج من جامعة السوربون، وهو تلميذ لويس ماسينيون وصديق لسارتر وفرانز فانون، ثمن التزامه بحياته. سُجن لعدة أشهر على يد السافاك، ثم اغتيل في النهاية في لندن. كان علي شريعتي ثوريًا وعالم اجتماع ومفكرًا إيرانيًا من القرن العشرين، وكان له تأثير كبير على الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩.
التجربة السوسيولوجية
التجربة ليست مجرد ظاهرة فردية، بالنسبة لشريعتي؛ إنها أيضًا ظاهرة ثقافية واجتماعية يمكن للشعب من خلالها أن يجد تحرره الخاص. إنه لا ينكر إمكانية التفاهم والتعاطف بين الثقافات، بل يُعيد إحياء الموارد الثقافية الإيرانية كحلول أصيلة للقمع. يعتقد أن الشعب الإيراني قادر على تحرير نفسه، مستخدمًا ثروته التجريبية، ولا يحتاج إلى إنقاذ من مصدر آخر.
أعاد شريعتي تفسير الإسلام الشيعي، مؤكدًا على إمكاناته الثورية ودوره في العدالة الاجتماعية والتحرر. واعتبره أداةً لتحدي الظلم والإمبريالية. الإسلام، دين سماوي، أرسل الله رسوله لهداية البشر إلى الصراط المستقيم، ينص على: "لا إكراه في الدين". لذا، فإن جهدنا كله منصب على توعية الناس بالفرق بين طريق الباطل وطريق الحق، ليختاروا بحرية.
انتقد شريعتي التبني غير النقدي للقيم والأفكار الغربية، مجادلًا بأنه أدى إلى فقدان الهوية الثقافية وشكل من أشكال الاستعمار الفكري. ودعا إلى العودة إلى الجذور الإسلامية مع الانخراط في الحداثة بطريقة نقدية وانتقائية.

وفي مقاله:
تجربة عالم الاجتماع علي شريعتي التغييرية مقاربة مابعد كولونيالية، 29 حزيران 2025 " موقع الأنطولوجيا "
الذي يقول فيه : يستهل المقال بقول لشريعتي"يريد الغرب منا أن نصبح قشورًا فارغة، نفرغ أنفسنا من جوهرنا، يجب أن تغرق روحنا في العجز، وتصاب بالشلل، وتُفرغ من الداخل، تمامًا مثل سلة القمامة التي يملؤونها ويفرغونها بالنفايات كما يحلو لهم."
تأصلت أعمال شريعتي بعمق في الفكر المناهض للاستعمار والإمبريالية، منتقدًا الهيمنة الغربية وتأثيرها على المجتمعات الإسلامية. دافع عن حق تقرير المصير وإحياء الثقافة والقيم الإسلامية. نحن في الشرق نتحدث كثيرًا عن الاستعمار الغربي، لكن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح، فالاستعمار الغربي لا يعني أن الغرب استعمر الشرق واستغله، بل يعني أن طبقة اجتماعية عالمية استغلت الشرق والغرب معًا. لو كان لديّ وقت كافٍ، لبيّنتُ كيف غيّرت هذه الطبقة الحاكمة الشعوب الأوروبية واستعبدتها أكثر مما استعبدت الشعوب الشرقية.
وعن مسؤولية المثقف ودوره الطليعي:
(المثقفون الذين يعتقدون أن التغيير الاجتماعي يعتمد على الاقتصاد والبنية المادية والاجتماعية يفضلون هذا المنطق على غيره بينما أكد شريعتي على دور المثقف كمرشد وعامل للتغيير الاجتماعي. ورأى أن على المثقفين مسؤولية التواصل مع الجماهير، وخاصة الشباب، وإلهامهم للنضال من أجل مستقبل أفضل. "اذا لم تكن حاضرا في الموقف و شاهدا على عصرك فكن حيث ما شئت -واقفا للصلاة او جالسا للخمرة -فكلاهما واحد".
اعتبر شريعتي الآن واحدًا من بين العديد من المفكرين الإسلاميين الذين يُشار إليهم باسم "علماء اللاهوت التحريريين الإسلاميين"، في مقارنة مع الكهنة الكاثوليك في أمريكا الوسطى والجنوبية، أو علماء اللاهوت التحريريين، الذين تحدت حركتهم الشعبية رؤسائهم في روما والحكومات التي اضطهدت مجتمعاتهم.
كان علي شريعتي المنظّر الأيديولوجي الأعظم للثورة الإيرانية. وبصفته مفكرًا من عصر التنوير، سعى إلى تحرير إيران من المأزق الخبيث المتمثل في مستقبل بلا جذور أو أصالة متخلفة. في نظره، لا يمكن للثورة الإسلامية أن تمضي قدمًا دون تحقيق الإسلام نفسه.
في الختام : علي شريعتي هو بلا شك أحد ألمع المثقفين في سبعينيات القرن الماضي. يُعتبر هذا العالم الاجتماعي والفيلسوف الإيراني، أحد أبرز منظري الثورة الإسلامية الإيرانية، شخصيةً فكريةً بارزةً في الإسلام الإصلاحي المعاصر. يتميز فكره برفض الهيمنة الاستعمارية والإمبريالية التي تُبقي الدول الإسلامية في وضعٍ تابع.
ومقاله:
نباهة المفكر الرسالي علي شريعتي والثورة الثقافية، 28 آذار، 2026 " صحيفة المثقف "
ومما ورد فيه: في سياق الدراسات الحضارية ما بعد الكولونيالية، يبرز علي شريعتي 1933-1977 كمفكر رسالي نابغة، يجسد في فكره ومنهجه نموذجاً للثورة الثقافية التي تتحدى الاستعمار والاستحمار والاستبداد كأشكال مترابطة من الهيمنة الإمبريالية والداخلية.
يبدأ فهم نباهة شريعتي من موقعه كمفكر رسالي، أي صاحب رسالة تتجاوز الفكر النظري إلى الفعل الثوري.
أما الاستحمار، فهو أحد أبرز ابتكارات شريعتي الفكرية، ويعكس نباهته في كشف الآليات الخفية للهيمنة. يعرف شريعتي الاستحمار كعملية تجهيل مقصودة تجعل الشعوب المستعمرة تفقد قدرتها على التفكير النقدي، محولة إياها إلى كائنات سلبية تتقبل الظلم كقدر محتوم.
فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي تمثل إحدى أبرز الابتكارات الفكرية في سياق رؤيته للإسلام كأيديولوجيا تحررية وثورية، حيث يعيد تفسير مفهوم الإمامة الشيعي التقليدي ليصبح أداة سياسية واجتماعية لمواجهة الاستبداد والاستعمار والاغتراب الحديث.
من الناحية الفلسفية، تكمن نباهة شريعتي في ربط الإمامة الثورية بمفهوم الانتظار الشيعي، الذي يحوله من حالة سلبية (انتظار المهدي كغيبة) إلى حالة نشطة ثورية. الانتظار عنده ليس جلوساً سلبياً، بل جهاد مستمر لإعداد الأرضية لظهور الإمام المنتظر، من خلال بناء مجتمع توحيدي خالٍ من الطبقية والظلم.
في سياق الفكر الإسلامي الثوري، يمثل مفهوم التوحيد الاجتماعي عند علي شريعتي قمة النباهة الفلسفية والاجتماعية، حيث يتجاوز التوحيد كونه عقيدة دينية مجردة ليصبح أساساً لنظام حضاري يحرر الإنسان من كل أشكال الشرك الاجتماعي والسياسي.
في الختام: ربما، نباهة علي شريعتي كمفكر رسالي تكمن في تحول الثورة الثقافية إلى سلاح حضاري ضد الاستعمار والاستحمار والاستبداد، من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية ترى في الإسلام مصدراً للتحرر العالمي.
ومقاله الآخر:
المقاربة السوسيولوجية عند د علي شريعتي بين التنوير الديني والثورة الثقافية ، منشور حديثاً في " موقع الأنطولوجيا "
وما أفصح عنه كاتبنا عنه: يُمثل د. علي شريعتي (1933-1977) واحداً من أهم المفكرين الإيرانيين والإسلاميين في القرن العشرين، الذين جمعوا بين التحليل السوسيولوجي العميق والالتزام الثوري. يقوم مشروعه على مقاربة سوسيولوجية للدين تجعل الإسلام أداة للتحرر الاجتماعي والثقافي، لا مجرد عقيدة فردية أو طقوس تقليدية. يستلهم شريعتي من علم الاجتماع الغربي (ماركس، دوركهايم، ويبر) لكنه يعيد صياغته داخل رؤية إسلامية شيعية ثورية، رافضاً الاستعمار الثقافي الغربي والركود الداخلي.
يُعتبر التنوير الديني عند شريعتي الخطوة الأولى نحو الثورة. يدعو إلى "تنوير إسلامي" يعيد قراءة النصوص والتاريخ بعيون عصرية.
تكمن عبقرية شريعتي في جعل التنوير الديني شرطاً للثورة الثقافية، والثورة شرطاً لعمق التنوير. هذا الجدل يتجاوز الثنائيات التقليدية (دين/دنيا، تقليد/حداثة). التنوير بدون ثورة يصبح نخبوياً مجرداً، والثورة بدون تنوير تتحول إلى عنف أعمى. المقاربة السوسيولوجية تكشف الروابط بين البنية الاقتصادية والوعي الثقافي والمعتقد الديني، فتصنع "إنساناً إسلامياً ثورياً" يجمع بين الروحانية والالتزام الاجتماعي.
في الختام : تمثل المقاربة السوسيولوجية عند علي شريعتي نموذجاً حياً لكيفية تحول الدين من قوة محافظة إلى محرك تقدمي. ليطرح الباحث سؤاله في النهاية: فماهو مستقبل التنوير الثوري السائر على خط الدكتور علي شريعتي؟
إلى جانب التذكير باسمه في أكثر من مقال، وتبيان مكانته الاستثنائية، كما في مقال:
لاهوت التحرير العربي الإسلامي، 25 شباط 2026 " موقع الحوار المتمدن "
كما جاء في المقدمة: يشكل "لاهوت التحرير العربي الإسلامي" " تياراً فكرياً يجمع بين التراث الإسلامي والنضال الاجتماعي ضد الظلم والاستعمار، مستلهماً من لاهوت التحرير المسيحي اللاتيني الأمريكي، لكنه يتكيف مع السياق الإسلامي العربي. يركز هذا اللاهوت على تفسير النصوص الإسلامية (القرآن والسنة) كأداة للتحرير الاجتماعي والسياسي، مع التركيز على العدالة الاجتماعية، مقاومة الاستبداد، والتحرر من الهيمنة الاستعمارية والرأسمالية.
وعلي شريعتي، الذي ربط بين الإسلام والماركسية للتحرير من الاستبداد..

وفي مقال:
ماذا يجب علينا أن نفعل؟ 27-4/ 2026 " موقع سرجاو "
في سياق إيران ما قبل الثورة الإسلامية (1979)، طرح علي شريعتي السؤال «ماذا يجب علينا أن نفعل؟» كدعوة لـ«العودة إلى الذات». الذات هنا ليست فردية بل حضارية: الذات الإسلامية المُضطهدة تحت وطأة الاستعمار الثقافي والاستبداد الديني
وأخيراً وليس آخراً:
أية علاقة بين الاسلام والأفكار التقدمية؟4-12/ 2008 " موقع زمان الوصل "
وتأثر شريعتي بعلم الاجتماع الماركسي وبفلاسفة ومنظرين ثوريين مثل روجيه غارودي قبل اعتناقه الإسلام بسنوات, وكذلك تأثر بجان بول سارتر وتشي جيفارا.
...إلخ
طبعاً، كما تعلِمنا مقالاته عنه، ثمة تذكير بأسماء ممن تأثر بها شريعتي دون أخرى، في كل مقال، ودلالة هذا الإجراء في الكتابة، وكيفية تقدير الكاتب لموضوعه، ولما يفكّر فيه هو نفسه .
عبر شريعتي، باسم شريعتي، انطلاقاً من شريعتي، ما أفصح عنه الخويلدي، ربما قل نظيره في سواه. هل هناك نوع مكبوت، يكون شريعتي محرره منه، بالطريقة الحماسية التي يتحدث فيها عن شريعتي؟
من موقعه الإسلامي، تتم قابلية الاستجابة لصوت الآخر المختلف عن الآخر الذي يعترف بتأثيره عليه، أي ريكور، والذين قرأهم بلغاتهم: الفرنسية والانكليزية، سوى أن هذا الآخر، مقيم في بيته" الديني" .
أتساءل عما إذا كانت الفلسفة تعرّف بنفسها هكذا بلسان كاتبنا الفلسفي في وضع من هذا القبيل؟
ثمة آخرون، ينتمون إليه ديناً" الإسلام " ولكنهم يختلفون عنه قليلاً أو كثيراً، لهم مواقف متباينة.
أشير إلى مقال:
مهدي فخرزاده: ما سرّ جاذبية علي شريعتي في العالم العربي؟... من فكرة التغيير إلى التصوّف المحرِّر، 6 آذار 2021 " موقع رصيف "

حيث يقول فيه: جرأة شريعتي في انتقاد الدين والاشتراكية والسياسات الاستعمارية في آن واحد هي سبب شعبيته بين شعوب المنطقة، وبهذا النهج النقدي/الانتقادي، كان بديلاً جيداً للاشتراكية في البلدان الإسلامية، كما أنه بات بديلاً جيداً للثورة والنضال ضدّ الاستعمار، وبديلاً هامّاً للإسلاموية المعتادة.
ربما أثّر وانتُقد شريعتي أكثر من أي مثقف إيراني آخر في العالم الإسلامي، وتأثّر به الكثير من المفكرين في العالم العربي. ويعتبر راشد الغنوشي في مقدمة كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" نفسه متأثراً بشريعتي، وسرّ هذا التأثير هو تعريف شريعتي المحلي والمتقدم للدين والاشتراكية، وينبغي اليوم إعادة قراءة أفكار شريعتي بشكل نقدي، لأن نهجه القومي والعادل والليبرالي والصوفي قد يكون قبساً يضيء الطريق للشعوب والمثقفين في البلدان الإسلامية.
إلى مقال :
سلمان عبدالأعلى: كيف نقرأ فكر علي شريعتي؟ 23-4/ 2013 " موقع المطيرفي "
وقد ورد فيه بعد التذكير بمكانته:
مهما يكن، فإن أفكار شريعتي لا تزال يُثار حولها الكثير من الجدل، فالآراء حوله على طرفي نقيض، ففي حين يعتبره البعض مجدداً ومصلحاً ويتأثر بفكره وينصح بقراءته لتكوين الوعي اللازم للنهوض بواقع الأمة، وما بين من يعتبره منحرفاً وضالاً ويحذر من قراءة كتبه؛ باعتبارها كتب ضلال وانحراف لا يجوز قراءتها أو بيعها أو الترويج لها !!
وإلى المقال الأكثر خلافاً مع من ذكرت، وهو:
كمال سلمان العنزي: علي شريعتي في قراءة نقدية
حيث نقرأ فيه بعضاً مما يصب في هذه الخانة الانتقادية :
يقبل الكثير من محبي الكتابة الانتقائية من إيرانيين وعرب على كتابات علي شريعتي باعتباره مفكرا إسلاميا يميل للاشتراكية. التحليل الموضوعي لكتاباته يروي قصة أخرى-23 كانون الأول 2024 " موقع ميدل إيست "
لقد أثار بديهتي الجمع بين الرؤى المتخالفة وإقبال قراء المقالات والمقولات الانتقائية في معظم بلدان تعتنق الإسلام على الكاتب القومي الشيعوي ـ الأصولي علي شريعتي (1933 – 1977) الذي أعرفه لما يزيد على ثلاثة عقود بأهم مؤلفاته بلغة الأصلية والتي لا يزال بعضها يأسر شرائح من القراء العرب. وهذا الكاتب ذو الانصباغة الاشتراكية والانطباعة الانتقائية المنتزعة من مجموعة مواقف وآراء لا يمكن الجمع بينها بنمط تناسقي جامع الأطراف من منظور أكاديمي تخصصي، أعني من حيث المنهجية الصورية (منهجية العلوم الصورية = الشكلية) كونها مانعة الجمع في المسلمات والمبادئ.
إن الاهتمام المبالغ فيه لشريعتي تجاه ما نسميه حاليا بالإسلام الأصولي وأموره الذهنية والمفاهيمية كالأساطير والرموز والشخصيات والحوادث بخاصة قسم التاريخ والمواجهات الشيعوية التي وردت فيه كانت موضع استدلالاته المكثفة وهو بذلك يعمل بما أسميه بالأرخانية للذهن الإيراني، أي يريد من أحوال وأحداث وشخصيات التاريخ أن تبقى متصرمة عن الدلالة الزمكانية والظرفانية. وهذا ما يدأب عليه الكتّاب الأصوليون الإيرانيون والعرب في محاولة لتغييب العقلانية والهيرمنوطيقا الفلسفية في فهم الإسلام ومتعلقاته.
ومن هنا لا أرحب بفكر شريعتي وفهمَهُ من الإسلام واختلف معه في الجمع بين الفقه والاشتراكية، والتنوير ومعاداة العلمانية..
أشير في هذا السياق إلى اسم تكرر في صلب الموضوع المتعلق بشريعتي، وهو فرانز فانون" 1925-1961 "، والعلاقة بين الاثنين: فانون شريعتي ، كما هو وارد في مقال عنهما، ومترجمه د. زهير الخويلدي نفسه:
خلال إقامته في باريس (من 1959 إلى 1964) ، تعرّف علي شريعتي (1933-1977) ، وهو طالب إيراني شاب في الأدب وعلم الاجتماع ، على عمل وشخص فرانتز فانون من خلال دورات جاك بيرك. انتخب بيركي الذي عاد من المغرب في المعهد الفرنسي عام 1956 ثم درس التاريخ الاجتماعي للإسلام المعاصر. ناشط في حركة تأميم النفط في إيران برعاية الدكتور مصدق (زعيم حركة تأميم النفط الإيراني) ، شريعتي مفتون بفانون “هذا الشخص الشجاع في هذه الأوقات اللاإنسانية” الذي تقدم بطلب للحصول على الجنسية الجزائرية بينما لم يتم الاعتراف بالجزائر كدولة مستقلة.
فانون ، الرجل الذي يشكك في نفسه ، من خلال مناشدته للآخرين والعالمية والإنسانية الجديدة ، لم يستطع أن يخدم أي خطاب هوية. وشريعتي ، من خلال نقده الراديكالي للتقاليد والدين الراسخ والثابت ، قد حمى نفسه من أي محاولة للتعافي. هو الذي كتب في ذروة شهرته: “تم تحديد قالب الناس وتحديده ، وبعيدًا عن هذه القوالب ، بقيت وحدي. ماذا يجب أن أفعل ؟ ” ومع ذلك ، فمن الصحيح أن أي مشروع إصلاح ديني محروم من قاعدة اجتماعية يظل هشًا وقابلًا للتعافي."4 "
هذه العلاقة الجاري توصيفها من خلال الدين، ربما انتعشت بها روح كاتبنا، ليس لورود اسم فانون تحديداً، وإنما لربط اسمه باسم شريعتي، العلاقة التي تعزز مكانة شريعتي في النسق الفكري والفلسفي لكاتبنا، إن جاز التعبير، النسق الظامىء إلى شبيهه أو ما يجري في مجراه، ومن خلال إحالات مرجعية أخرى عنه.
تُرى، هل يمكن وضع شريعتي في الكفة الاعتبارية: تفكيراً، وسلوكاً حياتياً لفانون؟
هل يمكن الربط بينهما، وكأنهما وجِدا في خندق فكري ونضالي واحد؟
ثمة بون شاسع جداً. بين من ينتمي إلى عالم آخر، بعيد جغرافياً عن عالم الكاتب وشريعتيـ":ـه"، وبعيد في المنظومة الفكرية وأصالتها بالذات، وعلى صعيد اللون والاعتقاد.. فانون يتطابق فيه الاسم مع مسماه، وقد تجاوز لونه ومعتقده وجنسيته التي اكتسبها: الفرنسية، لينخرط في الثورة الجزائرية، ويدافع عن الإنسان في مواجهة الاستبداد أنّى كان وكيفما كان، داخل البلاد وخارجها، كما في كتابه الأكثر شهرة " معذّبو الأرض"، فانون المدافع عن الجزائري ليس لأنه وجد فيه ضالته في مقارعة المستبدين به، وإنما لأن عاش فيه أصناف عذابات ومعاناة، رغم معرفته العميقة بما كان عليه أجداده" السود " في وضعية الدونية عبيداً، وفي أسواق نخاسة لدولة كاتبنا " العربية- الإسلامية "، هل هذا إقحام لتاريخ مختزل جرى طي صفحته، أم هناك من حفر فيه مطولاً، وحديثاً، في ضوء النظريات الحديثة عما بعد الكولونيانية، وتاريخ السود في تواريخ الآخرين؟
فانون أكثر استحقاقاُ بحمل لقب " الإنساني" من شريعتي، لحظة المقارنة بينهما، من هذه الزاوية.
وبالنسبة إلى شريعتي، أليس لأنه شدد على أن الدين هو الرهان في تغيير المجتمعات، وتحقيق النصاب المنشود إنسانياً، والاستمرار في مقاومة الاستعمار بأشكاله المختلفة، دون النظر في مفارقات الواقع؟ ماذا تحقق حتى الآن في ضوء هذا المنظور/ الرهان؟
تُرى، هل سعى شريعتي إلى مكاشفة الصراعات القائمة داخل إيران الدولة ذات الشعوب المتعددة، والتي تُعرف بسياديتها وخاصيتها القومية في المتن: الفارسية؟ هذا ما يمكن النظر فيه في الجوار، كما سنرى.
أن تكون علمانية فانون التي تراهن على مساواة الجميع، والمحك هو الإنسانية المقدَّمة، مقابل دينية شريعتي، وتجاهل القومي صراحة والحرص عليه لصالح قومية" الفارسية" ضد أخرى، وملاحقة كل من يقول خلاف ذلك، العلمانية هي المزكاة في هذا المضمار.

كنت أقرأ كتاباته عن شريعتي، وكنت في خشية مما يمكن توقعه، وهو أن ينظر الباحث إلى شريعتي، مثنياً عليه بصفته مفكراً وثائراً على طريقته" اللاغربية "، وفي علاقته بالثورة الإسلامية، كمرجع لها، كأنه جان جاك روسو بالنسبة للثورة الفرنسية، وربما كان هناك ما يشير إلى ذلك، دون أن أنتبه إلى علاقة مسطَّرة كهذه؟
في متابعة كشفية للنصوص المقروءة، ماذا تقول لنا تجربة الخويلدي الذي يراهن كثيراً على ريكور، ويعزز فيه إنسانية تتجاوز المذهبية والقومية الضيقة؟ لعلها صادمة في ضوء ما جرى النظر فيه .
حين أقرأ مقالاً له ذا صلة بموضوعنا وهو:
الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية، مقاربة أنطولوجية، 4 آذار 2026 " موقع التآخي " " 5 "
الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية يمثل لحظة جوهرية في الوعي الإنساني، حيث يتوقف الفرد على حافة الانتقال بين ما هو مألوف وما هو غير معلوم، بين الداخل والخارج، بين الوجود الحالي والإمكانية المستقبلية. هذه التجربة ليست مجرد موقف جسدي أو مكاني، بل هي حالة أنطولوجية تكشف عن طبيعة الكينونة الإنسانية في عمقها، حيث يصبح الوقوف عند العتبة استعارة للتوتر الداخلي الذي يعيشه الإنسان في مواجهة الزمن، الهوية، والآخر.
....

أصل بين ما أقوله هنا، وما قلته حول ذلك في أمكنة سالفة، وهو: ليتني قرأت ما قرأت باسم آخر، اسم ينتمي إلى الغرب، لأنني أدرك مسبقاً من خلال متابعتي أن ذلك مألوف، أما في مجتمعاتنا، مجتمعات " الإنسان المهدور" فكيف يجاز الحديث عن هذا الإنسان ، وفي الوقت نفسه، يتردد صدى الأنطولوجيا بعيداً؟!
وإذا كان هناك من ملاحظة أو إشارة أخيرة في مختتم هذا المبحث، فهي أنني قد أواجه بملاحظة في محلها من قبل كاتبنا الفلسفي، بأنني مهتم كثيراً بثقافة الآخر تأليفاً وترجمة " عن الفرنسية "، وما كتبته ينسف كل قيمة لما أقوم به هناك.. هذا صحيح.. غير أنني أشدد على نقطة ذات علاقة بطبيعة قراءاتي وكتاباتي، وهي خارج كل ما هو مؤسساتي، حتى وأنا أقيم، بصفة ما داخل مؤسسة تعليمية وبحثية، فكل ما كنت أقوم به وما أقوم به الآن من نشاط تعليمي أو بحثي تأليفاً وترجمة، لا يمت بصلة إلى عملي بصفة مباشرة، وإنما من موقع الاهتمام والشعور بوجود متنفس لي، في وضعية اغتراب قاسية، متنفس يصلني بقلة قليلة جداً ممن يعيشون الحالة عينها في جهات مختلفة، ولأنني شبه مقتنع في ضوء متابعاتي المتواضعة، أن هذه المجتمعات التي " سطَّلتنا " بتواريخها عبر منابرها الإعلامية ودعاتها ومتفقهيها، وكتبتها ، لا يمكنها أن تكتسب صفة" التاريخية " الحقة، وتنال شهادة" تبريز " فلسفية، ولو لألف عام قادمة ، حيث يظهر فيها أشخاص مثل بول ريكور، الذي يمضي إليه كاتبنا، ولا يفارقه، وليس العكس، على الأقل، لأنني أدلي بصوتي من واقع تجربة مريرة خارج " القطيع " الذي يعلم كاتبنا بأمره جيداً، القطيع الذي يعنيني وليس أياً آخر بالتأكيد!


مصادر وإشارات
-1Entretien avec le philosophe et académicienCarcassonnais Ferdinand Alquié (1906-1985)
مقابلة مع فرديناند ألكييه (1906-1985)، الفيلسوف والأكاديمي من كاركاسون
-2Charles Bolduc: Le rôle de l’expérience dans la pratique philosophique de Gilles Deleuze- Thèse de doctoratenphilosophie- Université Laval et Université de Sherbrooke
شارل بولدوك: دور التجربة في الممارسة الفلسفية لجيل دولوز - أطروحة دكتوراه في الفلسفة - جامعة لافال وجامعة شيربروك
شارل بولدوك ، دكتوراه في الفلسفة، أستاذ الفلسفة في كلية شيكوتيمي (2013)
-3Nature et éducationselon Locke et Condillac -Raphaël Pierrès, Paris I Panthéon-Sorbonne — LaboratoireHiPhiMo
الطبيعة والتعليم وفقًا للوك وكونديلاك - رافاييل بيريس، باريس الأول بانتيون-سوربون — مختبر HiPhiMo
4-فانون وشريعتي ومسألة الدين " ترجمة " المجلة الثقافية الجزائرية "
المصدر كما ورد بالفرنسية في ذيل المقال:
Sara Shariati, Fanon, Shariati et la question de la religion :cinquanteans après, Dans Politique africaine 2016/3 (n° 143), pages 59 à 72
سارة شريعتي، فانون، شريعتي ومسألة الدين: بعد خمسين عاماً، في مجلة السياسة الأفريقية 2016/3 (العدد 143)، الصفحات من 59 إلى 72
5-أشير هنا إلى أن صحيفة" التآخي " كردية تصدر في إقليم كردستان – العراق، ولا أدري هل جرى نشر المقال فيها نقلاً عن منبر آخر، أم من قبل الكاتب بالذات. في الحالتين، لا بد أن التقدير انصب على محتوى المقال، وعن بُعد، ولكن هل ثمة ما هو محقّق مما هو أنطولوجي، يسمّي الإنسان كإنسان تحديداً؟

" يتبع "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...