تحضر الحرب في قصص المبدع العراقي “سلام إبراهيم” كحالة وجودية تظل مستعرة داخل الإنسان حتى بعد توقف المعارك.
وتأتي مجموعته القصصية الرابعة “قبلة الصباح” (دار الدراويش، بلغاريا، 2022) لتؤكد هذا التوجه، فهو يوزع قصص مجموعته على قسمين “منفيون” و”جنود وثوار” بحيث يبدوان كوجهين لحقيقة واحدة.
فالقسم الأولى يكشف عن نتائج الحرب التي تظل مستمرة حتى في المنفي حتى يصبح الإنسان نفسه هو ساحة المعركة الأخيرة، بينما القسم الثاني يحكي أسبابها.
وهنا تكمن خصوصية سلام إبراهيم، فالمنفى عنده انتقال من حياة إلى حياة.
إن شخصيات المجموعة تعيش في الدنمارك، أو تستعيد العراق من بعيد، لكنها لا تنتمي بالكامل إلى أي مكان.
فالمنفي لن يصبح وطنا والوطن لم يعد حاضرًا، وهكذا يصبح الإنسان معلقًا بين زمنين، ومكانين، وذاكرتين.
مثلا في قصة “جارتي الدنماركية لينا” نجد احتكاكًا إنسانيًا بسيطًا بين شخصين، سرعان ما يكشف المسافة العميقة التي تفصل عالميهما.
إن الغربة هنا تُقاس بطريقة النظر إلى الحياة نفسها، ولهذا تكشف التفاصيل الصغيرة أن آثار الحروب لا تطال القادة وحدهم، وإنما تصيب أولا الإنسان العادي الذي يحاول فقط أن يعيش يومًا آخر.
]ويتجلى ذلك في “قبلة الصباح” التي جعلها الكاتب عنوانًا للمجموعة كلها.
فالعنوان نفسه يوحي منذ البداية بحميمية إنسانية، فحينما يصبح الموت خبرًا يوميًا، تصبح القبلة بل شكلًا للمقاومة. وهذه المفارقة هي التي تمنح المجموعة قوتها الجمالية.
فالعنف يحتل الصفحات بحضوره الخفي. ولذلك تبدو لغة سلام إبراهيم أقرب إلى الهمس منها إلى الخطابة؛ فهي لغة تراهن على الإيحاء أكثر من المبالغة.
لذلك يمكن أن نصف عالمه القصصي بأنه عالم “الخفوت” فسلام إبراهيم يبحث عن اللحظة التي يعقب فيها الصمت الانفجار.
وهنا تتجلى إحدى أهم تقنيات الكاتب، وتتمثل في استبدال الحدث الكبير بالأثر الذي يتركه هذا الحدث في النفس، لهذا لا تنشغل شخصياته كثيرًا باستعادة الوقائع، بقدر انشغالها باستعادة الإحساس الذي خلفته تلك الوقائع.
وهذا ما نجده في قصة “موت شاعر”، التي تبدأ باستدعاء علاقة طويلة مع صديق، ثم يأتي الخبر في بساطة موجعة “وجدته زوجته ميتًا على كرسيه أمام شاشة الحاسوب”
لكن الكاتب يمهد للخبر، مستعيدًا حديث صديقه: “وأعود يا سلام لحياة الوحدة الفظيعة مرة أخرى”
ثم يضيف: “لمست رعبه من العودة إلى الوحدة والعمر يجري، فكلانا عبر الستين”
[HEADING=3]جملتان أكدتا أن الموت لا يأتي فجأة، وربما يكون امتدادًا طبيعيًا لهذا الشعور الطويل بالعزلة.[/HEADING]
نلاحظ أيضا أن الشعور بالعزلة يطال أغلب الشخصيات، وكأن الكاتب يعلن أن الذين لا يموتون في الحروب، يقضون بقية أعمارهم معزولين عن أنفسهم وعن الآخرين.
ربما لذلك اختار أغلب شخصياته ممن تجاوزوا مرحلة منتصف العمر، ولهذا أيضًا تغيب البطولة التقليدية عن قصصه.
فلا نجد إلا بشرًا عاديين يحاولون النجاة يومًا بعد يوم. لذلك لا يبدأ المنفى في المجموعة بالحدود، وإنما في انسحاب الحاضر وثقل حضور الذاكرة.
[HEADING=3]من هنا يمكن فهم قصص القسم الثاني من المجموعة، «جنود وثوار»[/HEADING]
فإذا كانت قصص «منفيون» تعرض النتائج النفسية للحرب، فإن قصص «جنود وثوار» تعود إلى المنابع الأولى لذلك الخراب فالمجموعة تجعل كل من الحرب والمنفى، فصلين من السيرة الإنسانية نفسها.
والحرب في هذا القسم تمثل جزءًا من نسيج الحياة اليومية.
ومنذ عنوان أولى القصص، “الله والحرب”، نكتشف أن السؤال المطروح هو سؤال أخلاقي: كيف يستطيع الإنسان أن يحتفظ بإنسانيته في عالم أصبح الموت فيه ممارسة يومية؟
إن الجندي الذي ينجو من الرصاص لا ينجو بالضرورة من الذكريات، والثائر الذي ينجو من المطاردة قد يظل مطاردًا بصور رفاقه الذين سقطوا، لذلك فالذاكرة عند سلام إبراهيم هي البنية التي تتحرك داخلها الشخصيات.
[HEADING=3]إن الزمن الحاضر يبدو في كثير من القصص هشًّا، بينما الماضي يمتلك كثافة وحضورًا أكبر.[/HEADING]
وما إن تبدأ الشخصية في الحديث حتى يتداخل الزمنان، لأن الإنسان يعيش حياته وفق ما تستدعيه الذاكرة من صور ومواقف.
ولذلك تبدو قصص سلام إبراهيم أقرب إلى حركة الوعي منها إلى التسلسل التقليدي للأحداث، وتساعد اللغة على ترسيخ هذا الإحساس، بميلها إلى الاقتصاد، وبكونها لغة شفافة، تُخفي أكثر مما تُعلن، وتمتلك القدرة على استخراج الدلالة من التفاصيل.
فالعلاقات الأسرية، واللقاءات العابرة، وأحاديث الأصدقاء، وحتى الدعابة العراقية التي تتسلل أحيانًا إلى الحوار، تؤكد أن الإنسان، رغم كل ما مر به، لا يزال قادرًا على التشبث ببقايا الحياة.
[HEADING=3]أيضا، يمكن القول إن المجموعة تحقق قدرًا كبيرًا من الوحدة العضوية.[/HEADING]
فليست القصص مجرد نصوص متجاورة جمعها غلاف واحد، وإنما تتبادل فيما بينها الشخصيات، والهواجس، والصور، حتى يشعر القارئ في النهاية أنه قرأ رواية مكتوبة على هيئة قصص قصيرة، ولهذا فإن عنوان «قبلة الصباح» يكتسب معناه الحقيقي بعد الانتهاء من قراءة المجموعة كلها.
[HEADING=3]فالقبلة تصبح رمزا لإصرار الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته وسط عالم تتقاسمه الحروب والمنافي.[/HEADING]
وتبقى الإشارة إلى أن هناك نصوص تعتمد على قوة التجربة أكثر مما تعتمد على التكثيف الفني، وأخرى تقترب أحيانًا من السرد التوثيقي، وهو أمر مفهوم في كاتب يحمل تجربة حياتية استثنائية كالتي عاشها سلام إبراهيم.
غير أن نصوصه تنجح في تحويل المادة السيرية إلى أدب، وفي تجاوز الخاص إلى الإنساني، بحيث تصبح تجربة العراقي المنفي تجربة إنسانية عامة.
وأخيرا يمكن القول في النهاية إن سلام إبراهيم يكتب أدب ما بعد الحرب، فهو يضن بقصصه على ساحات المعارك ويمنحها لتلك اللحظات التي تكشف عن استمرار الحرب داخل الإنسان بعد أن يظن الجميع أنها انتهت، ومن هنا تنبع جماليات هذه القصص.
فهي لا تصنع الدهشة من غرابة الوقائع، وإنما من قدرتها على اكتشاف المعنى الكامن في الحياة اليومية.
إن لقاء جار، أو حديث بين صديقين، أو قبلة صباح، أو خوف رجل مسن من أن يموت وحيدًا، تتحول جميعها إلى لحظات تكشف هشاشة الوجود الإنساني، وهنا ينجح سلام إبراهيم في أن يجعل العادي استثنائيًا، واليومي حاملًا للأسئلة الكبرى.