وبعد رحيل العمر... ندرك أننا كنا أعداء أنفسنا

بين الصرخة الأولى والزفرة الأخيرة تمتد الحكاية...حكاية عمر أو بالأحرى حكاية حياة، من السهل أن نسرد تفاصيلها في لحظات الأنس أو في لحظات البؤس، لكن من الصعب نقل ما تختزنه من أنفاس وآنات تحمل ما لا يستشعره إلا صاحبه، فالأنين كالموت قد نتحدث عنه وقد نبكي في حضرته لكن شتان بين حامله وشاهده، لذلك يقول الله تعالى: "كل نفس ذائقة الموت" فالموت ذوق، إذ إن التجربة لا تُنقل إلا أن تُعاش حقيقة، حينها سندرك ما الموت، كذلك الجراح والآلام والخيبات والانكسارات، مهما قيل ومهما كُتب تظل غامضة لا يعيها إلا من اكتوى بلظاها، ولعل أكثر الكتابات صدقا هي تلك التي يخطها الكاتب بأحاسيسه حتى تصير الكلمة نجاة، وفي هذا السياق يقول فرانز كافكا: "الكتابة ليست عملا إنها نجاة"، وأظنها بابا من أبواب الخلاص حيث نحادث ذواتنا ونصارع الأفكار التي تعذبنا، وهنا ألتقي مع مي زيادة وهي تبوح: "تعذبني الفكرة، ويؤنسني الحبر ولولا الورق لجُنَّ عقلي"، هذا سلطان الكتابة، مثله مثل سلطان الحب، كلاهما يتطلب الصبر، وكلاهما نزيف يُحدث إغماءات من نوع آخر، كم راقني كثيرا كلام محمد الماغوط "أنا لا أكتب، أنا أنزف"، وأظنه امتلأ إلى الحد الذي جعله ينزف، ولعل ما أكتبه يظل على ذات الوزان، لذلك علي أن أسلك به مسلك الذاتية ليعبر عني لا عن غيري، فإن كان هناك من يشبهني فقد نُبْتُ عنه، ولي الأجر، وإن لم يكن، فيكفي أنني أشبه نفسي، خاصة وأنني جزء من زمن أحتاج فيه إلى معرفة من أكون؟ وكيف المسير وأين المصير؟ ببساطة، ما الغاية من وجودي؟ أكيد أنني أقرأ في القرآن كلام الله سبحانه "وما خَلَقْتُ الجن والإنس إلا ليعبدون" هذا أسلوب بلاغي يفيد القصر، لكن هل العبادة تنفي الحياة؟ وهل المطلوب مني أن أظل حبيس المحراب ناسكا زاهدا متعبدا؟ أم أن للعبادة بعدا مقاصديا آخر؟ ربما لا أفهم ديني جيدا، وربما لغتي قاصرة عن إدراك مآلات اللفظ في النص القرآني، لكن ما أنا على يقين منه أن الدين حياة، وإلا فكيف سأفسر قوله تعالى: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا"، وبأي منطق سأتلقى قول النبي ﷺ: "إن لنفسك عليك حقا"، والمشاهد كثيرة من حياة الأنبياء والأولياء والعلماء تذكرنا بإنسانية الإنسان، هاته الإنسانية التي تستوجب منا جعل ذواتنا في مركز اهتماماتنا وانشغالاتنا، لا أقول بعزل الدين، فلست من دعاة اللائكية ولو على المستوى الفردي، فحضور الدين ضروري ومهم، فأنا أومن بالجانب الروحي والروحاني أيضا، وكلاهما يتغذيان من الدين الذي يضمن الاستمرارية والوجود وحتى الثبات أحيانا حينما تكون الأمور على موازينها، فكثير من المتدينين مختلين عقليا وأخلاقيا، وكثير منهم وبال على ذواتهم وأهليهم وأوطانهم، بل نرى منهم الفواجع، بطبيعة الحال ليسوا وحدهم، لكن موضوعي ينحو هذا المنحى وإلا فإن الآفات متعددة الإيديولوجيات، وأنا وإن كنت مسلما لكني لا أدافع عن المتأسلمين الذين يقزمون مجالات اشتغال الدين وينفون الحياة، أولئك الجهال الذين ينفرون ولا يبشرون، وهو الفكر الذي أرفضه، أؤدي الفروض نعم وأتمسك بها ما استطعت، لكن إلى جانب ذلك أعتبر الاهتمام بحياتي فرضا من الفروض، التفريط فيه تفريط في حق نفسي، فقد تطوح بنا الدنيا بعيدا حتى ننسى أنفسنا لتُشرع أمامنا بوابات الاكتئاب والحزن والقلق والتِّيه، مما يهدم البدن ويكسر الروح، فنصير آنذاك أعداء لأنفسنا يجري علينا قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، إن القرار بيدنا إما أن ننجو وإما أن ننغمس في الأنين، فالإنسان وحده من سيبقى لنفسه، ومن حق نفسه عليه أن لا يُذِلها، فمِن الدين أن يسمو المرء بنفسه، وهي النظّارة التي أنظر بها إلى الآية الكريمة "قد أفلح من زكاها"، وعلى ذات الوزان أتذوق قول نبينا ﷺ: "إن الله جميل ويحب الجمال ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها"، وتلك تربية نبوية من نوع خاص تكرس مبدأ حب الحياة وجب الجمال والترفع عن كل ما يجر إلى الاندحار ويجعل الإنسان يتردى من مستوى الحرية إلى مستوى العبودية، حتى إنه لا يقوى على سمع نبضاته وإراحة أنفاسه، فالقلوب جُعِلت للحب والخير والجمال، والعقول جُعِلت للاسترشاد بما فيه صلاحنا وراحتنا وأماننا... فلِمَ نوجههما وجهة غير تلك؟ لِمَ نبْذُل الجهد فيما يكسر ويأكل العمر منغمسين في تهميش أنفسنا بدعوى الصبر والعطاء وروح الجماعة؟ ولن أبالغ إذا ما قلت إن أهم جماعة في زمن المصلحة هي أن يجتمع المرء مع نفسه، ربما أكون أنانيا وأنا أسوق هذا الطرح، لكنها كالبدعة الحسنة صارت واجبة الحضور، ولعلها تدخل في باب حفظ النفس. هذا الخليط من الأفكار يعكس تضارب المشاعر، أو قل إن شئت ثورة المشاعر في محاولة لجمع الشتات، فما عاد الكيان كيانا، وكما يُقال: الإنسان صار أجزاء: جزء يكافح، وجزء ينهار، وجزء لا يبالي، وهو مع ذلك يحملهم جميعا ويواصل السير مجبرا، لعل الغد يجمع ما بعثرته الأيام. لذلك وأنا أدعو إلى بعض الأنانية أدعو إلى خير كبير يضمن بعض الألق ويمحو كثيرا من الأرق، يُمَكِّن من جودة الحياة وروعتها، ويزيل قسوة الأيام وسياطها، يحدثني ويهمس لي أنه لم يبقى من عمري الكثير، فمع كل انكسار ومع كل خيبة أمل أقترب أكثر فأكثر من عتبة دنياي لأستقبل أجل الله، فلِم الاجتهاد في معانقة التعاسة دون الاجتهاد في مغازلة السعادة لعلها تَرِقُّ فتحِن فتُعانق؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...