يحيى بركات - بعد مدريد... يبدأ المشهد

بعد مدريد... يبدأ المشهد
انطفأت أضواء القاعات.
طُويت الأعلام.
غادر الوزراء إلى بلدانهم.
يحيى بركات
مؤتمر مدريد انتهى.
لكن المؤتمر الحقيقي لم يكن في مدريد.
المؤتمر الحقيقي يبدأ الآن... هنا.
العالم قال كلمته: هناك اهتمام، هناك استعداد، هناك تحالف دولي يُعلن نفسه. وللمرة الأولى، قد لا تكون المشكلة في غياب من يريد مساعدتنا، بل في قدرتنا نحن على أن نقول للعالم، بوضوح: ماذا نريد؟
لا يكفي أن نقول إن ثقافتنا مهددة. العالم يعرف. ولا يكفي أن نعرض صور الدمار. العالم شاهد. ولا يكفي أن نطالب بالحماية. فاستهداف الثقافة الفلسطينية وذاكرتها ومؤسساتها أصبح أحد وجوه حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، حيث لم تستهدف الحرب الإنسان وحده، بل استهدفت ذاكرته وروايته ومؤسساته الثقافية أيضاً.
السؤال لم يعد: هل العالم مستعد لدعمنا؟
بل: هل نحن مستعدون لتقديم مشروع يستحق هذا الدعم؟
أخطر ما يمكن أن نفعله بعد مدريد هو أن نستقبل هذه اللحظة بعقلية الفعاليات. أن يقول العالم: "نحن مستعدون لبناء شراكات طويلة الأمد، وحماية الذاكرة، وترميم المؤسسات"، ثم نجيبه بطلب ميزانية لمهرجان موسمي، أو وفد يسافر أياماً ثم يعود.
المهرجانات ضرورية، لكنها ليست المشروع.
الفرق شاسع بين من ينظم فعالية ومن يبني مؤسسة. بين من يعرض فيلماً ومن يحفظ تاريخ السينما الفلسطينية كلها. بين من يطبع كتاباً ومن يبني مشروعاً عالمياً لترجمة الأدب الفلسطيني. بين من يقيم معرض صور ومن ينقذ ذاكرة شعب كامل من الضياع.
مدريد تحدث عن تحالف دولي، وعن حماية وتعافٍ وإعادة بناء وشراكة. وهذه ليست لغة أنشطة متفرقة، بل لغة مشروع تاريخي.
بعد حرب الإبادة، لا تبدأ الأمم بإحصاء المقصرين، بل بإعادة بناء ما بقي منها.
ليس هذا وقت الاتهام. سيأتي وقت المراجعة، لكن هذه ليست ساعته. هذه ساعة البناء.
فإما أن تبادر، أو تعمل، أو تشارك، أو تضع خبرتك في خدمة المشروع.
النقد مهم حين يفتح طريقاً، لكنه يصبح عبئاً حين يتحول إلى إخلاء طرف.
ولا أكتب هذا من موقع المتفرج.
كنت واحداً من رواد الحركة السينمائية النضالية الفلسطينية، وأسهمت عام 1980 في تأسيس الاتحاد العام للفنانين التعبيريين الفلسطينيين في لبنان، وانتُخبت رئيساً له. وفي عام 2004، عملت مع المخرج الراحل مصطفى أبو علي على إعادة إنشاء جماعة السينما الفلسطينية في الوطن.
وكان في قلب رؤيتنا آنذاك ما نحتاج إليه اليوم: جمع الأرشيف السينمائي الفلسطيني، وترميمه، وإنشاء سينماتيك فلسطيني، وإعادة بناء مؤسسة وطنية للسينما.
ما كان حلمنا قبل عشرين عاماً، أصبح اليوم ضرورة وطنية.
الكرة الآن في ملعب وزارة الثقافة، لكن المسؤولية ليست مسؤوليتها وحدها.
إنها مسؤولية المؤسسات الثقافية، والجامعات، والكتاب، والفنانين، والسينمائيين، والمصورين، والمسرحيين، والموسيقيين، والباحثين، والمبدعين في الوطن والشتات.
فالثقافة الفلسطينية لم تولد داخل وزارة. ولا تختصرها مؤسسة. ولا تحتكرها جغرافيا.
إنها الأغنية التي عبرت الحدود، والفيلم الذي نجا في قبو بعيد، والصورة التي خرجت من تحت الركام، والمخطوطة التي بقيت في حقيبة لاجئ، والاسم الذي حمله الفلسطيني من بيته حين لم يستطع أن يحمل البيت.
أعتقد أن اللحظة أصبحت ناضجة لطرح مشروع وطني كبير، يمكن أن نسميه:
مشروع مارشال للثقافة الفلسطينية.
مشروع لا يكتبه الممولون لنا، بل نكتبه نحن، ثم ندعو العالم إلى الشراكة في تنفيذه.
فبعد حرب الإبادة، تحتاج الثقافة الفلسطينية إلى مشروع تاريخي يعيد بناء ما دُمّر، ويحمي ما بقي، وينقذ ما يوشك على الضياع.
ولعل البداية تكون من عناوين كبرى، من بينها:
إطار وطني ثقافي واسع لما بعد مدريد.
جمع الذاكرة البصرية الفلسطينية وحمايتها.
إنشاء السينماتيك الفلسطيني.
أرشيف الإبادة، وجمع كل ما صُوّر في غزة قبل أن يضيع.
صندوق لدعم الإنتاج الثقافي والسينمائي.
إعادة بناء المؤسسات الثقافية، لا جدرانها فقط.
مشروع دائم للترجمة والنشر.
ربط المؤسسات الفلسطينية بشبكة دولية من الجامعات والمتاحف والمراكز الثقافية.
في قلب هذا المشروع، أرى مهمة لا تحتمل التأجيل:
جمع وحفظ كل ما صُوّر خلال الإبادة.
ما صُوّر في غزة ليس مادة إعلامية انتهى عمرها.
إنه ذاكرة شعب، وشهادة ضحاياه، ودليل قد يحاول القاتل يوماً إنكاره.
مصورون وثقوا المشهد ثم استشهدوا.
أطباء سجلوا ما جرى داخل المستشفيات.
أطفال صوروا بيوتهم قبل أن تتحول إلى ركام.
وأمهات وثقن أسماء أبنائهن خوفاً من أن تضيع الأسماء مع الأجساد.
هذه الصور لا تحتاج فقط إلى من يعرضها.
تحتاج إلى من يحفظها، ويوثقها، ويحمي حقوق أصحابها، ويصون كرامة الضحايا فيها.
فالمعركة على غزة لن تكون فقط حول ما حدث.
ستكون أيضاً حول من يمتلك الصورة، ومن يروي الحكاية، ومن يحفظ الدليل.
مدريد لم تمنحنا مشروعاً جاهزاً.
لكنها منحتنا فرصة.
فتحت الباب، وقالت إن هناك من هو مستعد للاستماع والمشاركة والدعم.
أما ما سندخل به من هذا الباب، فمسؤوليتنا نحن.
من السهل أن ننشغل بمن حضر ومن غاب، ومن قصّر ومن أصاب.
لكن السؤال الأكبر يبقى:
ما المشروع الذي سنضعه على الطاولة؟
الوفود تعود.
التصريحات تهدأ.
الأضواء تنتقل إلى مؤتمر آخر.
أما الأشرطة، فتواصل التلف.
والصور، تواصل الاختفاء.
والمؤسسات، تواصل الانهيار.
والذاكرة التي لا نبني لها بيتاً اليوم، قد نجد أنفسنا غداً نبحث عن بقاياها في بيوت الآخرين.
هذه ليست ساعة المجاملة.
وليست ساعة الاتهام.
وليست ساعة أن يقف كل واحد منا أمام الركام ليشير إلى مسؤولية الآخر.
هذه ساعة العمل.
فمن يملك فكرة، فليقدمها.
ومن يملك خبرة، فليضعها على الطاولة.
ومن يملك أرشيفاً، فليساعد في إنقاذه.
ومن يملك باباً، فليفتحه.
ومن لا يستطيع، فليدعم بقلبه من يحاولون.
في الحروب، يتذكر الناس من هدم المدن.
لكن التاريخ لا يتوقف طويلاً عندهم.
إنه يحتفظ بأسماء أولئك الذين بدأوا البناء، بينما كان الركام لا يزال دافئاً.


يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/7/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...