عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في زحمة الرفوف، كان ذلك الرجل يتجول بين أجنحة المكتبة برفقة زوجته، يتأمل العناوين بعين القارئ الذي خبر الكتب، لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عما يستهويه هو، بل عما قد يوقظ شغف ابنه اليافع، الذي لم يكن يصاحبه في رحلته تلك بين الرفوف .
همَّ أن ينتقي له بعض الروايات، فقالت له زوجته بهدوء الواثق: لا تحاول أن تختار له أنت... اتصل به، ودعه يخبرك بما يريد.
امتثل للفكرة، وأخرج هاتفه ، وما إن جاءه صوت ابنه من الطرف الآخر، حتى بدأ يملي عليه أسماء الروايات، بينما كان الأب يلتفت إليَّ بعد كل عنوان سائلا عن توفره بالمكتبة :
- شفرة القتل - ألعاب الميراث - أريد أن أقتل رجلا - أتعفن رعبا - الجزار - مقاتل من المريخ - عصبة الشياطين - خوف - مملكة الغرانييق ......إلخ
كنت أتناول الكتب واحدا تلو الآخر، بينما كانت ملامح الأب تروي حكاية أخرى ، لم يبدُ راضيا تماما عن تلك الاختيارات؛ فقد كان يتمنى، بحكم تجربته وقراءاته، أن يكون له نصيب في رسم أولى خرائط القراءة لابنه، وأن يقوده نحو عناوين يراها أكثر عمقا وأبعد أثرا.
لكن زوجته رمقته بنظرة خاطفة، كانت أبلغ من أي كلام، فكأنها تقول له: اترك له حق الاكتشاف ، فالكتاب الذي يختاره القارئ بنفسه، غالبا ما يقرؤه حتى آخر صفحة، أما الكتاب الذي يُفرض عليه، فكثيرا ما يبقى حبيس الرف.
عندها أدرك الأب أن زمن الوصاية على القراءة قد تغيّر، وأن مهمة الآباء لم تعد أن يختاروا الكتب لأبنائهم، لكن يجب عليهم فقط أن يفتحوا لهم أبواب المكتبات، ويمنحوهم حرية العبور إلى العناوين التي تناديهم.
خرج الزوجان يحملان كيسا من الروايات، لكنني شعرت أن أغلى ما غادر المكتبة هو ذلك الدرس الجميل: أن لكل جيل مفاتيحه الخاصة إلى القراءة، وأن أجمل علاقة يمكن أن تنشأ بين القارئ والكتاب، هي تلك التي تبدأ باختيار حر، لا بإملاءٍ حسن النية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...