تُمثل مجموعة "ظلال مضاعفة بالعناقات" للشاعر نمر سعدي فضاءً شعرياً متراكماً ينهض على تقويض الثنائيات التقليدية بين الحضور والغياب، حيث تتحول القصيدة من أداة للتعبير إلى مختبرٍ سيميائي لاختبار حدود اللغة ومتاهات الوجود. إن العنوان ذاته يشي بمركزية "الظل"؛ ذلك الكيان الموازي للحقيقة الذي لا يكتفي في نص سعدي بالانعكاس، بل يتضاعف في "عناقات" لغوية وشعورية، جاعلاً من الفراغ محركاً أساسياً لعملية التلقي. إن القراءة السيميائية لهذا المنجز الشعري لا تستهدف تبيان المعنى فحسب، بل تسعى إلى تفكيك آليات الإنتاج الدلالي التي يعتمدها الشاعر في ملء الفراغ بالرمز، وتحويل الغياب إلى حضور كثيف. فالظل هنا ليس غياباً للضوء، بل هو رؤيا مضاعفة تعكس قلق الذات الشاعرة وتماهيها مع الموجودات المنسية والمستعارة. تتحرك هذه الرؤية النقدية بين قطبين متكاملين؛ أولهما "شعرية الظلال" بوصفها استراتيجية تصويرية تعتمد على التعدد والانزياح، حيث تُحول الأشياء والنساء والأمكنة إلى أيقونات ظليلة تنبض بمرجعيات أسطورية وذاتية، وثانيهما "تأويل الفراغ" بوصفه فضاءً وجودياً تتنفس فيه القصيدة، إذ يغدو الفراغ في عالم نمر سعدي مادةً خاماً للتأويل تتشكل من خلالها "مملكة الفراغ"، ليتحول الصمت والغياب إلى عناصر فاعلة في بنية النص لا تقل أهمية عن الكلمة. إننا أمام تجربة لا تتوقف عند حدود الوصف، بل تقتحم المسكوت عنه في التجربة الإنسانية، متكئةً على لغة طيعة توازن بين صرامة التفعيلة وانفتاح قصيدة النثر، لترسم خريطة شعورية تحاول فيها الذات الشاعرة، من خلال تضاعف الظلال، أن تملأ فراغ الزمن والوجود بقوة الرمز وعمق الأسطورة وتعدد الدلالات المنسوجة ببراعة نقدية تتجاوز النمطية إلى رحابة التأويل السيميائي المتجدد.
إنَّ استنطاقَ "شعرية الظلال" في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" يتطلبُ غوصاً في الأنساق السيميائية التي شيدها نمر سعدي، حيث يغدو الظلُّ في قصائدهِ دالاً مركزياً يتجاوزُ دلالتهِ الفيزيائية ليغدو قناعاً وجودياً. إنَّ الشاعرَ يمارسُ تلاعباً بصرياً ودلالياً حين يجعلُ من الظلِّ امتداداً للجسدِ أو استعارةً للغياب، كما يبدو جلياً في قوله: "أعرفُ الحبيبةَ الافتراضيَّة لكلِّ شاعرٍ... في حفلةِ الحبِّ التنكريَّةِ تعانقُ امرأةٌ ظلَّها". فهنا تتحولُ "الظلال" إلى علاماتٍ سيميائية تعبرُ عن الاغترابِ والافتراضية، حيثُ يغدو الظلُّ هو الكيانَ الوحيدَ المتاحَ للعناقِ في عالمٍ تلاشت فيهِ الأجسادُ وراءَ سطوةِ التكنولوجيا والبعدِ الزماني.
وينتقلُ هذا التشكيلُ الظليُّ من فضاءِ الآخرِ إلى فضاءِ الذاتِ الشاعرةِ، إذ يغدو الفراغُ في نصِّ سعدي "مملكةً" لا تكتملُ إلا بالانزياحِ اللغوي، فهو يقولُ في قصيدة "مملكة الفراغ": "ملكٌ على عرشِ الفراغِ، ممالكي ريشُ الغيومِ وصولجاني من كلامْ". وهذا الشاهدُ يكشفُ عن تحويلِ الفراغِ الوجودي إلى مادةٍ جمالية؛ فالشاعرُ لا يعاني الفراغَ فحسب، بل يؤثثهُ بالاستعاراتِ والكلماتِ، ليغدو "الفراغُ" هنا دالاً سيميائياً على العزلةِ المبدعةِ التي تحاولُ من خلالها الذاتُ أن تملأَ مساحاتِ الغيابِ بـ "مضاعفةِ العناقات" بينَ الرمزِ والواقع.
ولا تتوقفُ شعريةُ الظلالِ عند هذا الحد، بل تمتدُّ لتشملَ العناصرَ الطبيعية والأسطورية، حيثُ تتلاشى الحدودُ بين الكائنِ وظلِّهِ، كما يظهرُ في التماسِ مع مفردةِ "القبَّرة" أو "الفراشة"، حيثُ يقول: "قلبي قبَّرةٌ خفيفةٌ.. نورسٌ أعمى في مهبِّ البحرِ والضجرُ". إنَّ تتبعَ هذه العلاماتِ يكشفُ عن سيميائيةِ التيه، فالشاعرُ لا يكتفي بالوقوفِ في الفراغِ، بل يسعى لتأويلهِ عبرَ ممارساتٍ طقسيةٍ للكتابةِ تحوّلُ القصيدةَ إلى "جسرٍ" يصلُ بين "الظلالِ" المنقرضةِ و"العناقاتِ" المتخيلة.
إنَّ هذه السيميائيةَ تبلغُ ذروتها حين يربطُ الشاعرُ بين "توقِ الجسد" و"مراوغةِ المعنى"، فيقولُ: "مصلوبٌ من أخمصِ قدميَّ وقلبي مصلوب... من نارٍ تنبعُ في شقِّ الكلماتِ". في هذا المقطعِ، يتحولُ "الصلب" إلى علامةٍ أيقونيةٍ تدمجُ بين الألمِ والنشوةِ، وتجعلُ من الكتابةِ نفسها وسيلةً لملءِ فراغِ الوجودِ بـ "عناقاتٍ" لغويةٍ متضاعفة. وهكذا، ينجحُ نمر سعدي في تحويلِ ديوانه إلى نسيجٍ سيميائيٍ دقيق، لا يفتأُ يراوحُ بين "ظلالِ" الحقيقةِ و"فراغِ" الحلمِ، لتغدو القصيدةُ في نهايةِ المطافِ مرآةً كاشفةً لتعددِ احتمالاتِ الكينونةِ في عالمٍ يبحثُ عن التوازنِ وسطَ ركامِ الغياب.
وتتجلى في قصائد نمر سعدي سيميائيةُ "الارتحالِ الدلالي" التي تُؤكِّدُ أنَّ الفراغَ ليسَ عدماً، بل هو "مساحةٌ مُمكِنة" لإعادةِ تعريفِ الذاتِ أمامَ مرآةِ الأنوثةِ والذاكرة؛ ففي استخدامهِ للرموزِ الجليليةِ والطبيعية، يدمجُ الشاعرُ بين المحليِّ والكوني، حيثُ يقول: "تضيءُ تباريحي وما بيَ نزوةٌ / لتشعلَ زهرَ الأقحوانةِ في جسمي / وتقطفهُ أنثى ادلهمَّتْ دروبها / وشطَّتْ بها الدنيا إلى آخر الحلمِ". إنَّ الربطَ هنا بين "زهرِ الأقحوانةِ" و"جسدِ الشاعرِ" يمثلُ سيميائيةً جسديةً تحولُ الفراغَ العاطفيَّ إلى "زمنٍ مضيءٍ" عبرَ "العناقِ الشعري" الذي يتجاوزُ حدودَ الواقعِ الملموسِ إلى رحابةِ الاستعارة.
كما يبرزُ تأويلُ الفراغِ كاستراتيجيةٍ وجوديةٍ في مواجهةِ الزمنِ المتسربِ من بينِ الأصابعِ، وهو ما يجسدهُ بقولهِ: "ويقولُ: عمري قد تسرَّبَ من جرارِ الماءِ كالضوءِ الغريبِ / لفافةٌ عطريَّةٌ هذي الحياةُ على فمي احترقتْ / قميصٌ رثَّ من طولِ التشهِّي يا حبيبي". ففي هذا الشاهد، تتحولُ "جرارُ الماءِ" و"القميصُ الرثُّ" إلى دالَّاتٍ سيميائيةٍ تكتظُّ بالمعنى، حيثُ يغدو الفراغُ زمناً مستهلكاً، ويصبحُ "الظلُّ" هو الذاكرةَ التي ترفضُ الفناء، في عمليةِ موازنةٍ دقيقةٍ بينَ هشاشةِ الكائنِ وصلابةِ القصيدةِ التي تحميهِ من التلاشي.
وهكذا، يظلُّ ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" فضاءً مفتوحاً على التأويلِ السيميائي، فكلُّ قصيدةٍ فيهِ تعملُ كـ "علامةٍ مضاعفة" تشيرُ إلى فراغٍ أوسعَ خارجَ حدودِ النص، لتتحولَ "العناقاتُ" المذكورةُ في العنوانِ إلى "عناقٍ سيميائي" بينَ الدالِ والمدلول، وبينَ الذاتِ والعالم، وبينَ الظلِّ وضوئه، مما يجعلُ من تجربةِ نمر سعدي الشعريةِ برمتها صرخةً جماليةً عميقةً في وجهِ العدم، وإعلاناً عن قدرةِ الكلمةِ على استعادةِ التوازنِ في عالمٍ يبدو وكأنهُ مصلوبٌ على حدودِ المسافةِ بينَ الحلمِ والواقع.
إنَّ هذا التلاحمَ بين "الظلِّ" و"الفراغ" في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" لا يقتصرُ على البعدِ الميتافيزيقي، بل يتجلى أيضاً في توظيفِ الشاعرِ نمر سعدي لـ "سيميائية الحواس" التي تكسرُ حدةَ الفراغِ وتجعلُ منهُ فضاءً ملموساً؛ فالشاعرُ يمارسُ طقوساً لغويةً لتحويلِ الغيابِ إلى رائحةٍ أو لمسةٍ، وهو ما نلمسهُ في قوله: "بفمي أمسِّدُ شَعرَ أغنيةٍ / وأسندُ فكرةً شعريَّةً أولى على حجرِ الأنينْ". إنَّ تحويلَ "الأغنية" إلى خصلةِ شعرٍ، و"الأنين" إلى حجرٍ، يمثلُ استراتيجيةً سيميائيةً لإعادةِ تجسيدِ الغائبِ، حيثُ يغدو الجسدُ اللغويُّ للقصيدةِ هو الملاذُ الأخيرُ للذاتِ الشاعرةِ لتهربَ من "مملكةِ الفراغِ" إلى "مملكةِ الإحساسِ".
ومع تعمقنا في قراءة الديوان، ندركُ أنَّ نمر سعدي يبتكرُ سيميائيةً للمكانِ المتخيَّلِ، حيثُ تتداخلُ الجغرافيا الحقيقية (الجليل، حيفا، يافا) مع جغرافيا الظلالِ والأحلام؛ فالأماكنُ عنده ليست مجردَ إحداثياتٍ جغرافية، بل هي علاماتٌ أيقونيةٌ مشبعةٌ بالحنينِ، يقولُ في هذا السياق: "من حيفا إلى يافا الجميلةِ / من قبابِ القدسِ.. من عطرِ الدوالي في الخليلِ / إلى فراديس الجليلِ وشمسِ ذاكرةِ الطفولةِ". إنَّ هذا السردَ المكانِيَّ ليسَ توثيقياً، بل هو محاولةٌ سيميائيةٌ لملءِ "فراغِ اللجوءِ" و"اغترابِ الروحِ" عبرَ استحضارِ عناصرِ الطبيعةِ التي تتحولُ في الديوانِ إلى "أشباحٍ ظليلة" لا تكفُّ عن مرافقةِ الشاعرِ في تيهِهِ.
إنَّ "تضاعفَ العناقاتِ" في العنوانِ ينتهي بنا إلى استنتاجٍ نقديٍ مفادُهُ أنَّ الشعرَ عند سعدي هو "فنُّ العناقِ المستحيلِ"؛ فهو يعانقُ غيابَ الحبيبةِ بفيضٍ من الكلماتِ، ويعانقُ فراغَ الوجودِ بجمالِ الاستعارةِ، ويعانقُ الموتَ بـ "قبَّرةِ القلبِ" الخفيفةِ التي ترفضُ السقوطَ في العتمة. وهكذا، ينجحُ الديوانُ في أن يكونَ مرآةً سيميائيةً لا تعكسُ العالمَ كما هو، بل كما يشتهي الشاعرُ أن يراهُ: ممتلئاً بالظلالِ التي لا تموتُ، وبالعناقاتِ التي لا تنتهي، في مسارٍ سرديٍ وشعريٍ يحتفي بـ "فراغِ المعنى" ليمنحهُ آلافَ المعاني المتجددة.
ختاماً لهذه القراءة السيميائية في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات"، يتضحُ أنَّ نمر سعدي قد نجح في صياغةِ "أبجديةٍ للظلال" لا تتكئُ على السكون، بل على حركةٍ دائمةٍ بين الحضورِ والغياب، حيثُ تتحولُ القصيدةُ إلى جسدٍ لغويٍّ يتنفسُ من مساماتِ الفراغِ الوجودي. إنَّ هذا الديوانَ يتجاوزُ كونهُ مجردَ نصوصٍ شعريةٍ عابرةٍ ليغدو "نظاماً علامياً" متكاملاً، يُعيدُ فيهِ الشاعرُ إنتاجَ العالمِ عبرَ عدسةِ "الظلِّ" الذي يتضاعفُ كلما اقتربتْ منهُ نارُ التجربةِ أو برودةُ العزلة، لتصيرَ كلُّ قصيدةٍ بمثابةِ "توقيعٍ سيميائي" يملأُ الفراغَ بدلالاتٍ لا تنضب.
لقد أثبتت هذه القراءةُ أنَّ نمر سعدي في ديوانه هذا لا يكتبُ عن الوجودِ فحسب، بل يمارسُ "تأويلاً وجودياً" للفراغ، مُحوّلاً إياه من "عدمٍ" إلى "رحمٍ للرؤيا"، وهو ما يفسرُ إلحاحَهُ في الديوانِ على مفرداتِ "الماء، العشب، الفراشة، والناي"، بوصفها عناصرَ سيميائيةً تمنحُ الفراغَ طعماً وملمساً. إنَّ براعةَ الشاعرِ تكمنُ في قدرتهِ على جعلِ "العناقاتِ" – رغمَ طابعها الاستعاري – ملاذاً حقيقياً للذاتِ الشاعرةِ المتمسكةِ بـ "قبَّرتها الخفيفة" في وجهِ زمهريرِ الواقعِ. وهكذا، يظلُّ هذا المنجزُ الشعريُّ علامةً فارقةً في المشهدِ الفلسطيني والعربي، داعياً القارئَ دائماً لا لأن يقرأَ الكلماتِ فحسب، بل لأن يقرأَ "الظلالَ" التي تكمنُ خلفَ الكلماتِ، مستكشفاً تلكَ المساحاتِ الشاسعةَ من المعنى التي يتركها سعدي عمداً في فراغِ قصيدتهِ ليملأها وعيُ المتلقي بأسئلتِهِ الوجوديةِ والجمالية.
بقلم / الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / ناقدة وكاتبة وأكاديميَّة من العراق
إنَّ استنطاقَ "شعرية الظلال" في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" يتطلبُ غوصاً في الأنساق السيميائية التي شيدها نمر سعدي، حيث يغدو الظلُّ في قصائدهِ دالاً مركزياً يتجاوزُ دلالتهِ الفيزيائية ليغدو قناعاً وجودياً. إنَّ الشاعرَ يمارسُ تلاعباً بصرياً ودلالياً حين يجعلُ من الظلِّ امتداداً للجسدِ أو استعارةً للغياب، كما يبدو جلياً في قوله: "أعرفُ الحبيبةَ الافتراضيَّة لكلِّ شاعرٍ... في حفلةِ الحبِّ التنكريَّةِ تعانقُ امرأةٌ ظلَّها". فهنا تتحولُ "الظلال" إلى علاماتٍ سيميائية تعبرُ عن الاغترابِ والافتراضية، حيثُ يغدو الظلُّ هو الكيانَ الوحيدَ المتاحَ للعناقِ في عالمٍ تلاشت فيهِ الأجسادُ وراءَ سطوةِ التكنولوجيا والبعدِ الزماني.
وينتقلُ هذا التشكيلُ الظليُّ من فضاءِ الآخرِ إلى فضاءِ الذاتِ الشاعرةِ، إذ يغدو الفراغُ في نصِّ سعدي "مملكةً" لا تكتملُ إلا بالانزياحِ اللغوي، فهو يقولُ في قصيدة "مملكة الفراغ": "ملكٌ على عرشِ الفراغِ، ممالكي ريشُ الغيومِ وصولجاني من كلامْ". وهذا الشاهدُ يكشفُ عن تحويلِ الفراغِ الوجودي إلى مادةٍ جمالية؛ فالشاعرُ لا يعاني الفراغَ فحسب، بل يؤثثهُ بالاستعاراتِ والكلماتِ، ليغدو "الفراغُ" هنا دالاً سيميائياً على العزلةِ المبدعةِ التي تحاولُ من خلالها الذاتُ أن تملأَ مساحاتِ الغيابِ بـ "مضاعفةِ العناقات" بينَ الرمزِ والواقع.
ولا تتوقفُ شعريةُ الظلالِ عند هذا الحد، بل تمتدُّ لتشملَ العناصرَ الطبيعية والأسطورية، حيثُ تتلاشى الحدودُ بين الكائنِ وظلِّهِ، كما يظهرُ في التماسِ مع مفردةِ "القبَّرة" أو "الفراشة"، حيثُ يقول: "قلبي قبَّرةٌ خفيفةٌ.. نورسٌ أعمى في مهبِّ البحرِ والضجرُ". إنَّ تتبعَ هذه العلاماتِ يكشفُ عن سيميائيةِ التيه، فالشاعرُ لا يكتفي بالوقوفِ في الفراغِ، بل يسعى لتأويلهِ عبرَ ممارساتٍ طقسيةٍ للكتابةِ تحوّلُ القصيدةَ إلى "جسرٍ" يصلُ بين "الظلالِ" المنقرضةِ و"العناقاتِ" المتخيلة.
إنَّ هذه السيميائيةَ تبلغُ ذروتها حين يربطُ الشاعرُ بين "توقِ الجسد" و"مراوغةِ المعنى"، فيقولُ: "مصلوبٌ من أخمصِ قدميَّ وقلبي مصلوب... من نارٍ تنبعُ في شقِّ الكلماتِ". في هذا المقطعِ، يتحولُ "الصلب" إلى علامةٍ أيقونيةٍ تدمجُ بين الألمِ والنشوةِ، وتجعلُ من الكتابةِ نفسها وسيلةً لملءِ فراغِ الوجودِ بـ "عناقاتٍ" لغويةٍ متضاعفة. وهكذا، ينجحُ نمر سعدي في تحويلِ ديوانه إلى نسيجٍ سيميائيٍ دقيق، لا يفتأُ يراوحُ بين "ظلالِ" الحقيقةِ و"فراغِ" الحلمِ، لتغدو القصيدةُ في نهايةِ المطافِ مرآةً كاشفةً لتعددِ احتمالاتِ الكينونةِ في عالمٍ يبحثُ عن التوازنِ وسطَ ركامِ الغياب.
وتتجلى في قصائد نمر سعدي سيميائيةُ "الارتحالِ الدلالي" التي تُؤكِّدُ أنَّ الفراغَ ليسَ عدماً، بل هو "مساحةٌ مُمكِنة" لإعادةِ تعريفِ الذاتِ أمامَ مرآةِ الأنوثةِ والذاكرة؛ ففي استخدامهِ للرموزِ الجليليةِ والطبيعية، يدمجُ الشاعرُ بين المحليِّ والكوني، حيثُ يقول: "تضيءُ تباريحي وما بيَ نزوةٌ / لتشعلَ زهرَ الأقحوانةِ في جسمي / وتقطفهُ أنثى ادلهمَّتْ دروبها / وشطَّتْ بها الدنيا إلى آخر الحلمِ". إنَّ الربطَ هنا بين "زهرِ الأقحوانةِ" و"جسدِ الشاعرِ" يمثلُ سيميائيةً جسديةً تحولُ الفراغَ العاطفيَّ إلى "زمنٍ مضيءٍ" عبرَ "العناقِ الشعري" الذي يتجاوزُ حدودَ الواقعِ الملموسِ إلى رحابةِ الاستعارة.
كما يبرزُ تأويلُ الفراغِ كاستراتيجيةٍ وجوديةٍ في مواجهةِ الزمنِ المتسربِ من بينِ الأصابعِ، وهو ما يجسدهُ بقولهِ: "ويقولُ: عمري قد تسرَّبَ من جرارِ الماءِ كالضوءِ الغريبِ / لفافةٌ عطريَّةٌ هذي الحياةُ على فمي احترقتْ / قميصٌ رثَّ من طولِ التشهِّي يا حبيبي". ففي هذا الشاهد، تتحولُ "جرارُ الماءِ" و"القميصُ الرثُّ" إلى دالَّاتٍ سيميائيةٍ تكتظُّ بالمعنى، حيثُ يغدو الفراغُ زمناً مستهلكاً، ويصبحُ "الظلُّ" هو الذاكرةَ التي ترفضُ الفناء، في عمليةِ موازنةٍ دقيقةٍ بينَ هشاشةِ الكائنِ وصلابةِ القصيدةِ التي تحميهِ من التلاشي.
وهكذا، يظلُّ ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" فضاءً مفتوحاً على التأويلِ السيميائي، فكلُّ قصيدةٍ فيهِ تعملُ كـ "علامةٍ مضاعفة" تشيرُ إلى فراغٍ أوسعَ خارجَ حدودِ النص، لتتحولَ "العناقاتُ" المذكورةُ في العنوانِ إلى "عناقٍ سيميائي" بينَ الدالِ والمدلول، وبينَ الذاتِ والعالم، وبينَ الظلِّ وضوئه، مما يجعلُ من تجربةِ نمر سعدي الشعريةِ برمتها صرخةً جماليةً عميقةً في وجهِ العدم، وإعلاناً عن قدرةِ الكلمةِ على استعادةِ التوازنِ في عالمٍ يبدو وكأنهُ مصلوبٌ على حدودِ المسافةِ بينَ الحلمِ والواقع.
إنَّ هذا التلاحمَ بين "الظلِّ" و"الفراغ" في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات" لا يقتصرُ على البعدِ الميتافيزيقي، بل يتجلى أيضاً في توظيفِ الشاعرِ نمر سعدي لـ "سيميائية الحواس" التي تكسرُ حدةَ الفراغِ وتجعلُ منهُ فضاءً ملموساً؛ فالشاعرُ يمارسُ طقوساً لغويةً لتحويلِ الغيابِ إلى رائحةٍ أو لمسةٍ، وهو ما نلمسهُ في قوله: "بفمي أمسِّدُ شَعرَ أغنيةٍ / وأسندُ فكرةً شعريَّةً أولى على حجرِ الأنينْ". إنَّ تحويلَ "الأغنية" إلى خصلةِ شعرٍ، و"الأنين" إلى حجرٍ، يمثلُ استراتيجيةً سيميائيةً لإعادةِ تجسيدِ الغائبِ، حيثُ يغدو الجسدُ اللغويُّ للقصيدةِ هو الملاذُ الأخيرُ للذاتِ الشاعرةِ لتهربَ من "مملكةِ الفراغِ" إلى "مملكةِ الإحساسِ".
ومع تعمقنا في قراءة الديوان، ندركُ أنَّ نمر سعدي يبتكرُ سيميائيةً للمكانِ المتخيَّلِ، حيثُ تتداخلُ الجغرافيا الحقيقية (الجليل، حيفا، يافا) مع جغرافيا الظلالِ والأحلام؛ فالأماكنُ عنده ليست مجردَ إحداثياتٍ جغرافية، بل هي علاماتٌ أيقونيةٌ مشبعةٌ بالحنينِ، يقولُ في هذا السياق: "من حيفا إلى يافا الجميلةِ / من قبابِ القدسِ.. من عطرِ الدوالي في الخليلِ / إلى فراديس الجليلِ وشمسِ ذاكرةِ الطفولةِ". إنَّ هذا السردَ المكانِيَّ ليسَ توثيقياً، بل هو محاولةٌ سيميائيةٌ لملءِ "فراغِ اللجوءِ" و"اغترابِ الروحِ" عبرَ استحضارِ عناصرِ الطبيعةِ التي تتحولُ في الديوانِ إلى "أشباحٍ ظليلة" لا تكفُّ عن مرافقةِ الشاعرِ في تيهِهِ.
إنَّ "تضاعفَ العناقاتِ" في العنوانِ ينتهي بنا إلى استنتاجٍ نقديٍ مفادُهُ أنَّ الشعرَ عند سعدي هو "فنُّ العناقِ المستحيلِ"؛ فهو يعانقُ غيابَ الحبيبةِ بفيضٍ من الكلماتِ، ويعانقُ فراغَ الوجودِ بجمالِ الاستعارةِ، ويعانقُ الموتَ بـ "قبَّرةِ القلبِ" الخفيفةِ التي ترفضُ السقوطَ في العتمة. وهكذا، ينجحُ الديوانُ في أن يكونَ مرآةً سيميائيةً لا تعكسُ العالمَ كما هو، بل كما يشتهي الشاعرُ أن يراهُ: ممتلئاً بالظلالِ التي لا تموتُ، وبالعناقاتِ التي لا تنتهي، في مسارٍ سرديٍ وشعريٍ يحتفي بـ "فراغِ المعنى" ليمنحهُ آلافَ المعاني المتجددة.
ختاماً لهذه القراءة السيميائية في ديوان "ظلال مضاعفة بالعناقات"، يتضحُ أنَّ نمر سعدي قد نجح في صياغةِ "أبجديةٍ للظلال" لا تتكئُ على السكون، بل على حركةٍ دائمةٍ بين الحضورِ والغياب، حيثُ تتحولُ القصيدةُ إلى جسدٍ لغويٍّ يتنفسُ من مساماتِ الفراغِ الوجودي. إنَّ هذا الديوانَ يتجاوزُ كونهُ مجردَ نصوصٍ شعريةٍ عابرةٍ ليغدو "نظاماً علامياً" متكاملاً، يُعيدُ فيهِ الشاعرُ إنتاجَ العالمِ عبرَ عدسةِ "الظلِّ" الذي يتضاعفُ كلما اقتربتْ منهُ نارُ التجربةِ أو برودةُ العزلة، لتصيرَ كلُّ قصيدةٍ بمثابةِ "توقيعٍ سيميائي" يملأُ الفراغَ بدلالاتٍ لا تنضب.
لقد أثبتت هذه القراءةُ أنَّ نمر سعدي في ديوانه هذا لا يكتبُ عن الوجودِ فحسب، بل يمارسُ "تأويلاً وجودياً" للفراغ، مُحوّلاً إياه من "عدمٍ" إلى "رحمٍ للرؤيا"، وهو ما يفسرُ إلحاحَهُ في الديوانِ على مفرداتِ "الماء، العشب، الفراشة، والناي"، بوصفها عناصرَ سيميائيةً تمنحُ الفراغَ طعماً وملمساً. إنَّ براعةَ الشاعرِ تكمنُ في قدرتهِ على جعلِ "العناقاتِ" – رغمَ طابعها الاستعاري – ملاذاً حقيقياً للذاتِ الشاعرةِ المتمسكةِ بـ "قبَّرتها الخفيفة" في وجهِ زمهريرِ الواقعِ. وهكذا، يظلُّ هذا المنجزُ الشعريُّ علامةً فارقةً في المشهدِ الفلسطيني والعربي، داعياً القارئَ دائماً لا لأن يقرأَ الكلماتِ فحسب، بل لأن يقرأَ "الظلالَ" التي تكمنُ خلفَ الكلماتِ، مستكشفاً تلكَ المساحاتِ الشاسعةَ من المعنى التي يتركها سعدي عمداً في فراغِ قصيدتهِ ليملأها وعيُ المتلقي بأسئلتِهِ الوجوديةِ والجمالية.
بقلم / الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / ناقدة وكاتبة وأكاديميَّة من العراق