اختيار مرشحي حركة فتح للمجلس التشريعي... بين استحقاق الإصلاح وضرورة استعادة الثقة

اختيار مرشحي حركة فتح للمجلس التشريعي... بين استحقاق الإصلاح وضرورة استعادة الثقة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

إذا ما جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في المرحلة المقبلة، فإن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ستكون أمام اختبار هو الأهم منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ليس فقط في قدرتها على خوض الانتخابات، وإنما في قدرتها على استعادة ثقة قواعدها التنظيمية والرأي العام الفلسطيني عبر آلية شفافة وعادلة لاختيار مرشحيها.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن المشكلة لم تكن في غياب الكفاءات داخل الحركة، بل في آليات الاختيار التي غلبت عليها أحياناً الاعتبارات الشخصية، والمحاصصة التنظيمية، ومراكز النفوذ، والتوازنات الوقتية، على حساب الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل الشعب الفلسطيني. وكانت النتيجة انقسامات داخلية، وقوائم موازية، وتراجعاً في الثقة الشعبية، وضعفاً في الأداء البرلماني، وهو ما لا يجوز تكراره في ظل التحديات الوطنية غير المسبوقة التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سيكون مرشح حركة فتح؟ وإنما: كيف سيتم اختيار المرشح؟ لأن سلامة المنهج أهم من هوية الأشخاص، وعدالة الإجراءات هي الضمانة الوحيدة لإنتاج قيادة تشريعية قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية.

ومن هنا، فإن المطلوب من اللجنة المركزية لحركة فتح أن تتجاوز الأساليب التقليدية، وأن تعتمد نهجاً مؤسسياً قائماً على تشكيل لجنة وطنية عليا مستقلة لاختيار المرشحين، تضم شخصيات مشهوداً لها بالكفاءة والاستقلالية والنزاهة، بحيث لا تقتصر عضويتها على القيادات التنظيمية، وإنما تشمل قضاة ومحامين وأساتذة جامعات وخبراء في الإدارة والقانون والاقتصاد، وممثلين عن النقابات المهنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشخصيات الوطنية المستقلة ذات السمعة العامة الحسنة. فكلما اتسعت دائرة المشاركة في صناعة القرار، تراجعت الشخصنة، وازدادت شرعية النتائج، وتعززت ثقة القاعدة التنظيمية والجمهور.

إن المجلس التشريعي ليس مجلساً للوجاهة الاجتماعية أو للمكافآت التنظيمية، بل هو سلطة دستورية تضطلع بمهام التشريع والرقابة وصياغة السياسات العامة، الأمر الذي يفرض اعتماد معايير صارمة لا يجوز التهاون فيها. وفي مقدمة هذه المعايير: النزاهة المالية ونظافة اليد، والسيرة الوطنية المشرفة، والكفاءة العلمية والمهنية، والخبرة في الشأن العام، والقدرة على التشريع والرقابة، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والالتزام المؤسسي، والقبول المجتمعي، والقدرة على مخاطبة الناس والدفاع عن حقوقهم، بعيداً عن الشعبوية أو المصالح الفئوية الضيقة.

كما ينبغي إخضاع جميع المرشحين لعملية تقييم موضوعية تعتمد نظاماً واضحاً للنقاط، ومقابلات مهنية، وتدقيقاً في السيرة الذاتية والسلوك العام، وأخذ رأي الأطر التنظيمية في المحافظات، دون أن يتحول ذلك إلى باب للمحسوبيات أو الضغوط الشخصية.

ولا تقل أهمية عن ذلك قضية التوزيع الجغرافي العادل للمرشحين. فالقائمة الوطنية لا يمكن أن تنجح إذا شعر أي إقليم أو محافظة بالتهميش أو الإقصاء. لذلك يجب أن يستند التمثيل إلى معايير موضوعية تراعي عدد السكان، والثقل التنظيمي، والخصوصية الوطنية لكل محافظة، مع ضمان تمثيل القدس باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية، وتحقيق التوازن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين المدن والقرى والمخيمات، فضلاً عن تمثيل المرأة والشباب وأصحاب الاختصاص في القانون والاقتصاد والطب والهندسة والتعليم والإدارة، لأن التشريع الحديث يحتاج إلى تنوع في الخبرات لا إلى تشابه في الخلفيات.

لقد علمتنا التجارب السابقة أن غياب العدالة والشفافية في اختيار المرشحين كان أحد أسباب الانقسام الداخلي، وإضعاف الحضور الانتخابي، وإحباط القواعد التنظيمية، وهو ما يستوجب مراجعة نقدية شجاعة لا تتوقف عند الأشخاص، بل تمتد إلى المنهج وآليات صناعة القرار.

وفي هذا السياق، يصدق قول ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران." وإذا كان الظلم يهدم الدول، فإن الظلم في توزيع الفرص داخل المؤسسات يهدم ثقة أعضائها ويضعف قدرتها على التجدد. كما يقول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب." وهي قاعدة تؤسس لثقافة الشورى واحترام الرأي الآخر، بعيداً عن الإقصاء والانفراد بالقرار. أما مونتسكيو فقد أكد أن: "الفضيلة هي روح النظام الجمهوري." ولا فضيلة في العمل السياسي من دون نزاهة وعدالة ومساءلة.

إن حركة فتح، باعتبارها قائدة المشروع الوطني الفلسطيني وصاحبة الإرث النضالي الأكبر، مطالبة اليوم بأن تقدم نموذجاً متقدماً في الديمقراطية الداخلية والحوكمة الرشيدة، وأن تجعل من اختيار مرشحيها نموذجاً وطنياً يحتذى، لا مجرد إجراء تنظيمي عابر. فالانتخابات ليست مناسبة لتوزيع المواقع، وإنما محطة لإعادة بناء الثقة وتجديد الشرعية واستنهاض الطاقات الوطنية.

إن حسن اختيار المرشحين هو المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة الشارع الفلسطيني، وتعزيز وحدة الحركة، وتشكيل كتلة برلمانية تمتلك الكفاءة والقدرة على التشريع والرقابة والدفاع عن الثوابت الوطنية في مرحلة تُعد من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية. فالأوطان لا تبنى بالمجاملات، وإنما بالكفاءات، والمؤسسات لا تنهض بالمحاصصة، وإنما بالاستحقاق، وحركات التحرر لا تتجدد إلا عندما تجعل النزاهة والكفاءة والعدالة أساساً لكل قرار تتخذه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...