د. أحمد الحطاب - التَّآمر على الإسلام، شمَّاعة علماء وفقهاء الدين

الشمَّاعة، بالمعنى اللُّغوي sens linguistique، هي قطعة الأثاث التي يُعلِّق عليها الناسُ الملابسَ بعد نزعِها من فوق الجسم. والآن، سأُبيِّن كيف انتقلت الشماعة، كقِطعة أثاثٍ، من المعنى اللغوي إلى المعنى المجازي au sens figuré.

وظيفة الشماعة، هي حملُ الملابس. أما الحملُ، كفعلٍ أو سلوك بشري يقوم به شخصٌ ما أو إن هذا الشخص هو المسؤول عن وضع اللباس فوق الشماعة، أي أن وظيفةَ قطعة الأثاث أو الشماعة تبرِّر الفعلَ أو السلوكَ أو مسؤوليةَ وضعِ اللباسِ فوق هذه الشماعةِ.

فحينما يريد شخصٌ ما أن يتنصَّلَ من مسؤولية ما، مثلاً، في عدم النجاح في أمرٍ من الأمور، أو الفشل فيه، أو الإخفاق فيه…، فإنه يحاول أن يجدَ شماعةً تكون بمثابة ذريعةٍ un prétexte أو سبب وهمي une cause imaginaire يُلصِق بها تنصُّلَه من المسؤولية. وفي غالب الأحيان، يكون عدم النجاح أو الفشل أو الإخفاق له علاقة بتصرُّف الآخرين أو بالظروف التي يتم فيها الإخفاق أو الفشل. وحينما نقول ذريعة أو سبب وهمي، فالأمر يتعلَّق بالشخص الذي ليس له دليلٌ يُبين، بوضوحٍ، أن إخفاقَه أو فشلَه راجعٌ إلى تصرُّف الآخرين أو للظروف المحيطة les circonstances environnantes.

وللاستشهاد الحي، نأخذ كمثالٍ "سقوط تلميذ في امتحانٍ ما"، فإنه، إما أن يُسنِدَ سببَ سقوطه في الامتحان لتصرُّف المدرس (المُصحِّح) الذي لم يُعطِهِ النقطةَ التي يستحقُّها أو للحظ الذي لم يُساعده على النجاح. فأين هي الشماعة هنا؟ الشماعة، هنا، هي تصرُّف المدرس أو الحظ الذي لم يكن حاضرا أثناءَ الامتحان. التلميذ، هنا تنصَّل من مسؤولية سقوطه في الامتحان. الغير أو الظروف هما المسؤولان عن هذا السقوطِ في الامتحان.

هذا هو، بالضبط، حال علماء وفقهاء الدين الذين جعلوا من "نظرية المؤامرة" شماعتَهم المفضَّلة. فكلما تحرَّك مَن يصفونهم بالكفار أو مارسوا حرِّيتَهم في التَّعبير عن آرائهم أو انتقدوا تصرفا من تصرفات علماء وفقهاء التراث الديني، كلما لجأ هؤلاء العلماء والفقهاء إلى شماعتِهم المفضلة، أي إلى "نظرية المؤامرة".

والحقيقة كل الحقيقة، هي أن هؤلاء العلماء والفقهاء، عوض أن يُصارِحوا الناسَ بحقائق الإسلام الوارد في القرآن الكريم، فإنهم يُخفون هذه الحقائق عن الناس، أي لا يقولون الحقيقة للناس حول العقيدة الإسلامية. أو إنهم يُحرِّفونها لتخدمَ مصالحَهم الفردية والجماعية.

مثلاً، القرآن الكريم يقول إن الدينَ، أي الإسلامَ، لاإكراهَ فيه، بينما علماء وفقهاء الدين يجعلون من الإسلام دينا يجب فرضُه على الغير، طوعاً أو كرهاً. طوعاً، أي عن قناعة هذا الغير. كرهاً، أي بالقوة. والقوة، إما أن تكونَ مَبنيةً على التهديد والتخويف والتَّرهيب، وإما أن تكونَ مبنِيةً على السلاح (السيف) إن اقتضى الحال. ومن هذا المنطلق، أتت الغزوات، أو ما يُسمونه الفتوحات والحروب والاعتداء على الغير. فلماذا علماء وفقهاء الدين يُخفون حقائق الدين على الناس؟

يُخفون الحقائق على الناس، خوفاً على ضياع مصالِحِهم الشخصية أو الجماعِية، أو عندما يُحسُّون أن مصالِحَهم مهددة بالزوال أو النُّقصان. حينها، يلجأون إلى هذه الشماعة، أي يتَّهمون الغيرَ ب"التَّآمُر" على الدين الإسلامي، حتى تبقى مصالِحُهم على ما هي عليه، علماً أن هذه المصالِح مُتنوِّعة، ويمكِن تلخيصُها فيما يلي :

1.ولعل أهمَّ مصلحةٍ يتشبَّثُ بها هؤلاء العلماء والفقهاء، هي مكانتُهم داخلَ المجتمع، ومن خلالِها، سيطرتُهم على عقول شريحةٍ عريضة من عامة الناس، بعلمِهم وفِقهِهم المبني على التَّخويف la frayeur أو l'intimidation والترعيب la terreur.

عادةً، المسلمُ المؤمِن، أي المسلم القوي الإيمان بالله وذو الأخلاق السامٍية، يُكِنُّ له المجتمعُ احتراماً كبيراً ويضعه في مرتبةٍ عالية من الوقار والإجلال والتَّعظيم. وعلماء وفقهاء الدين ينتَمون إلى هذه الفئة من المُحتَرمين، ومكانتُهم في المجتمع رفيعةٌ عند كثيرٍ من الناس.

2.يخافون من فقدان سلطتِهم الروحية والسياسية. الروحية، من خلال أحكامهم وفتاواهم الدينية التَّخويفية à travers leurs prescriptions et fatwa religieuses terrorisantes. السياسية، من خلال السكوت عن المُنكر والفساد اللذان ينخُران المجتمعات الإسلامية. عادةً، أول مَن يثور ضد المُنكر والفساد، هم علماء وفقهاء الدين. لماذا؟ لأن المنكرَ والفسادَ ليسا من قِيَم الإسلام. الإسلام جاء لإسعاد الناس وليس لتَخويفهم وترهيبهم. عادةً، إذا كان علماء وفقهاء الدين، فعلا، من حملَةِ قِيَمِ رسالة الإسلام، فهم أول مَن يثور ضد انتشار المنكر والفساد في المجتمعات الإسلامية. لكنهم يسكتون أمامَ هاتين الآفتين ويغضون عنها الطرفَ، حِفاظاً على مصالحهم الفردية والجماعية.

3.يخافون من ضياع امتيازاتِهم المادية التي تصرِفها لهم الدولة، علما أن هذه الامتيازات المادية تبقى طيَّ الكِتمان بالنسبة للعلماء الأعضاء في المجلس الأعلى للعلماء المغاربة.

4.يخافون من أن يضيعَ يقينُ عامة الناس فيما يُصدرونه من أحكام وفتاوى. وإذا ضاع يقين هؤلاء الناس، ضاعت معه سيطرتُهم على العقول، وضاعت معه، كذلك، سيطرتُهم على شريحة عريضة من المجتمعات الإسلامية.

5.يخافون من ضياع احتِكارِهم لتفسير النصوص الدينية، علما أن هذه النصوص، وخصوصا، القرآنية منها، موجهة للبشرية جمعاء.، أي إلى عقول جميع الناس

6.علماء وفقهاء الدين يعتبِرون أنفسَهم أوصياء على الناس في الأمور الدينية، وليس مجرد "باحثين" مثلُهم مثل جميع الباحثين الموجودين في الجامعات أو في مراكز البحث، يُنتِجون المعرفة العلمية التي تُساهِم في تقدم البلاد وازدهارها. علما أنه لا وجودَ للوسطاء بين الخالِق ومخلوقاته البشرية.

و"نظرية المّؤامرة"، بحكم ترديدِها وتكرارها من طرف علماء وفقهاء الدين، أصبحت عبارةً عن ثقافة اجتماعية أو مجتمعية، أو إن شئنا، عبارة عن واقعٍ ملموسٍ يتداوله الناسُ في أحاديثِهم اليومية، مُعتقِدين، فعلاً وبدون دليلٍ، أن الإسلامَ مهدَّدٌ، في وجودِه. فلماذا يتآمر الغيرُ على الدين الإسلامي؟ وفيما يلي، سأُجيب على هذا السؤال، بطرح التساؤلات التالية :

1.هل العالم الإسلامي هو مَن يقود باقي بلدان القارات الخمس، سياسياً، جيوسياسياً، جيواقتصادياً، علمياً وتكنولوجياً ليتآمرَ عليه الغير؟

2.هل العالم الإسلامي ساهم ويُساهِم، ولو بأبسطِ الأمور، في المسيرة العلمية والتِّكنولوجية التي أنشأَها الغربُ وساعد على انتشارها بين الأمم؟ علماً أن المفكرين والفلاسفة الذين برزوا في عهد الأمويين والعباسيين أو الذين تميزوا بأفكارهم في الأندلس، عانوا من تُهَمِ التكفير anathème والزندقة l'impiété أو الإلحاد l'athéisme.

3.هل الدين (الإسلام أو اليهودية أو المسيحية) هو الذي مكَّن الأممَ الغربيةَ من بلوغ مستويات عالية في التَّقدُّم العلمي والتكنولوجي أم العقل وأنماط التفكير؟ بالطبع لا، ثم لا، ولاشيءَ غير لا. الدين جاء لإسعاد البشر وليس لتخويفِهم وترهيبهم عن طريق الدين الموازي الذي جاء به التراث المُتوارث. أما الإنتاج العلمي والتِّكنولوجي، فمصدره العقل البشري وليس الدين.

4.هل الدين (الإسلام) هو الذي أرغم علماء وفقهاء الدين على استِعمال بعض الوسائل التكنولوجية، في بيوتِهم وخارجَها، أم الضرورة هي التي فرضت عليهم هذا الاستعمال؟

5.هل الدين (الإسلام أو اليهودية أو المسيحية) يتنافى مع استعمال العقل فيما ينفع البلادَ العبادَ؟ بالعكس، الله، سبحانه وتعالى، في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يحثُّ عبادَه على استعمال العقل والتَّفكُّر في الكون وفي آياتِه. بل الله، عزَّ وجلَّ، يدعو الناسَ أجمعين لتدبُّر آياتِ القرآن. والتَّدبُّر غير ممكنٍ، في غياب العقل البشري.

6.هل الدين (الإسلام أو اليهودية أو المسيحية) هو المسؤول عن إعمارِ الأرض أم العقل البشري؟ علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، أوصى عبادَه بإعمار الأرض. والأرضُ لا بمكِن، على الإطلاق، تعميرُها بدون إنتاج المعرفة النظرية la connaissance théorique والمعرفة القابلة للتطبيق على أرض الواقع la connaissance appliquée التي قد تتحوَّل إلى آلة outil أو جهاز appareil أو بنية تحتِية تساهم، بكيفيةٍ أو أخرى، في هذا الإعمار. بالطبع، العقل هو المسؤول عن إنتاج المعرفة النظرية والتَّطبيقية…

وفي الختام، الدين يرسم طريقَ الخير، والعقلُ، عليه أن يتَّبعَ هذا الطريق، لإنتاج معرفة تنفع البلادَ والعبادَ أو تخدم الصالح العام. لكن علماء وفقهاء الدين، عوض أن يجتهدوا ليُوصوا الناسَ بالانفتاح على العوالم المُتقدِّمة علمياً وتكنولوجياً للاستفادة من تقدُّمها، فإنهم يتهمون هذه العوالم بالتَّآمر على الإسلام. وهذا الوضع هو الذي جعل العالمَ الإسلامي متأخّرا بسنوات عن الركب العلمي والتِّكنولوجي الذي يسير بسرعةٍ فائقة، وبالتالي، لن ينتظرَ أحداً لبلوغه، أو على الأقل، المساهمة في مسيرتِه. لا ثم لا لأن بعض علماء وفقهاء الدين يوصون بعدم استعمال العقل، لأن استِعمالَه قد يقود الناس إلى ارتكاب المعاصي. ما هذا التناقض؟

الله،سبحانه وتعالى، يوصي الناسَ باستِعمال العقل ومَن نصَّبوا أنفسَهم أوصياء على الناس في الأمور الدينية، يوصون الناسَ بعدم استعماله! ولهذا، فإعمار الأرضِ راجع لمَن شغلوا عقولهم وليس للعالم الإسلامي المُتديِّن بدينٍ موازي لذلك الذي جاء به القرآن الكريم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...