بعد أن نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً حول أكثر الكتب مبيعاً في أمريكا، بحثتُ عن أكثرها مبيعاً في فرنسا وبريطانيا، وظهر لي صعوبة تفهم سيكولوجية هذه الشعوب الراهنة من خلال رصد أهم الكتب مبيعاً؛ فتوجهتُ إلى السينما فوجدتُ فيها جواباً أشد وضوحاً. فمن خلال تصدّر أفلام بعينها استقطاب الجمهور، يمكن أن نحصد رؤية أنصع لتركيبة المجتمعات آنفة الذكر.
إذا كانت الكلمة المكتوبة تمثل وعي النخبة، فإن السينما هي المرآة البصرية التي تعكس "اللاشعور الجمعي" للجماهير. إن تفحص نوعية الأفلام التي يقبل عليها المشاهدون اليوم في أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، يمنحنا تشريحاً سيكولوجياً حياً لحركة هذه المجتمعات، وكيف تعيش وتفكر في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، بعيداً عن القشور السطحية.
أولاً: المجتمع الأمريكي (سيكولوجية التوجس، وأزمة الثقة، والديستوبيا الواقعية)
يمر المجتمع الأمريكي اليوم بحالة استقطاب حاد وشعور عميق بالقلق من المستقبل، وهو ما انعكس جذرياً على شباك التذاكر؛ حيث تشهد السينما الأمريكية تراجعاً هائلاً لأفلام "الأبطال الخارقين" الخيالية، لصالح أفلام الإثارة النفسية والديستوبيا الواقعية الحادة (أفلام انهيار النظام الاجتماعي أو الكوارث الداخلية)، وهو ما يضيء الأعماق التالية:
الخوف من انهيار "النظام": إن إقبال الأمريكيين على أفلام تفكك المؤسسات يعكس خوفاً حقيقياً من انهيار "الحلم الأمريكي". ويتجلى هذا بوضوح في النجاح الكبير لفيلم "حرب أهلية" الذي ظهر سنة 2024 ليتخيل انقساماً مسلّحاً داخل الولايات المتحدة، وفيلم "اترك العالم خلفك" الذي أُنتج سنة 2023 ويصور انهياراً مفاجئاً لشبكات الاتصالات والنظام العام. العقل الأمريكي لم يعد يصدق وهم البطل الخارق، بل يبحث عن واقعية قاسية تشبه قلقه اليومي.
التوجس من "الآخر" وفردية النجاة: تعكس الأفلام الحالية التي تدور حول تهديد غامض يقتحم أمن البيت سيكولوجية المواطن الذي فقد الثقة في قدرة الدولة؛ مثل فيلم "أنطولوجيا الرعب" الصادر سنة 2023، وفيلم "البيوت المظلمة" الذي ظهر سنة 2024، حيث يجد الفرد نفسه معزولاً ومطالباً بالدفاع عن عائلته بنفسه ضد مجهول يتربص به.
أزمة الثقة وكشف المستور: تبرز بقوة أفلام التحقيقات والمؤامرات السياسية والمالية؛ مثل فيلم "أوبنهايمر" الذي عُرض سنة 2023 وناقش كواليس السلطة والتضحية بالعلماء، وفيلم "قاتلو زهرة القمر" الصادر في السنة نفسها 2023 والذي يفكك الجشع التاريخي الممنهج. هذا الإقبال يوضح أن الإنسان الأمريكي يعيش أزمة شك حادة تجاه النخبة الحاكمة.
ثانياً: المجتمع البريطاني (سيكولوجية النكوص، والحنين للماضي، والهروب الطبقي)
في المقابل، يعيش المجتمع البريطاني مخاضاً سيكولوجياً مختلفاً يرتبط بأزمة الهوية بعد المتغيرات السياسية والاقتصادية الأخيرة وتراجع الدور العالمي لبريطانيا. هذا القلق يدفعه نحو الدراما التاريخية والاجتماعية الممسرحة وأفلام الجريمة الريفية المعزولة:
آلية الدفاع بالنكوص (Nostalgia): يتجلى هرب المشاهد البريطاني إلى الماضي كحالة "حنين جماعي" إلى زمن القوة والأناقة الأرستقراطية. ويدل على ذلك الشغف الهائل بفيلم ومسلسل "داونتون آبي" الذي ظهرت نسخته السينمائية الأخيرة سنة 2022، وفيلم "المنطقة الرمادية" الصادر سنة 2023؛ حيث يلوذ المواطن بواقع قديم ومستقر يحميه من مرارة الحاضر.
الكتمان وراء جدار التقاليد: يفضل البريطانيون الأفلام القائمة على حوارات باردة وذكية؛ مثل فيلم "سولت بورن" الذي أُنتج سنة 2023 ويشرح الغيرة والطبقية داخل قصر بريطاني عتيق، وفيلم الجريمة والغموض "أرواح إنيشيرين" الصادر سنة 2022 في بلدات معزولة. سيكولوجياً، يعكس هذا رغبة المجتمع في إخفاء تصدعاته المعاصرة وراء قناع من الرصانة والتقاليد القديمة.
الهروب الطبقي: تمثل هذه السينما ملاذاً لإعادة ترتيب العلاقات الإنسانية في بيئة مثالية؛ مثل فيلم "الوصايا الثلاث" الذي ظهر سنة 2024 ودار في ريف بريطاني ساحر، هرباً من صخب وتلوث المدن الكبرى المعاصرة وضغوطها المعيشية.
ثالثاً: المجتمع الفرنسي (سيكولوجية المواجهة، والنقد الذاتي، وصراع الهويات)
أما السوق الفرنسي، فيبدو الأكثر عناداً وتمسكاً بخصوصيته؛ فالفرنسيون يرفضون القوالب التجارية الجاهزة، ويفضلون السينما الواقعية الحادة (سينما المؤلف) والكوميديا السوداء التي تلامس القضايا الاجتماعية مباشرة:
السينما كامتداد للمقهى الفكري: لا يذهب الفرنسي إلى السينما ليرتاح، بل يذهب ليواجه واقعه. ويظهر ذلك في الاكتساح الهائل لفيلم "تشريح سقطة" الذي ظهر سنة 2023 ونال جوائز عالمية وفرنسية كبرى؛ حيث يقوم على تفكيك معقد للعلاقات الزوجية والحقيقة داخل المحكمة، وينتهي بأسئلة مفتوحة، مما يعكس سيكولوجية مجتمع يقدس الجدل والنقاش الفلسفي.
تشريح صراع الهويات والضواحي: تعكس الأفلام الفرنسية المعاصرة بجرأة قضايا الهجرة وتصادم الثقافات؛ مثل فيلم "البؤساء" بنسخته المعاصرة الصادرة سنة 2019 وفيلم "غرباء الليل" الذي ظهر سنة 2022، وهما يرصدان الفجوة بين باريس النخبوية والضواحي المهمشة، وهي سيكولوجية "نقد ذاتي صارم" تجاه الهوية.
الدفاع عن المحلية ضد الاستهلاك العالمي: يرى الفرنسي في سينماه خط الدفاع الأخير عن ثقافته؛ ولذلك يفضل الأفلام المحلية ذات البناء السيكولوجي المركب؛ مثل فيلم "المملكة الحيوانية" الصادر سنة 2023 والذي يدمج بين الفانتازيا والواقعية الفرنسية الخالصة، بعيداً عن صخب السينما الأمريكية التجارية البحتة.
خلاصة القول:
إن السينما تفضح ما تحاول السياسة إخفاءه؛ فبينما يشاهد الأمريكي أفلاماً مثل "حرب أهلية (2024)" ليتعايش مع توجسه وخوفه المستمر من تفكك نظامه، يلوذ البريطاني بأعمال مثل "داونتون آبي (2022)" ليهرب إلى ماضٍ ذهبي يحميه من الحاضر، في حين يقف الفرنسي أمام شاشة "تشريح سقطة (2023)" شاحذاً أدواته الفكرية ليواجه أزمته الاجتماعية ويثبت حضور هويته المحلية.
إذا كانت الكلمة المكتوبة تمثل وعي النخبة، فإن السينما هي المرآة البصرية التي تعكس "اللاشعور الجمعي" للجماهير. إن تفحص نوعية الأفلام التي يقبل عليها المشاهدون اليوم في أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، يمنحنا تشريحاً سيكولوجياً حياً لحركة هذه المجتمعات، وكيف تعيش وتفكر في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، بعيداً عن القشور السطحية.
أولاً: المجتمع الأمريكي (سيكولوجية التوجس، وأزمة الثقة، والديستوبيا الواقعية)
يمر المجتمع الأمريكي اليوم بحالة استقطاب حاد وشعور عميق بالقلق من المستقبل، وهو ما انعكس جذرياً على شباك التذاكر؛ حيث تشهد السينما الأمريكية تراجعاً هائلاً لأفلام "الأبطال الخارقين" الخيالية، لصالح أفلام الإثارة النفسية والديستوبيا الواقعية الحادة (أفلام انهيار النظام الاجتماعي أو الكوارث الداخلية)، وهو ما يضيء الأعماق التالية:
الخوف من انهيار "النظام": إن إقبال الأمريكيين على أفلام تفكك المؤسسات يعكس خوفاً حقيقياً من انهيار "الحلم الأمريكي". ويتجلى هذا بوضوح في النجاح الكبير لفيلم "حرب أهلية" الذي ظهر سنة 2024 ليتخيل انقساماً مسلّحاً داخل الولايات المتحدة، وفيلم "اترك العالم خلفك" الذي أُنتج سنة 2023 ويصور انهياراً مفاجئاً لشبكات الاتصالات والنظام العام. العقل الأمريكي لم يعد يصدق وهم البطل الخارق، بل يبحث عن واقعية قاسية تشبه قلقه اليومي.
التوجس من "الآخر" وفردية النجاة: تعكس الأفلام الحالية التي تدور حول تهديد غامض يقتحم أمن البيت سيكولوجية المواطن الذي فقد الثقة في قدرة الدولة؛ مثل فيلم "أنطولوجيا الرعب" الصادر سنة 2023، وفيلم "البيوت المظلمة" الذي ظهر سنة 2024، حيث يجد الفرد نفسه معزولاً ومطالباً بالدفاع عن عائلته بنفسه ضد مجهول يتربص به.
أزمة الثقة وكشف المستور: تبرز بقوة أفلام التحقيقات والمؤامرات السياسية والمالية؛ مثل فيلم "أوبنهايمر" الذي عُرض سنة 2023 وناقش كواليس السلطة والتضحية بالعلماء، وفيلم "قاتلو زهرة القمر" الصادر في السنة نفسها 2023 والذي يفكك الجشع التاريخي الممنهج. هذا الإقبال يوضح أن الإنسان الأمريكي يعيش أزمة شك حادة تجاه النخبة الحاكمة.
ثانياً: المجتمع البريطاني (سيكولوجية النكوص، والحنين للماضي، والهروب الطبقي)
في المقابل، يعيش المجتمع البريطاني مخاضاً سيكولوجياً مختلفاً يرتبط بأزمة الهوية بعد المتغيرات السياسية والاقتصادية الأخيرة وتراجع الدور العالمي لبريطانيا. هذا القلق يدفعه نحو الدراما التاريخية والاجتماعية الممسرحة وأفلام الجريمة الريفية المعزولة:
آلية الدفاع بالنكوص (Nostalgia): يتجلى هرب المشاهد البريطاني إلى الماضي كحالة "حنين جماعي" إلى زمن القوة والأناقة الأرستقراطية. ويدل على ذلك الشغف الهائل بفيلم ومسلسل "داونتون آبي" الذي ظهرت نسخته السينمائية الأخيرة سنة 2022، وفيلم "المنطقة الرمادية" الصادر سنة 2023؛ حيث يلوذ المواطن بواقع قديم ومستقر يحميه من مرارة الحاضر.
الكتمان وراء جدار التقاليد: يفضل البريطانيون الأفلام القائمة على حوارات باردة وذكية؛ مثل فيلم "سولت بورن" الذي أُنتج سنة 2023 ويشرح الغيرة والطبقية داخل قصر بريطاني عتيق، وفيلم الجريمة والغموض "أرواح إنيشيرين" الصادر سنة 2022 في بلدات معزولة. سيكولوجياً، يعكس هذا رغبة المجتمع في إخفاء تصدعاته المعاصرة وراء قناع من الرصانة والتقاليد القديمة.
الهروب الطبقي: تمثل هذه السينما ملاذاً لإعادة ترتيب العلاقات الإنسانية في بيئة مثالية؛ مثل فيلم "الوصايا الثلاث" الذي ظهر سنة 2024 ودار في ريف بريطاني ساحر، هرباً من صخب وتلوث المدن الكبرى المعاصرة وضغوطها المعيشية.
ثالثاً: المجتمع الفرنسي (سيكولوجية المواجهة، والنقد الذاتي، وصراع الهويات)
أما السوق الفرنسي، فيبدو الأكثر عناداً وتمسكاً بخصوصيته؛ فالفرنسيون يرفضون القوالب التجارية الجاهزة، ويفضلون السينما الواقعية الحادة (سينما المؤلف) والكوميديا السوداء التي تلامس القضايا الاجتماعية مباشرة:
السينما كامتداد للمقهى الفكري: لا يذهب الفرنسي إلى السينما ليرتاح، بل يذهب ليواجه واقعه. ويظهر ذلك في الاكتساح الهائل لفيلم "تشريح سقطة" الذي ظهر سنة 2023 ونال جوائز عالمية وفرنسية كبرى؛ حيث يقوم على تفكيك معقد للعلاقات الزوجية والحقيقة داخل المحكمة، وينتهي بأسئلة مفتوحة، مما يعكس سيكولوجية مجتمع يقدس الجدل والنقاش الفلسفي.
تشريح صراع الهويات والضواحي: تعكس الأفلام الفرنسية المعاصرة بجرأة قضايا الهجرة وتصادم الثقافات؛ مثل فيلم "البؤساء" بنسخته المعاصرة الصادرة سنة 2019 وفيلم "غرباء الليل" الذي ظهر سنة 2022، وهما يرصدان الفجوة بين باريس النخبوية والضواحي المهمشة، وهي سيكولوجية "نقد ذاتي صارم" تجاه الهوية.
الدفاع عن المحلية ضد الاستهلاك العالمي: يرى الفرنسي في سينماه خط الدفاع الأخير عن ثقافته؛ ولذلك يفضل الأفلام المحلية ذات البناء السيكولوجي المركب؛ مثل فيلم "المملكة الحيوانية" الصادر سنة 2023 والذي يدمج بين الفانتازيا والواقعية الفرنسية الخالصة، بعيداً عن صخب السينما الأمريكية التجارية البحتة.
خلاصة القول:
إن السينما تفضح ما تحاول السياسة إخفاءه؛ فبينما يشاهد الأمريكي أفلاماً مثل "حرب أهلية (2024)" ليتعايش مع توجسه وخوفه المستمر من تفكك نظامه، يلوذ البريطاني بأعمال مثل "داونتون آبي (2022)" ليهرب إلى ماضٍ ذهبي يحميه من الحاضر، في حين يقف الفرنسي أمام شاشة "تشريح سقطة (2023)" شاحذاً أدواته الفكرية ليواجه أزمته الاجتماعية ويثبت حضور هويته المحلية.
ية