عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

ليس كل من يدخل المكتبة يبحث عن حكاية، ولا كل من يقترب من الرفوف يقصد رواية ، فبعضهم يأتي حاملا حلما صغيرا، لكنه أكبر من عمره.
فاجأني اليوم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره بطلب غريب، حتى خلت في البداية أنه يمازحني، أو أن أحدا أرسله ليختبر دهشتي.
قال بثقة: أريد كتبا في الطبخ.
ابتسمت وقلت له: أتمازحني يا صغيري؟ ألست تبحث عن قصة أو رواية؟!!
رفع رأسه، ونظر إليّ بعينين تلمعان بصدق لا يعرف التمثيل، وقال: لا، أنا أعشق الطبخ، وأحب أن أصنع الوجبات ، وأستمتع بمعرفة انواع الوصفات ، خاصة الكيك بجميع أشكاله وانواعه .
لم يكن في صوته شيء من التردد، بل كان يتحدث عن شغفه كما يتحدث شاعر عن قصيدته، أو رسام عن لوحته الأولى.
اصطحبته إلى جناح كتب الطبخ، وأخذ يتصفح العناوين بلهفة العارف بما يريد، ثم اختار كتابا، واحتضنه بين يديه كأنه كنز طال انتظاره ، و غادر المكتبة لكنني بقيت واقفا في مكاني ، لم أكن أفكر في الكتاب الذي اشتراه ، بل في ذلك الدرس العميق الذي منحنيه طفل في العاشرة، دون أن يقصد.
فأدركت أن الأحلام لا تنتظر اكتمال الأعمار، وأن الموهبة لا تستأذن السنوات قبل أن تعلن عن نفسها ، فهناك من يبلغ الخمسين ولا يعرف ماذا يحب، وهناك طفل لم يتجاوز العاشرة، يعرف الطريق إلى شغفه بدقة مدهشة.
لعل ذلك الصغير لن يصبح طاهيا فحسب، ربما سيغدو يوما صانعا للبهجة على موائد الناس، لأن كل إنجاز عظيم يبدأ بميل صادق، واغلب الحرف العظيمة تولد من حب صغير لا يلتفت إليه كثيرون.
ومنذ انصرف، ظل سؤال واحد يرافقني بين الرفوف: كم من حلم صغير يطرق أبواب المكتبات كل يوم، بينما نظنه مجرد طفل يبحث عن كتاب؟
هكذا علّمني ذلك الصغير أن الكتب لا تطعم العقول وحدها، لكن قد تكون أيضا أول وصفة لتحقيق الأحلام.
Librairie Alfia مكتبة الألفية
#الطفل #أطفال

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...