فاتن صبحي - فلسفة الحكمة وجماليات السرد قراءة في المجموعة القصصية "قلة ونعناع" للدكتور مصطفى عطية جمعة

مصرية
ليست كل مجموعة قصصية مجموعة بالمعنى التقليدي فبعض الأعمال تتخطى فكرة جمع القصص المتفرقة لتؤسس عالمًا سرديًا واحدًا له شخصياته وفضاؤه وزمنه ورؤيته الفكرية.
و تعد مجموعة "قلة ونعناع" للدكتور مصطفى عطية جمعة من هذا النوع التي تبدأ صفحاتها الأولى مشروعًا أدبيًا متكاملًا لا يقوم على استقلال القصص بل على ترابطها حتى تبدو وكأنها فصول من سيرة إنسان وسيرة مكان وسيرة مجتمع. نحن هنا أمام مجموعة قصصية مختلفة حيث ينهض نسيجها على بطل محوري واحد بينما تتعدد القصص والمواقف والشخصيات من حوله فتتشابك جميعها لتصوغ عالمًا متكاملًا يقترب في وحدته من الرواية مع احتفاظ كل قصة باستقلالها الفني.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يفتتح د. مصطفى عطية مجموعته بعبارة: "يمكن للحكيم الجلوس على عرش النمل وإذا حاول الأحمق فسيأكله النمل." فهذه العبارة ليست مجرد مفتتح بل هي المفتاح التأويلي للمجموعة كلها حيث يعلن من البداية أن الحكمة هي معيار التفاضل الحقيقي بين البشر وأن الإنسان يرتقي بعقله وأخلاقه وليس بمنصبه أو ماله. ومن هنا يبدأ مشروع د. مصطفى عطية في صناعة بطله المحوري شعبان.
لم يختر د. مصطفى عطية جمعة طبيبًا أو قاضيًا أو أستاذًا جامعيًا وإنما اختار حلاقًا بسيطًا يجلس في دكان صغير بحارة شعبية. ويبدو هذا الاختيار لأول وهلة عاديًا لكنه في الحقيقة من أكثر الاختيارات وعيًا فالحلاق هو أكثر أهل الحارة التصاقًا بالناس تمر عليه الوجوه كلها ويستمع إلى حكاياتهم ويشهد أفراحهم وأحزانهم ويرى تحولات الزمن على ملامحهم. لذلك تحول دكان الحلاقة إلى مركز للحياة ونافذة على الحكايات، ومساحة يلتقي فيها المجتمع كله. ولم يكن شعبان يحلق ويخف الشعر فقط بل كان يخفف شيئًا من هموم الناس أيضًا فيغادر زبونه الدكان وقد حمل قصة أو حكمة أو ابتسامة أو عزاء يخفف وطأة الحياة.
ولم يكن الدكان مكانًا جامدًا بل بدا شخصية موازية لشخصية شعبان.
فعلى بابه يقف أبناء الحارة وفيه تُحل المشكلات وتُستعاد الذكريات وتُروى النوادر وتُبنى العلاقات. حتى القهوة التي يحتسيها شعبان وكوب الماء الخارج من القلة ورائحة النعناع كلها عناصر تتحول إلى علامات على زمن مختلف زمن كانت فيه التفاصيل الصغيرة تصنع دفء الحياة. ومن أجمل المشاهد تلك التي يضع فيها الكاتب القلل أمام الدكان ليشرب منها كل عابر سبيل في صورة تختزل قيمة الكرم الشعبي والعطاء الذي لا ينتظر مقابل.
ويأتي غلاف المجموعة منسجمًا مع عالمها السردي حيث تتصدره القلة بوصفها رمزًا للعطاء والأصالة ونفع الآخرين. ولا يظل هذا الرمز حبيس الغلاف بل يمتد إلى متن القصص حين يحرص شعبان على وضع القلل أمام دكانه صدقة جارية على روح والده رغم قدرته على استبدالها بثلاجة كهربائية. غير أنه آثر القلة لما تمثله من ارتباط بالطبيعة وتمسك بالأصالة وإيمان بأن الخير البسيط الذي يصل إلى الناس هو الأثر الأبقى.
ويحسب للدكتور مصطفى عطية في رسم شخصية شعبان أنه قدمه نموذج للإنسان الذي يصنع ذاته بنفسه فلم يستمد ثقافته من شهادة أكاديمية وإنما من شغفه بالقراءة وإيمانه بأن المعرفة سبيل الارتقاء الحقيقي بالإنسان.
فصار قارئ واسع الاطلاع يقتني الكتب القديمة ويجلّدها ويحافظ عليها كما يحافظ على كنوزه. ويصف الكاتب هذه العلاقة الحميمة بالكتاب حين يخبرنا أن شعبان اشترى كتابًا قديمًا لابن الجوزي ثم قام بتجليده وكتب على غلافه: "مكتبة شعبان زيد" حتى صار الكتاب جزءًا من حياته ومن كثرة قراءته له كاد يحفظ صفحاته وقصصه عن ظهر قلب.
وحين يسأله شريف ساخرًا: "أنت حلاق أم أستاذ خوجة يا عم شعبان؟" لا يغضب بل يجيبه بهدوء العالم الواثق شارحًا سبب أن ابن الجوزي لقب بهذا الاسم وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الثقافة ليست امتيازًا طبقيًا ولا حكرًا على أصحاب الشهادات وإنما هي ثمرة القراءة المستمرة ومحبة المعرفة. وهنا تتجلى إحدى الرسائل العميقة في المجموعة فالثقافة لا يلزمها تعليم جامعي بل تحتاج إلى عقل يقظ وقلب محب للعلم وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا" لقد منح الكاتب شعبان حكمة الحياة قبل أن يمنحه ثقافة الكتب ثم جمع له الأمرين معًا فصار نموذجا للمثقف الشعبي الذي يبني نفسه بنفسه.
ومن أذكى التقنيات التي اعتمدها د. مصطفى أن شعبان لا يفرض رأيه على أحد فهو لا يقول للناس: افعلوا ولا تفعلوا بل يحكي. فإذا احتار أحد روى له قصة وإذا أخطأ آخر ساق إليه مثل شعبي أو تراثي، وإذا ضاق صدره فتح له بابًا من نوادر ابن الجوزي أو من التراث العربي حتى تصبح الحكاية وسيلة للإصلاح وليست أداة للتلقين. وفي قصة "الأخضر والعنزة" نجده يروي لزبائنه حكايات من "أخبار الحمقى والمغفلين" ويستخلص منها الحكمة دون أن يشعر المستمع بأنه يتلقى درسًا مباشرًا. كما يروي قصة الغزال الذي يبحث عن رائحة المسك في الجبال بينما المسك في داخله ثم يعقب بفكرة إنسانية عميقة مفادها أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن سعادته بعيدًا وهي كامنة في نفسه.
ويزيد من جاذبية شخصية شعبان اتزانه النفسي فهو لا يثور ولا يجرح أحدًا ولا يسخر من جاهل ولا يستعرض ثقافته. إنه هادئ متزن رقيق الكلام حسن الإصغاء؛ حتى حين يسخر شريف من كتبه لا يقابله بعنف وإنما يجيبه بابتسامة ومعرفة. وحين يأتيه صديقه إمام محطمًا بعد ترك عمله، لا يوبخه بل يأخذه أولًا لتناول سندويتشات الفول والشاي ثم يفتح له باب الأمل ويقترح عليه أن يبدأ مشروعه الخاص مؤمنًا بأن العمل الشريف هو طريق الكرامة. إنه لا يعالج الناس بالنصيحة المجردة وإنما بالاحتواء وهذه السمة النفسية جعلت منه الأب الروحي للحارة كلها.
ولم يكتب الدكتور مصطفى عطية جمعة أدبًا وعظيًا لكنه كتب أدبًا تنبض شخوصه بروح الإسلام. فشعبان يعطر نفسه بالمسك اقتداءً بقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "أطيب الطيب المسك" ويعلل حبه له بهذا الحديث لا مباهاة وإنما اقتداء. وحين يموت غانم بك يكون شعبان أول الحاضرين يرتل القرآن ويتولى مع جاسر وأهل الحارة شئون الجنازة ويقف إلى جوار الأرملة وبناتها حتى انتهاء مراسم الدفن والعزاء.
ولا يقتصر ذلك على الشخصيات الرجالية فقط بل على الشخصيات النسائية أيضًا فتظهر ملتزمة بالحجاب واللباس المحتشم كما يتجلى في موقف منى حين تعتذر عن مصافحة طارق باليد في مشهد يقدمه الكاتب بعفوية بوصفه سلوك نابع من قناعة وليس وسيلة للوعظ أو الخطابة. إن التدين هنا ليس شعارات بل سلوك يومي ورحمة وأمانة ووفاء وإحسان إلى الجار وهي القيم التي تشكل النسيج الأخلاقي للمجموعة.

وإذا كان شعبان هو القلب النابض للمجموعة فإن الشخصيات الأخرى هي الشرايين التي تمد هذا القلب بالحياة. فلم يقدم د. مصطفى عطية بطله في عزلة وإنما جعل كل شخصية تمر في حياته تضيف إليه بُعدًا جديدًا حتى تكتمل صورته بالتدريج أمام القارئ. ولعل هذا ما يجعل شعبان شخصية متطورة بالمعنى الفني لا تتطور عبر الصراع المباشر وإنما عبر الخبرة والاحتكاك بالناس وتراكم التجارب. ففي كل قصة نكتشف فيه ملمحا جديدا فهو الشاب المكافح والزوج والأب والصديق والمصلح والحكيم حتى يصبح في نهاية المجموعة أشبه بذاكرة الحارة وضميرها الحي.
ومن المميز أن الكاتب لم يجعل شعبان بطلًا خارقًا بل إنسانًا عاديًا يخطو في الحياة بهدوء لكن استثنائيته جاءت من إنسانيته. فهو يحتوي الجميع ويحسن الإصغاء قبل الكلام ويقدم الحلول في صورة حكاية أو مثَل، فيصبح تأثيره في الآخرين أكبر من حضوره في الحدث نفسه.
ويبرز ذلك في قصة "مسك وعنبر" حين يقف إلى جوار أسرة غانم بك بعد وفاته، ويتابع شئون الأرملة وبناتها مع جاسر ثم يكون وكيلًا للعروس في عقد الزواج، وكأنه الأب الذي غاب بجسده وحضر بروحه في شخصية شعبان. ويصف د. مصطفي مشهد الزفاف الشعبي بقوله: "كُتب عقد الزواج في مسجد المغازي وكيل العروس شعبان..." ثم يصور أهل الشارع مصطفين لاستقبال العروسين في مشهد يعيد إلى الأذهان صورة المجتمع المتكاتف الذي كان يشارك أبناءه أفراحهم كما يشاركهم أحزانهم. ولم يكن اختيار المسجد لعقد القران ولا اصطفاف الجيران ولا توزيع الحلوى والشراب تفاصيل عابرة وإنما شواهد على المرجعية الاجتماعية والأخلاقية والدينية التي يبني عليها الكاتب عالمه.
وتتعدد صور المرأة في المجموعة فلا نجد نموذجًا واحدًا يتكرر بل شخصيات متباينة لكل منها دورها المؤثر. فالست تحية تمثل الأم الصابرة التي تتحمل فقد الزوج وتواصل تربية بناتها بكرامة وصفاء تمثل الفتاة التي تجمع بين التعليم والحياء فلا يمنعها حصولها على مؤهل جامعي من احترامها لتقاليد أسرتها ولا يجعل الكاتب ثقافتها في صراع مع قيمها. بل إن الحوار الذي يدور حول زواجها من جاسر يكشف رؤية الكاتب إلى أن الأخلاق والإنسانية أسمى من الفوارق الطبقية أو التعليمية حين تعترض الأم أولًا لأن جاسر يحمل دبلوم تجارة بينما ابنتها خريجة حقوق ثم تنتصر في النهاية لجوهر الإنسان لا لورقة الشهادة. وهكذا لا تظهر المرأة في المجموعة تابعة للرجل بل شريكًا في صناعة الحياة محافظة على هويتها ومتمسكة بقيمها وحاضرة في القرار وفي العمل وفي تربية الأبناء.
وكما تنوعت الشخصيات النسائية تنوعت الشخصيات الرجالية أيضًا. فشعبان يمثل الحكمة والرحمة وجاسر يجسد الشهامة والوفاء حيث يترك جزءًا من حياته ليرعى أسرة غانم بك ثم يشرك الأم والبنات في مشروع زراعة النباتات الطبية وتقاسم الأرباح في صورة تجسد التكافل الحقيقي لا الشفقة العابرة.
ومحمود يمثل قيمة العمل والكفاح فهو لا يخجل من ثياب الورشة الملطخة بالشحم بل يأتي بها إلى دكان الحلاقة فيستقبله شعبان بمزاح أبوي حنون بينما يظل العمل اليدوي في المجموعة مصدرًا للفخر لا للانتقاص. وفي المقابل لا يخلو العالم السردي من الشخصيات الخشنة أو الأنانية مثل زوج شادية ليؤكد الكاتب أن المجتمع الواقعي ليس فردوسًا وإنما مساحة تتجاور فيها النماذج الإيجابية والسلبية وأن القيم تزداد وضوحًا حين تواجه نقيضها.
ولا تتوقف قيمة هذه الشخصيات عند أدوارها في بناء الحدث بل تمتد إلى ما تكشفه من رؤية إنسانية واجتماعية تشكل أحد المرتكزات الأساسية في المشروع السردي للمجموعة.
ويكشف عالم المجموعة القصصية "قلة ونعناع" عن قدرة لافتة على التقاط الإنسان في لحظات ضعفه وقوته معًا فلا تنشغل الحكايات برصد الحدث وحده بل بما يتركه من أثر في النفوس. لذلك تتكرر مشاهد المواساة والاحتواء والوفاء والتضامن الإنساني في أكثر من قصة فتغدو سمة أصيلة في هذا العالم السردي. ونلمس ذلك في وقوف شعبان إلى جوار زوج الحاجة رجاء بعد رحيلها ومساندته للدكتور طارق في بداية حياته واحتوائه لوليد وغيرها من المواقف التي تؤكد أن الخير في هذه المجموعة ليس موقفًا عابرًا وإنما قيمة تتجسد بالفعل اليومي وتمنح الشخصيات عمقها الإنساني.
وفي الوقت نفسه تنفتح القصص على قضايا تمس الحياة اليومية للمجتمع المصري مثل قيمة العمل الشريف وأثر العلم والقراءة في بناء الإنسان والتكافل بين الجيران ورعاية الأسرة واحترام المرأة والإخلاص في الصداقة ومساندة المحتاج والتمسك بالعادات الأصيلة دون انغلاق.
غير أن الكاتب لا يحول هذه القضايا إلى شعارات مباشرة بل ينسجها داخل نسيج الحكاية فتخرج طبيعية نابضة بالحياة وكأنها جزء من نبض الشخصيات نفسها.
وإذا كان شعبان بطلا إنسانيا فإن الحارة هي بطلة المكان. فالكاتب لا يصف البيوت والشوارع وصفًا خارجيًا وإنما يبعث فيها الروح. الحارة هنا تعرف أبناءها وتحفظ أسماءهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم.
فيها يمرض الجميع مع المريض ويفرح الجميع للعروس ويقف الجميع في الجنازة. إنها الحارة المصرية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بما فيها من دفء العلاقات وبساطة العيش واحترام الكبير والتعاون بين الجيران. ومن هنا تبدو المجموعة وكأنها مقاومة هادئة لزمننا الراهن حين يستدعي الكاتب مجتمع يقوم على اللقاء المباشر والحوار الحقيقي في مواجهة عزلة العصر الرقمي التي جعلت الإنسان يعيش بين مئات الأصدقاء الافتراضيين بينما يجهل جاره الذي يشاركه الجدار.
ومن السمات اللافتة في المجموعة أن جميع العناوين تقريبًا تقوم على ثنائية لغوية: شارب وخروف، الأخضر والعنزة، مسك وعنبر، شمع وعسل، الحلوة والمرة، عقد وغوايش، سجاد وفأس، غصن وعش، قلة ونعناع، سعيد وسعيدة، غصن وعش. ولا تبدو هذه الثنائيات مجرد اختيار لغوي جميل وإنما تكشف رؤية الكاتب إلى الحياة بوصفها قائمة على التوازن بين عنصرين أو على الحوار بين الإنسان والشيء، أو بين المادي والرمزي فكل عنوان لا يكتفي بتسمية القصة بل يضيء مركزها الدلالي ويقود القارئ إلى الفكرة التي تدور حولها حتى تبدو العناوين مفاتيح صغيرة تفتح أبواب الحكايات قبل الشروع في قراءتها.
فالأشياء في هذه المجموعة ليست جمادات بل تحمل ذاكرة وتشارك في صناعة الحدث. أما عنوان المجموعة قلة ونعناع فعلى الرغم من أنه عنوان إحدى القصص فإنه أصبح عنوانا للمشروع كله لأن القلة ترمز إلى النقاء والعطاء والبساطة بينما يرمز النعناع إلى الانتعاش ورائحة البيوت المصرية القديمة وكأن الكاتب يختزل عالمه كله في هذين الرمزين اللذين يجمعان بين الماء والحياة، وبين الذاكرة والإنسان.
وتتكشف براعة الدكتور مصطفى عطية جمعة كذلك في محافظته على استقلال كل قصة من ناحية وعلى وحدة المجموعة من ناحية أخرى. فالبطل واحد والمكان يكاد يكون واحدًا والمرجعية الفكرية واحدة لكن الأحداث تتنوع والشخصيات تتبدل والزمن يتقدم ويتراجع عبر الاسترجاع والاستدعاء دون أن يفقد القارئ خيط السرد. وهذه التقنية تجعل المجموعة أقرب إلى الرواية المركبة أو السيرة القصصية منها إلى المجموعة القصصية التقليدية فشعبان هو الخيط الذي تنتظم فيه الحكايات جميعًا بينما تأتي الشخصيات الأخرى لتضيء جانبًا من حياته أو لتكشف قيمة من القيم التي يؤمن بها.
لقد استطاع الدكتور مصطفى عطية جمعة أن يقدم في "قلة ونعناع" مشروعًا أدبيًا يقوم على استعادة الإنسان قبل استعادة المكان. فلم يكن هدفه الحنين إلى الماضي لذاته وإنما أن يستعيد ما كان يميز ذلك الماضي من ترابط ورحمة وتكافل وأصالة واحترام للعمل وتقدير للعلم وإيمان بأن الأخلاق هي الرصيد الحقيقي للإنسان. وجاءت شخصية شعبان لتكون التجسيد العملي لهذه الرؤية فهو بطل مشروع كامل ومثقف عصامي وحكيم شعبي ومصلح اجتماعي وصاحب قلب رحيم ورجل آمن بأن العلم لا يقف عند حدود الشهادة وأن الحكمة هبة من الله لمن أحسن السعي إليها.
ومن هنا فإن المجموعة القصصية "قلة ونعناع" ليست مجرد حكايات عن حلاق في حارة شعبية قديمة، وإنما وثيقة أدبية تحفظ ذاكرة مجتمع وتدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف القيم التي صنعت جمال الحياة. ولعل ما يميز "قلة ونعناع" أنها لا تستدعي أحداث سابقة، وذكريات، بقدر ما تستحضر قيما عظيمة، لتذكّر القارئ بأن العلاقات الإنسانية الصادقة تظل أقوى من عزلة العالم الافتراضي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...