أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - الرّواية والاستشراف

بات من المألوف والمعتاد والمتفق عليه أنّ الأدب لاسيما الرّواية قادر على استشراف المستقبل بما يملك من أدوات من الحدس والتحليل والتركيب والبناء،ورواية " العنّة" للروائي الدكتور أحمد الزّعبي المنشورة في عام 1992 من الرّوايات التي تستشرف المستقبل الإنساني في أكثر صوره قتامه في ضوء الواقع الحاضر،ففي هذه الرّواية تغدو" العنّة "عالماً مرعبًا يتسلّل إلى حياة أبطال الرّواية، ويتخطّى حدود المألوف والمعتاد، ويهتك نسيج الواقع، ويبني نسيجًا غريبًا، يحاك على غير مثال أو توقّع ليجسّد بغير المعتاد وغير الرّتيب عالم الضّعف والتّخاذل والاستسلام الذي يهاجمه أحمد الزّعبي، ويسمه بالعار والخزي.
تبدأ رواية الزّعبيّ منذ لحظة تخرّج البطل في كليّة الإعلام التي طالما أحبّها، لكنّه يصطدم بواقع البطالة والفساد والأكاذيب، وسرعان ما ينهار ويلحق بالرّكب، ويلقي بمبادئه خلف ظهره بل تحت قدميه، ويلتحق بإحدى الشّركات، ويتميّز في العمل فيها، ويعلو نجمه،ويغدو رئيس قسم الإعلام، وبسبب نشاطه الملحوظ يترقّى إلى منصب النّاطق الإعلاميّ الرّسميّ للشّركة وفروعها. لكنّ الأمور تأخذ مجرى آخر، عندما تختطف إحدى العصابات مدير الشّركة وتهدّد بقتله إذا لم يستجب لرغباتها المتمثّلة بمحاكمة المدير محاكمة علنيّة تنقل على الهواء مباشرة عبر محطّات الإذاعة والتّلفزيون. وفي يوم المحاكمة العلنيّة يقرّر زعيم المختطفين على أنّ على المدير أن يشعر بالإذلال والمهانة قبل أن تبدأ المحاكمة الفعليّة.عندها يُقطع البثّ، وتتدخّل الشّرطة، وتقتل المختطفين، وتنقذ المدير الذي يعود إلى العمل فرحًا، ويستقبله الناس بالهتاف دون أن نعرف ماذا فعلت العصابة لإذلال المدير.
ويتفنّن البطل في رسم صورة زاهية للمدير في أذهان النّاس، وينجح في ذلك، ويظنّ أنّ استلابه سيقف عند هذا الحدّ، وما دفعه من مبادئه وقيمه يوازي ما حصل عليه. لكنّ أحمد الزّعبيّ يتّجه بالسّرد وجهة أخرى، وتطغى عليه غرائبيّة سوداء تدفع بالعمل إلى أتون القهر والإذلال، وتبلغ القمّة في استنفاد كرامة الإنسان، وهدر قيمه. فالمدير العامّ يدعو إلى اجتماع لرؤساء الأقسام لأمر عاجل وخطير، ويعلمهم أنّه قد تعرّض في فترة اختطافه إلى حادثة مخزية؛ فقد خصيتيه فيها،واقترح بلغة آمرة أن يتبرّع البعض أو الكلّ بخصيته من أجله، فالطّلب كان غريبًا وصعبًا، لكنّ الكلّ باستثناء القليل استجابوا للطّلب بعد أن طمعوا في المغريات، وقدّموا أعضاء ذكورتهم فخورين بشرف التّضحية!!! قائلين: "غالي والطّلب رخيص… نفتديك بما نملك وما لا نملك
أما أعضاء المديرين المتبرّعين فقد حفظت لوقت الحاجة، وقد برّر المدير الأكبر ذلك قائلاً: إنّنا راعينا العدل والمساواة فيما بينكم درءاً للفتن والخلافات التي قد تنجم فيما لو قبل متبرّع ورفض آخر،أيّ عدل يتكلّم عنه؟ عدل الاستلاب للجميع والذّلّ للكلّ. ومن لم يتجرّع الذّلّ عن رضى تجرّعه مرغمًا؛ فأحد مدراء الشّركات الذي رفض التّبرّع بعضو ذكورته، أُحضر مقيّدًا إلى غرفة العمليّات، وتكالب الكلّ عليه من ممرّضين وممرّضات وأطباء وطبيبات محاولين سرقة عضوه بمعونة المخدّر، لكنّ المدير الأبيّ قاوم المخدّر وانتفض بجسده، ورفض أن يسلب عضوه، وقبِل أن يخسر ذراعيه وأنفه وأسنانه في معركته الضّارية، وقبِل أن يقطّع جسده إرباً، لكنّه بقي محافظاً على عضوه ضامّاً فخديه بشدّه وإصرار. ووقف بضعفه يضمّد جراحه، ويوقف نزيفه، ويسخر من الجلاّدين.
ويبقى بعض أبطال الرّواية خارج لعبة العنّة، أمّا الكلّ، فيحملون شعار "نحن مستعدون لتقديم كلّ شيء كما وعدنا سابقًا، فضلاً عن أنّنا سرنا في الطّريق الذي لا يمكن الرّجوع فيه، حتّى لو فكّرنا مجرّد التّفكير في ذلك". ويخسر بطل الرّواية وظيفته لأنّ الشّركة بحاجة إلى دماء جديدة، وتنتهي الرّواية بالاستلاب كما بدأت به؛ فالبطل يعرف أنّ زوجته تقيم علاقة جنسيّة مع رجل آخر؛ لأنّها ما عادت تطيق الحرمان، ولكنّه يصمت ولا يعترض، فقد أدمن الذّل، وبات يؤرّخ لعام (العنّة) الذي فقد كرامته فيه.. يجلس وحيدًا.. يسمع أبناءه يضحكون في الغرفة المجاورة، بعد أن اطمأن أحدهم إلى أنّ العنّة لا تُورث للأبناء عبر الجينات. ويبقى السّؤال: ما مصير مجتمع أو إنسانيّة أصيبت بالعنّة؟ لعلّ الجواب يكون في الموت؛ لأنّ العنّة تعني العذاب النّفسيّ والحرمان والذّلّ ومن ثمّ انقطاع الذّريّة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...