منال ياسين - قراءة في ديوان ( الغبار ) للشاعر المصري حسني الإتلاتي

حين يتحول الشعر إلى ضمير… والغبار إلى وسام شرف
«الغبار» ليس ديوانًا يُقرأ، بل حالة إنسانية تُعاش.
ليس كلماتٍ مصطفّة، بل أرواحًا واقفة في الصفوف الأخيرة، ترفع رأسها بهدوء، وتفخر بأنها لم تتلوث، لم تخن، ولم تساوم.

هنا، يكتب حسني الإتلاتي شعره بقلب نقي، قلب يعرف الفقر لا بوصفه نقصًا، بل بوصفه صفاءً، ويعرف الهزيمة لا كعار، بل كوسام أخلاقي يعلّق على صدور الشرفاء.

بدايةً من العنوان، يضعنا الشاعر أمام رؤيته الكلية:
«الغبار»… ذلك الذي يتناثر على أقدام الكادحين، وعلى ثياب الفلاحين، وعلى وجوه المنسيين ..المهمشين
الغبار هنا ليس بقايا طريق، بل بقايا حياة، ليس أثر الإهمال، بل أثر الصدق.
هو ما يعلو الأشياء حين تظل في مكانها طويلًا، رافضة أن تبيع نفسها للضوء الزائف.

ويأتي الإهداء كقصيدة قائمة بذاتها، كبيان أخلاقي لا لبس فيه، يعلن انحياز الشاعر الكامل:
إلى الصغار، إلى المشردين، إلى بائعات الخضار، إلى الفلاحين الأجرية، إلى المرضى في المستشفيات الحكومية، إلى الذين يأكلون هياكل الدجاج المسمومة…
إنه لا يهدي ديوانه للفقراء بوصفهم موضوعًا، بل يهديه إليهم بوصفهم أصحاب البيت، أصحاب الصوت، وأصحاب الحق في أن يُكتب عنهم ومن أجلهم.

في هذا الديوان، لا يتعالى الشاعر على أبطاله، بل ينزل إليهم، يجلس بجوارهم، ويقول بصدق نادر:
«أنا واحد منكم… أجلس في الصفوف الأخيرة».
وهنا تكمن عظمة التجربة؛ فالشاعر لا يرتدي عباءة المثقف المنقذ، بل يكتب من موقع الشاهد المتألم، والإنسان المشارك، والمهزوم الشريف.




لغة «الغبار» لغة خالية من الزينة الكاذبة.
هي لغة تمشي حافية القدمين ، لكنها تعرف الطريق.
لغة يومية، قريبة، مألوفة، مشحونة بصدق يجعلها تدخل القلب مباشرة.
لا استعراض لغوي، لا تعقيد متعمد، بل كلمات تعرف مكانها، وتعرف لمن تُقال.

وتتجلى براعة الإتلاتي في قدرته على تحويل التفاصيل البسيطة إلى رموز كبرى:
القطار، المستشفى، الفأس، النخلة، الجلباب، الشاي الثقيل، رائحة الأرض، تعب الأيدي…
كلها تتحول إلى مفردات شعرية تحمل عبء الوطن، ووجع الإنسان، وصبر التاريخ.

أما الأب والأم، فهما الجذر الروحي للديوان.
الأب ليس شخصًا، بل قيمة:
الشرف، العمل، الصبر، الامتناع عن السرقة، الكرامة الصامتة.
الأم ليست ذكرى، بل رحمة تمشي على الأرض، وآخر علاقة شرعية بين السماء والإنسان.
ومن خلالهما، نفهم لماذا جاء هذا الشعر نظيفًا، ولماذا ظل القلب فيه أخضر، رغم كل هذا القهر.

والوطن في «الغبار» ليس نشيدًا محفوظًا، بل سؤالًا موجعًا.
ليس شعارًا، بل مستشفى حكومي، وقطار درجة ثالثة، وطابور طويل، وعيون لا تنام.
ومع ذلك، لا يكرهه الشاعر، بل يحبه كما يُحب الجرح: بحنان، وبألم، وبصدق لا يجامل.

ما يدهشك في هذا الديوان ليس فقط جمال الصور، بل نقاء الموقف.
الإتلاتي شاعر يعرف أين يقف، ولا يخجل من مكانه.
ينحاز للفقراء دون صخب، ويدافع عنهم دون خطابة، ويمنحهم بطولة من نوع آخر:
بطولة الصبر، بطولة أن تبقى إنسانًا، بطولة ألا تصبح جلادًا حين تُتاح لك الفرصة.

«الغبار» ديوان لا يطلب تصفيقًا، ولا يسعى إلى مجد سريع.
هو شعر يُشبه أصحابه:
متواضع، صبور، عنيد، ونظيف.
ديوان يُذكّرك بأن الشعر الحقيقي لا يلمع، بل يترك أثرًا…
كأثر الغبار على الثياب، لا يُرى من بعيد، لكنه لا يزول.

إنه ديوان يُقرأ بالقلب قبل العين،
ويُحفظ في الوجدان قبل الذاكرة،
ويؤكد أن بعض الهزائم…
أشرف من كل الانتصارات.
...
ديوان الغبار للمهزومين أن يفخروا بالبطولة شعر حسني الإتلاتي دار الإسلام بالمنصورة الطبعة الأولى 2019

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...