فنون بصرية أسعد سليم - أوديسا نولان

أوديسا نولان
الفيلم: الأوديسا
تاريخ الإطلاق في دور العرض: ١٦ يوليو ٢٠٢٦
الميزانية: ٢٥٠ مليون دولار
سيناريو وإخراج: كريستوفر نولان
بطولة: مات ديمون، آن هاثاواي، توم هولاند
يقولون إما أن تقع في غرام العباقرة وإما أن تكرههم إلى الأبد، وبلا شك فإن المخرج كريستوفر نولان واحد من هؤلاء العباقرة، ولذلك يجد كثيرون أنفسهم حائرين بين تمجيده أو تجاهله.
لكن نولان في رائعته السينمائية الجديدة «الأوديسا» أراد أن يفرض عبقريته المتفردة على الجميع، وكأنه يقول: أنا الذي خشعت له السينما، وأسمعت أفلامي من به صمم!
يعرف كثيرون منا قصة الأوديسا جيدًا؛ قصة ملك إيثاكا (أوديسيوس) الذي ابتكر فكرة الحصان الذي انتصر به في معركة طروادة الشهيرة، بعد حصار استمر عشر سنوات، ونعرف أيضًا أنه قضى عشر سنوات أخرى في البحر عائدًا إلى مملكته وزوجته وابنه، مواجهًا غضب إله البحر بوسايدون. كل هذا وأكثر نعرفه من خلال ملحمتَي الإلياذة والأوديسا للشاعر اليوناني هوميروس، وهي جزء شهير من الميثولوجيا اليونانية؛ الأساطير التي اشتبكت مع الواقع فأصبحت جزءًا من النسيج الثقافي الوطني، حتى امتزجا ولم نعد نعرف أيهما أسطوري وأيهما حقيقي!
يا لقوة الأسطورة! حينما تتغلغل في النفوس وتستقر في الأذهان، تنسج حول نفسها خيوطًا يصعب الإمساك بها، فتصبح جزءًا من ذاكرتنا وذكرياتنا، بل تتحول أحيانًا لتكون القوة الحاكمة المسيطرة!
في تحفته البصرية «الأوديسا»، لا تعرف هل تلوم نولان على التزامه بالنص الأدبي أم تلومه على الخروج عليه! لم نعد نعرف هل هذه حقًا أوديسا هوميروس أم أصبحت أوديسا نولان! لا يهم، لأنها في النهاية ظهرت بشكل رائع ومبهر.
كثيرًا ما أظهر لنا نولان في أفلامه وجهه الغاضب الناري، لكنه هنا أراد أن يُظهر لنا وجهه الحكيم الفيلسوف. أوديسيوس الذي انتصر وخُلّد في معركة طروادة، ها هو يراجع ذاته: حول ماهية الحرب، وحول الخداع الذي نمارسه للوصول إلى أهدافنا. هل تستحق الحياة التي نحياها أن نزهق روح إنسان آخر؟ وهل تستحق منا أن نكذب ونحتال ونخدع لمجرد تحقيق أهداف قد تبدو في النهاية بلا قيمة؟
إنها رسالة مبطّنة لبارونات الحرب في هذه الأيام، من محبي إراقة الدماء، أن توقفوا وأفيقوا، فالحياة لا تستحق ذلك.
يا لروعة المشاهد والتصوير واختيار الأماكن! يا لعظمة المونتاج! ويا للذهول من الموسيقى التصويرية والمكياج والملابس! إنها تحفة سينمائية متكاملة لا ينقصها شيء تقريبًا.
بينيلوبي، زوجة أوديسيوس التي انتظرته عشرين عامًا رافضةً كل الخُطّاب، تجسد لنا قيمة الحب؛ الحب الذي يُحيي آمال أمة بأكملها، ويحافظ للوطن على قيمته متخطيًا المكائد والدسائس.
بين الخيانة والإخلاص تدور الأحداث؛ خيانة ممن لا نتوقع خيانتهم، وخيانة ممن أحسنّا إليهم، وإخلاص من آمنوا بنا.
إن أوديسا نولان تحذرنا من زوال حضارتنا كما انتهت حضارات سابقة، إذا ما شُغفنا حبًا بالقنابل والصواريخ، وإذا ما تخلينا عن إنسانيتنا وغلبت علينا وحشيتنا.
أحب العباقرة، وأحب نولان، وعشقت الأوديسا التي صنعها بمهارة فائقة ستخلّده في تاريخ السينما بجدارة.
أسعد سليم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...