-يحيى بركات- - "علينا أن نفكر مع الشعب، لا عن الشعب." لا تحموا المبادرة مني... احموها من أن تشبه ما جاءت لتغييره.

أسعدني أن المقال السابق لم يُقرأ بوصفه هجومًا على المبادرة، بل فتح حوارًا واسعًا شارك فيه عدد من المبادرين أنفسهم، وكشف عن حرص حقيقي على إنجاح هذا المسار الوطني، وعن أفكار ومقترحات لم تكن ظاهرة في الخبر الأول الذي انطلقت منه الكتابة.
ولهذا وجدت من واجبي أن أعود إلى الموضوع.
لا دفاعًا عن نفسي.
ولا تراجعًا عن الفكرة.
بل دفاعًا عن المبادرة نفسها، ومحاولة لحمايتها من المصير الذي انتهت إليه مبادرات كثيرة سبقتها.
لقد أوضح عدد من المشاركين أن فكرة التحالف لم تولد بسبب الانتخابات، بل سبقتها، وأنها جاءت استجابة لحالة الترهل الوطني، واحتكار الحياة السياسية، وانسداد الأفق، وأن الانتخابات ليست سوى محطة من محطات مشروع أوسع يسعى إلى بناء توجه وطني ثالث، لا يحتكر الساحة ولا يدعي تمثيلها وحده.
وأنا مقتنع بذلك.
وأحترم حق أي مجموعة وطنية في أن تبادر، وأن تطرح وثيقة، وأن تشعل الشرارة الأولى.
فالشعوب لا تنتظر إذنًا كي تبدأ، والتاريخ لم يعرف حركة كبرى ولدت من اجتماع الشعب كله في لحظة واحدة. دائمًا كانت هناك مجموعة أولى رأت الخطر قبل غيرها، وقرعت الجرس، وفتحت الطريق.
لكن السؤال لا يتعلق بمن أشعل الشرارة.
بل بمن سيملك النار بعد ذلك.
من هنا يبدأ اعتراضي.
أنا لا أخشى على المبادرة من خصومها بقدر ما أخشى عليها من أن تعيد، من حيث لا تقصد، إنتاج الأساليب التي قامت أصلًا لمواجهتها.
فكثير من المشاريع التي بدأت بشعارات التغيير انتهت إلى صورة مخففة مما أرادت تغييره، لا لأن نيات أصحابها كانت سيئة، بل لأنهم استخدموا الأدوات القديمة نفسها، ثم انتظروا نتائج جديدة.
وهنا تكمن المسألة كلها.
لقد اعتدنا، لعقود طويلة، أن تبدأ مشاريعنا السياسية بالطريقة نفسها.
تجتمع مجموعة من النخب.
تختار من بينها لجنة تحضيرية.
تكتب الوثيقة السياسية.
تضع النظام الأساسي.
تحدد آليات العضوية واتخاذ القرار.
ثم تفتح الباب أمام الناس للانضمام.
فيصبح المجتمع مدعوًا إلى دخول بيت اكتملت هندسته، واختيرت أبوابه ونوافذه، وحدد أصحابه أين يجلس الزائر وأين يقف.
يُطلب من الناس أن يشاركوا، لكن بعد أن تكون القرارات المؤسسة قد اتُخذت.
يُطلب منهم أن يعلقوا على وثيقة كتبها غيرهم.
وأن ينضموا إلى لجنة اختارها غيرهم.
وأن ينتخبوا من قائمة أعدها غيرهم.
ثم نستغرب بعد ذلك لماذا لا يشعرون أن المشروع يمثلهم.
هذا، في رأيي، هو النهج الذي يجب أن نكسره.
إذا أردنا تحالفًا مختلفًا، فلا يكفي أن يكون خطابه مختلفًا.
يجب أن تكون طريقة ولادته مختلفة أيضًا.
فالمشكلة ليست فقط في الأشخاص، ولا في نياتهم، ولا في كفاءاتهم، بل في طريقة إنتاج الشرعية.
من اختار اللجنة التحضيرية؟
ومن كتب الوثيقة السياسية؟
ومن وضع النظام الأساسي؟
ومن حدد آليات العضوية والتوسع واتخاذ القرار؟
ومن منح هذه الدائرة، مهما كانت محترمة وحريصة، حق الانتقال من موقع المبادرة إلى موقع التمثيل؟
اللجنة التحضيرية ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا.
هي التي تؤثر في كتابة الوثيقة، وتحديد الأولويات، ووضع شروط العضوية، ورسم شكل التحالف، واختيار من يقترب ومن يبتعد، ومن يظهر في الواجهة ومن يبقى خارج الصورة.
ومن يشارك في صناعة البداية، يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد النهاية.
ولهذا لا يكفي أن نقول إن أعضاء اللجنة ينحدرون من فئات ومناطق مختلفة.
فالطبيب الموجود في الاجتماع لا يصبح تلقائيًا ممثلًا للأطباء.
والمثقف لا يمثل الحركة الثقافية لمجرد حضوره.
والمرأة لا تمثل الحركة النسوية لأنها جلست على الطاولة.
وابن المخيم لا يمثل المخيم ما لم يكن أهل المخيم قد عرفوه، ورشحوه، ومنحوه ثقتهم.
هناك فرق كبير بين أن يكون في اللجنة شخص من رفح، وبين أن يكون لرفح دور في اختيار من يمثلها.
وفرق بين أن يحضر شخص من خان يونس، وبين أن يشعر مجتمع خان يونس أن صوته وصل إلى طاولة التأسيس.
وفرق بين وجود أكاديمي في الاجتماع، وبين أن تشارك الجامعات والأكاديميون في تحديد رؤيتهم واختيار من يعبر عنها.
وفرق بين أن نقول إن اللجنة تضم عمالًا وفلاحين، وبين أن تكون للعمال والفلاحين أنفسهم آلية حقيقية في الترشيح والمشاركة.
التمثيل لا يُقاس بخلفية الشخص فقط.
بل بالطريق التي أوصلته إلى المقعد.
ومن هنا فإن دعوتي لا تعني أن تضم اللجنة التحضيرية مئات الأشخاص، ولا أن يتحول كل قرار إلى استفتاء عام، ولا أن نجلس في انتظار النموذج المثالي الذي لن يأتي.
أنا لا أطالب بالكمال.
أنا أطالب بتغيير الاتجاه.
وهذا فرق جوهري.
قد يقول البعض: بقي على الانتخابات أربعة أشهر فقط، فكيف يمكن إشراك المجتمع في كل ذلك؟
وهذا هو السؤال الذي سيُطرح فعلًا، ويجب أن تكون لدينا عنه إجابة عملية، لا مثالية.
أربعة أشهر ليست قليلة إذا استُخدمت بطريقة صحيحة.
نحن لا نحتاج إلى مؤتمرات ضخمة، ولا إلى انتخابات تمهيدية معقدة في كل قرية ومخيم وقطاع، ولا إلى بناء جهاز بيروقراطي جديد.
نحن نتحدث عن مشاركة مجتمعية سريعة ومنظمة، وعن قرار سياسي واضح بأن المجتمع ليس جمهورًا للحملة، بل شريك في صناعة التحالف.
يمكن خلال الأسابيع الأولى إطلاق حوار وطني مجتمعي واسع، عبر لقاءات مفتوحة في المحافظات، واجتماعات في الجامعات والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني، وعبر منصات التواصل الاجتماعي والاستبيانات الإلكترونية.
يمكن نشر الوثيقة السياسية بوصفها مسودة أولى، لا مرجعية مكتملة، وفتح باب الملاحظات عليها لمدة أسبوعين أو ثلاثة.
ليس المطلوب أن يكتب كل مواطن الوثيقة بيده.
بل أن يعرف أن له حقًا في مناقشتها، والاعتراض عليها، والإضافة إليها، وأن يرى لاحقًا أثر ملاحظاته في النسخة المعدلة.
ثم تنشر اللجنة تقريرًا واضحًا يقول:
هذه أهم الملاحظات التي وصلتنا.
وهذه القضايا التي أثارها الناس.
وهذه البنود التي عدلناها.
وهذه المقترحات التي لم نأخذ بها، وهذه أسبابنا.
عندها لا تكون المشاركة زينة ديمقراطية، بل فعلًا له نتيجة مرئية.
وبالتوازي، يمكن فتح باب الترشيح المجتمعي للجنة التحضيرية الموسعة أو للهيئات المتخصصة التي ستشارك في صياغة البرنامج والمعايير.
ويُطرح السؤال بوضوح:
من يثق به أهل رفح؟
من يثق به أهل خان يونس؟
من يثق به أهل دير البلح؟
من يثق به أهل غزة؟
من يثق به أهل مخيم جباليا؟
ومن يثق به أهل مخيم جنين، ومخيم طولكرم، ومخيم عسكر، وسائر المخيمات والقرى والمدن؟
ولا أقصد ممثلين عن الفصائل.
بل شخصيات خرجت من هذه المجتمعات، وعاشت مشكلاتها، وخدمتها، وحازت احترامها.
ثم يمتد السؤال إلى المجتمع كله:
من يمثل الجامعات والأكاديميين؟
من يمثل الحركة الثقافية؟
من يمثل الفنانين والمبدعين؟
من يمثل الإعلاميين؟
من يمثل العمال والفلاحين؟
من يمثل الأطباء والمهندسين والمحامين؟
من يمثل المعلمين والطلبة؟
من يمثل ذوي الإعاقة؟
من يمثل المرأة والشباب؟
من يمثل التجار وأصحاب المهن الصغيرة؟
من يمثل الموظفين والمتقاعدين ؟
من يمثل القرى المهددة بالاستيطان؟
ومن يمثل المخيمات التي تحمل ذاكرة اللجوء ووجعه؟
لا يعني ذلك أن يدخل كل مرشح إلى اللجنة.
بل يعني أن يعرف المجتمع أن له حقًا في اقتراح الأسماء، وأن آلية الاختيار معلنة، وأن اللجنة ليست دائرة اختارت نفسها ثم فتحت الباب للآخرين بعد اكتمالها.
يمكن أن يرشح كل قطاع أسماء يثق بها، مع أسباب الترشيح، ثم تختار هيئة مستقلة أو لجنة انتقالية محدودة العدد مجموعة متوازنة وفق معايير منشورة مسبقًا.
وتُنشر النتائج بشفافية:
هذه الأسماء التي اقترحها المجتمع.
وهذه المعايير التي اعتمدناها.
وهذه أسباب اختيار من وقع عليهم الاختيار.
وهكذا لا يبقى السؤال: من حضر الاجتماع الأول؟
بل يصبح: كيف دخل المجتمع كله، رمزيًا وعمليًا، إلى طاولة التأسيس؟
ثم تأتي مرحلة البرنامج السياسي.
يُنشر البرنامج، لا بوصفه نصًا مقدسًا، بل عقدًا مقترحًا بين التحالف والمجتمع.
تُفتح نافذة للملاحظات.
وتُجرى لقاءات متخصصة حول الاقتصاد والتعليم والصحة والحريات والعدالة الاجتماعية والمقاومة والاستيطان والقدس وغزة والشتات.
ويُسأل الناس لا عن الشعارات العامة فقط، بل عن أولوياتهم المباشرة:
ماذا يريد المزارع الذي تُصادر أرضه؟
ماذا يريد العامل الذي لا يملك أمانًا اجتماعيًا؟
ماذا يريد الخريج الذي ينتظر فرصة لن تأتي؟
ماذا تريد المرأة التي تدفع ثمن الأزمة في البيت والعمل والمجتمع؟
ماذا يريد الفنان والمثقف والإعلامي، لا باعتبارهم زينة في المشهد، بل قوة في إنتاج الوعي؟
وماذا يريد أهل غزة الذين لا يجوز أن يُختصر تمثيلهم في أسماء تتحدث عنهم من بعيد؟
بعد ذلك تُعلن معايير اختيار المرشحين قبل إعلان أسمائهم.
هل الأولوية للكفاءة؟
لنظافة اليد؟
للخدمة العامة؟
للقدرة على التواصل مع الناس؟
للشجاعة في مواجهة الاحتلال والفساد والاستبداد؟
لمن عاش هموم مجتمعه، لا لمن يملك موقعًا تنظيميًا أو اسمًا عائليًا أو شبكة نفوذ؟
ثم تُفتح أمام المجتمع فرصة اقتراح المرشحين.
وعندما تكتمل القائمة الأولية، تُنشر السير الذاتية المختصرة لكل اسم، وما الذي قدمه، وما موقفه، ولماذا اختير.
ويُفتح المجال للنقاش المسؤول حول الأسماء، بعيدًا عن التشهير والإدانة المسبقة.
ويمكن إجراء استطلاعات رأي أو استفتاءات إلكترونية غير ملزمة حول البرنامج والقائمة، لا باعتبارها بديلًا عن الانتخابات الرسمية، بل أداة لقياس الالتفاف المجتمعي، واكتشاف نقاط القوة والضعف، ومعرفة الأسماء التي تحظى بالثقة والأسماء التي تثير اعتراضات واسعة.
فإذا تكررت الملاحظات على بند في البرنامج، تُراجع صياغته.
وإذا ظهرت اعتراضات جدية على بعض الأسماء، تُفحص أسبابها.
ثم تشرح اللجنة قرارها، سواء عدلت أو أبقت.
المهم أن يعرف المواطن أن صوته لم يسقط في بئر مغلقة.
بهذه الطريقة تتحول وسائل التواصل الاجتماعي من ساحة للدعاية الانتخابية إلى ساحة لبناء التحالف نفسه.
فبدل أن تستخدم المنصات لتقول للناس: انتخبونا، يمكن استخدامها أولًا لتقول لهم: شاركونا في تحديد من نحن.
وبدل أن تكون مكانًا لعرض الصور والشعارات والملصقات، تصبح مساحة لسماع الناس، واستقبال اقتراحاتهم، ونشر الوثائق، واختبار البرامج، ومناقشة الأسماء.
فالتحالف الذي يخشى عرض برنامجه وأسماء مرشحيه على المجتمع قبل الانتخابات، سيجد صعوبة في إقناع المجتمع بمنحه ثقته يوم الانتخابات.
ولسنا ندعو إلى تأجيل الانتخابات.
بل إلى تغيير طريقة التحضير لها.
فالفرق كبير بين أن تُعد القائمة خلف أبواب مغلقة ثم تُعرض على الناس، وبين أن يُطلب من الناس المشاركة في بنائها منذ البداية.
وإذا تعذر تنفيذ النموذج الكامل في الدورة الأولى، فليُبدأ بما هو ممكن.
فكل خطوة توسع مشاركة المجتمع تمنح التحالف شرعية أكبر، وتفتح الطريق أمام تطوير التجربة لاحقًا.
السياسة لا تتغير بقفزة واحدة.
لكنها تتغير عندما نقرر أن نسير في طريق مختلف.
وقد قال أحد المشاركين في الحوار جملة تستحق أن تكون في صلب هذه الرؤية:
علينا أن نفكر مع الشعب، لا عن الشعب.
هذه ليست جملة جميلة فقط.
إنها منهج كامل.
فالخبير قد يصوغ اللغة القانونية، لكنه لا يملك وحده أن يقرر رؤية الناس.
والأكاديمي قد يساعد في بناء البرنامج، لكنه لا يحل محل المجتمع.
والسياسي قد يقرأ موازين القوى، لكنه لا يملك أن يمنح نفسه تفويضًا لم يحصل عليه.
الشعب ليس لجنة تدقيق تُعرض عليها الوثيقة في النهاية.
وليس جمهورًا يصفق عند إعلان القائمة.
وليس خزّان أصوات نعود إليه كلما اقترب موعد الاقتراع.
الشعب هو صاحب الوثيقة، وصاحب البرنامج، وصاحب الشرعية، وصاحب القرار.
لكن هناك شريحة أوسع من كل التنظيمات والفصائل والاتحادات، تكاد تكون غائبة عن النقاش كله.
السواد الأعظم من الناس الذين لا يشاركون في الانتخابات، ولا يحضرون الاجتماعات، ولا ينتمون إلى فصيل، ولا يثقون بأن صوتهم سيصنع فرقًا.
هؤلاء ليسوا بلا موقف.
صمتهم موقف.
وعزوفهم ليس كسلًا، بل نتيجة تجربة طويلة أقنعتهم بأن اللعبة محسومة، وأن الأسماء تتغير فيما تبقى القواعد نفسها، وأن الجميع يقرأ من الكتاب ذاته، ولو اختلفت الأغلفة.
هذه الكتلة الصامتة لا ترى نفسها في المبادرات، لأنها اعتادت أن تسمع عنها بعد تأسيسها.
ولا ترى جدوى من التصويت، لأنها تشعر أن النتائج صُنعت قبل أن تصل إلى الصندوق.
ولا تثق بالخطابات، لأنها سمعت الوعود نفسها من وجوه كثيرة.
هؤلاء هم التحدي الحقيقي.
وهم أيضًا فرصة التغيير الكبرى.
أي مبادرة وطنية لا تضع في مركز اهتمامها استعادة هذه الكتلة الصامتة، ستبقى تدور داخل الجمهور السياسي نفسه، وتتنافس على الأصوات نفسها، وتتحدث مع الأشخاص أنفسهم.
أما التغيير الحقيقي، فيبدأ عندما يشعر المواطن الذي لم ينتخب منذ سنوات أن صوته هذه المرة لا يضيف رقمًا إلى صندوق، بل يشارك في تغيير قواعد اللعبة نفسها.
عندما يشعر أن اسمه المقترح وصل.
وأن ملاحظته عُرضت.
وأن اعتراضه أُخذ بجدية.
وأن الشخص الذي يمثله لم يهبط عليه من قائمة مغلقة، بل خرج من مجتمعه.
عندها قد يستعيد ثقته بأن صوته يعمل فرقًا.
ليس فرقًا بين مرشح وآخر فقط.
بل فرقًا في شكل السياسة، وفي توزيع القوة، وفي معنى التمثيل.
هذه الشريحة الصامتة هي المارد الحقيقي.
مارد حُبس طويلًا في زجاجة اليأس، وأُقنع بأن لا جدوى من خروجه، وأن المنتفعين رسموا المشهد وأغلقوا أبوابه.
لكن هذا المارد، إذا استيقظ، لن يضيف مقاعد قليلة إلى قائمة.
سيغير المشهد كله.
سيقلب ما هندسه المنتفعون.
ويعيد ترتيب القوة من أسفل إلى أعلى.
ويجعل السياسة فعلًا مجتمعيًا لا مهنة مغلقة.
لهذا لم يكن مقالي الأول اعتراضًا على المبادرة.
وليس هذا المقال محاولة لإدانة المبادرين.
أنا لا أريد إجهاض هذه المبادرة.
أريد إنقاذها من أن تشبه ما جاءت لتغييره.
أريد حمايتها من أن تبقى تحالف من حضروا، ومن كتبوا الوثيقة، ومن اختاروا اللجنة.
أريد لها أن تخرج من القاعة إلى الشارع، ومن المنصة إلى المخيم، ومن البيان إلى الجامعة والمزرعة والمصنع والمستشفى والبيت.
أريدها ألا تطلب من المجتمع أن يلتف حولها بعد اكتمالها.
بل أن يكون هذا الالتفاف هو الذي يشكلها منذ البداية.
فالمبادرة التي يبنيها الناس لن تحتاج إلى إقناعهم بأنها تمثلهم.
سيرون أنفسهم فيها.
وسيدافعون عنها، لا لأنها وعدتهم بالتغيير، بل لأنهم شاركوا في صناعته.
الشرعية الحقيقية لا تُعلن في بيان التأسيس.
ولا يمنحها عدد الأسماء اللامعة.
ولا تصنعها جودة اللغة وحدها.
الشرعية تولد عندما يشعر الناس أن هذا البناء بدأ من أيديهم، وأنه يحمل بصماتهم، وأنهم ليسوا ضيوفًا عليه، بل أصحابه.
وحين يخرج المارد الصامت من زجاجته، لن يسأل من كتب الوثيقة الأولى، ولا من جلس في الاجتماع الأول.
سيكتب وثيقته بيده.
ويختار من يمثله.
ويعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي:
في يد الشعب.

يحيى بركات
20/7/2026





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...